ألقت التطورات الأخيرة في سوريا، الضوء على شراكة كانت يوماً وثيقة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، بعدما بدأت بتحالف وثيق في الحرب ضد “داعش”، إلى أن وصلت إلى إعلان مسؤولين أميركيين “انتهاء” مهمة “قسد”.

مع تقدم الجيش السوري إلى مناطق ظلت “قسد” تسيطر عليها لسنوات، ومن بينها محافظة الرقة، وأجزاء من دير الزور، في إطار اتفاق جديد للاندماج مؤسسات الدولة السورية، وجد المقاتلون الأكراد، حلفاء واشنطن الرئيسيين في القتال ضد تنظيم “داعش”، أنفسهم فجأة مُجبرين على التخلي عن أراضٍ وقبول سلطة الحكومة السورية، على الرغم من طموحات سابقة تتعلق بـ”إدارة ذاتية” للمناطق التي كانوا يسيطرون عليها.

المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، أكد أن الغرض الأصلي لـ”قسد”، بوصفها القوة الأساسية على الأرض في محاربة “داعش”، “انتهت صلاحيته إلى حد كبير”، مشيراً إلى أنه مع وجود حكومة مركزية جديدة في دمشق، ضمن التحالف المناهض لـ”داعش”، فإن واشنطن “لم تعد تدعم” الدور العسكري لـ”قسد”. 

هذا التحول الدراماتيكي، الذي رأته أوساط أميركية، تخلياً عن الأكراد، دفع إلى إعادة فحص أعمق لعلاقة واشنطن بـ”قسد”.

الحرب ضد “داعش”

وُلدت الشراكة بين الولايات المتحدة وأكراد سوريا من رحم الضرورة الحربية. ففي عام 2014، ومع اجتياح تنظيم “داعش” لأجزاء واسعة من سوريا والعراق، تولت ميليشيا كردية تُعرف بـ”وحدات حماية الشعب” YPG، الدفاع بشراسة عن بلدات ذات أغلبية كردية مثل كوباني (عين العرب).

ومع إعجاب واشنطن بصلابة تلك القوات وحاجتها الماسة إلى قوة برية فعالة ضد “داعش”، بدأت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في تقديم الدعم الجوي للأكراد.

بحلول أكتوبر 2015، اتخذ التحالف طابعاً رسمياً، إذ وحدت “وحدات حماية الشعب” صفوفها مع مجموعات عربية ومسيحية محدودة لتأسيس قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، كتحالف متعدد الإثنيات، أُنشئ صراحة لمحاربة “داعش”.

كانت واشنطن تأمل أن يخفف توصيف القوة بأنها “ديمقراطية” ومتعددة الإثنيات من غضب تركيا، حليفة الولايات المتحدة في الناتو، التي كانت ترى “وحدات حماية الشعب” امتداداً لحزب العمال الكردستاني PKK، الذي تحظره أنقرة.

ويروي قائد القوات الخاصة الأميركية الجنرال ريموند توماس، أنه قال للأكراد ذات مرة: “عليكم تغيير علامتكم التجارية”، مضيفاً أنهم “وخلال يوم تقريباً أعلنوا أنهم باتوا قوات سوريا الديمقراطية”، في إشارة إلى إعادة التسمية في عام 2015. ومع ذلك، ظلت “قسد” عملياً تحت هيمنة “وحدات حماية الشعب”، وبقيت تركيا شديدة الريبة من الدعم الأميركي للجماعة.

الدعم الأميركي

ما إن ترسخت الشراكة الجديدة حتى تصاعد الدعم الأميركي سريعاً. فخلال أيام من تأسيس “قسد”، أسقطت طائرات شحن عسكرية أميركية 50 طناً من الأسلحة والذخائر للمقاتلين ذوي القيادة الكردية.

وشكل ذلك انعطافة في سياسة واشنطن بسوريا، فبعد فشل محاولة تدريب قوة عربية سورية معارضة، قررت الولايات المتحدة “الاستثمار” في الشريك الكردي الذي أثبت، من وجهة نظرها، القدرة والرغبة في قتال “داعش”. 

  • الأسلحة والمعدات

في مايو 2017، وافق الرئيس دونالد ترمب على تسليم أسلحة مباشرة لمكون “وحدات حماية الشعب” داخل “قسد”، ما فتح الطريق لشحنات من الأسلحة الثقيلة استعداداً لمعركة تحرير الرقة من قبضة “داعش”.

وبحلول منتصف 2017، كان أكثر من 8500 مقاتل من “قسد” قد تلقوا تدريباً على يد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، كما زُودت القوة بأكثر من 400 مركبة مدرعة (مثل ناقلات جنود مُحصنة).

وقدرت تحقيقات مشتركة لاحقاً أن وزارة الحرب الأميركية “البنتاجون”، قدمت ما يصل إلى 2.2 مليار دولار من الأسلحة لـ”قسد” بحلول أواخر 2017، في خط إمداد ضخم شمل بنادق ورشاشات وقذائف هاون ومركبات ومعدات أخرى.

منذ البداية الحرب ضد “داعش”، كان سلاح الجو الأميركي عامل الحسم في هجمات “قسد”. فقد قصفت الطائرات الأميركية والمسيرات مواقع “داعش” قبل كل تقدم كبير لـ”قسد”، بدءاً من هجوم فبراير 2016 لاستعادة الشدادي في الحسكة، وصولاً إلى الحملات الطويلة في منبج والرقة.

وكان التنسيق وثيقاً مع قادة أكراد على الأرض، وغالباً عبر قوات أميركية خاصة تعمل كموجهين لضربات جوية تكتيكية مشتركة. هذا الغطاء الجوي الكاسح سمح لمقاتلي “قسد”، الأخف تسليحاً، بتقويض “داعش” بسرعة وبأقل قدر من التعثر.

  • المستشارون والتنسيق الميداني

أرسلت الولايات المتحدة أيضاً المئات من عناصر القوات الخاصة إلى شمال سوريا، للعمل جنباً إلى جنب مع “قسد”.

وبحلول أواخر 2016، كانت فرقاً أميركية صغيرة، مدمجة مع وحدات “قسد”، تُدرب المقاتلين وتقدم إرشادات حاسمة في ساحة المعركة. وأحياناً كان كوماندوز أميركيون يضعون شارات “وحدات حماية الشعب/وحدات حماية المرأة” YPG/YPJ أثناء مرافقتهم المقاتلين الأكراد، في إشارة رمزية للتضامن، أثارت غضب تركيا في حينها.

كما قام كبار القادة الأميركيين بزيارات سرية لمناطق سيطرة الأكراد: ففي مايو 2016، دخل الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأميركية، شمال سوريا للقاء قادة “قسد” وتفقد مواقع أميركية، تزامناً مع إرسال 250 عنصراً إضافياً من القوات الخاصة.

وساعد المستشارون الأميركيون في التخطيط التكتيكي وتبادل المعلومات الاستخبارية وتنسيق نيران التحالف. وأُنشئت قواعد أميركية في مناطق “قسد”، بما في ذلك مدارج جوية في شمال شرق سوريا (رميلان في الحسكة ومدرج آخر قرب كوباني) لتسريع الإمداد والإجلاء الطبي.

  • الدعم المالي واللوجستي

إلى جانب السلاح والجنود، قدمت الولايات المتحدة تمويلًا مباشراً لـ”قسد”، لتغطية الرواتب والوقود واحتياجات أخرى.

وخصصت الميزانيات الدفاعية الأميركية مئات الملايين سنوياً لـ”قسد” في عمليات مكافحة “داعش”. كما ساعد الدعم الأميركي “قسد” في إدارة آلاف معتقلي “داعش” والنازحين في سجون ومخيمات بدائية مثل “مخيم الهول”، بما يخفف جزءاً من عبء حراسة هذه المنشآت شديدة الحساسية.

السيطرة والتنسيق الميداني

بدعم أميركي قوي، حققت “قسد” سلسلة من الانتصارات الكبرى ضد تنظيم “داعش”، إذ حررت مدناً، ووسعت في الوقت نفسه رقعة السيطرة الكردية بحكم الأمر الواقع

في منتصف 2016، انتزعت “قسد”، بدعم من ضربات جوية أميركية كثيفة، وقوات خاصة غربية، مدينة منبج ذات الأهمية الاستراتيجية من “داعش”.

قطع ذلك طريق إمداد مهماً لـ”داعش” نحو تركيا، وأظهر تنامي قدرات التحالف الأميركي-الكردي.

وأظهرت صور آنذاك، عناصر أميركية تقود القتال إلى جانب وحدات “قسد”، ويرفعون أعلام الولايات المتحدة في المنطقة، لردع هجوم تركي محتمل على مواقع الأكراد، وهي مشاهد صدمت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي اعتبر أن تلك المشاهد، ستؤثر على علاقة “دولتين عضوتين في حلف الناتو وشريكتين استراتيجيتين”.

ظل الاستيلاء على الرقة، عاصمة دولة “داعش”، أبرز إنجازات “قسد”.

ففي حملة شرسة استغرقت معظم عام 2017، شن مقاتلو “قسد”، بإرشاد قوات خاصة أميركية وفرنسية، هجوماً محكماً على المدينة. وبحلول أكتوبر 2017، أعلنت “قسد” تحرير الرقة بالكامل، ورفعت علمها الأصفر في “ساحة النعيم” الشهيرة التي كان “داعش” ينفذ فيها الإعدامات.

تحقق ذلك بفعل قصف متواصل من التحالف ومعارك شوارع طويلة. وكان الفريق أول، ستيفن تاونسند، قائد التحالف ضد “داعش” حينها، قد دعم علناً الدور القيادي لـ”قسد” في الرقة، مؤكداً أن قادتها يضعون خطط المعركة “بنصيحة من القوات الأميركية”.

وقد بدا سقوط الرقة لحظة فارقة، ميليشيا بقيادة كردية تُسقط حصن “داعش”، وهو أمر كان يبدو غير معقول في بدايات الحرب.

  • دير الزور والشرق (2017–2019)

مع انحسار سيطرة “داعش”، اندفعت “قسد” شرقاً إلى مناطق ذات غالبية عربية، في سباق مع قوات الحكومة السورية القادمة من الغرب.

وبحلول أواخر 2017، سيطرت وحدات “قسد”، على أجزاء واسعة من محافظة دير الزور، بما في ذلك حقول نفط وغاز على ضفاف الفرات.

وفي مطلع 2018، سيطرت على سد الفرات ومدينة الطبقة بدعم أميركي. وأخيراً، في مارس 2019، اجتاحت “قسد” الباغوز، آخر معقل لـ”داعش” على الحدود السورية العراقية. وفي أجواء احتفالية، أعلن متحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية “القضاء التام” على “داعش”، بينما اعتبر مسؤولون أميركيون ذلك نهاية سيطرة التنظيم على الأرض.

في ذروة الحملة ضد “داعش”، كانت “قسد” تسيطر بدعم أميركي على ما يقرب من ثلث مساحة سوريا.

الإدارة الذاتية

وتضمنت هذه الرقعة، التي سماها الأكراد “روجافا”، أو “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، معظم شمال شرق البلاد: الحسكة، وأجزاءً واسعة من الرقة ودير الزور، ومدينة كوباني وريف حلب المحيط، ومنطقة منبج. وهي منطقة متنوعة لا تضم الأكراد وحدهم، بل ملايين العرب وأقليات أخرى. وأدير الحكم عبر مجالس محلية ضمن إطار شبه ذاتي.

وبقيت قوات أميركية منتشرة إلى جانب “قسد” حتى بعد هزيمة “داعش”، لملاحقة خلاياه ومنع عودة التنظيم، وللقيام بدور “حاجز” في وجه قوى معادية.

واستمر وجود نحو 900 جندي أميركي في مناطق “قسد”، فيما كانت واشنطن تبرر ذلك بالحاجة لمنع عودة “داعش” وتأمين منشآت رئيسية، ولا سيما حقول النفط.

وكان التنسيق الميداني مباشراً في كثير من الأحيان. أتاحت مراكز تنسيق مشتركة تبادل معلومات فوري، وتمكنت القوات الخاصة الأميركية من استدعاء ضربات جوية خلال دقائق ضد أهداف يرصدها مقاتلو “قسد”.

وفي حادثة عام 2016، حين قصفت طائرات تابعة للنظام السوري السابق مواقع كردية في الحسكة، أقلعت مقاتلات أميركية لردعها، في إشارة إلى مدى اندماج الطرفين في بعض المناطق.

كما كان الوجود الأميركي بحد ذاته عامل ردع، ففي الفترة بين 2017 و2019، كان عدد محدود من الجنود الأميركيين على الحدود الشمالية كافياً، لثني تركيا عن مهاجمة الجيب الكردي شرق الفرات.

وعلى الصعيد السياسي، وفر الغطاء الدبلوماسي الأميركي لـ”قسد”، مساحة شرعية نسبية، حيث شاركت في محادثات دولية حول “داعش”، واستقبلت مسؤولين أجانب، رغم إدانة دمشق لما تسميه “انفصاليين أكراد”.

النفط في قلب الشراكة

وبرز ملف النفط وحقول شرق سوريا كأحد أكثر أوجه الشراكة بين واشنطن وقوات سوريا الديمقراطية، حساسيةً وجدلاً؛ فبعد قرار الانسحاب الجزئي الأميركي من الشمال السوري في أكتوبر 2019، انتقلت بوصلة الوجود العسكري الأميركي سريعاً نحو مناطق الحقول، إذ قال الرئيس دونالد ترمب إن “عدداً صغيراً” من القوات سيبقى “لتأمين النفط”.

وفي الإطار نفسه، قدم وزير الدفاع آنذاك مارك إسبر، تفسيراً “عملياتياً” لبقاء قوات أميركية قرب حقول النفط، مشدداً على أن الهدف هو حرمان تنظيم “داعش”، وأي جهات أخرى، من عائدات النفط التي قد تُستخدم لتمويل “أنشطة خبيثة”.

وفي أواخر أكتوبر من العام نفسه، تحدث إسبر أيضاً عن تصورٍ لـ”دفاع واسع” عن مناطق الحقول، محذراً من أن واشنطن سترد “بقوة ساحقة” على أي طرف يهدد قواتها هناك، في خطوة فسرها مراقبون بأنها لا تتعلق فقط بمحاربة “داعش”، بل أيضاً بحماية موطئ قدم أميركي في شرق سوريا وسط تنافس مع روسيا ونظام دمشق وقوى أخرى.

ومع اتساع الجدل حول ما إذا كانت واشنطن “تستفيد” من النفط، قالت وزارة الدفاع الأميركية، إن عائدات الحقول لا تذهب إلى الولايات المتحدة بل إلى القوات الشريكة المدعومة أميركياً، في محاولة لقطع الطريق على اتهامات “الاستحواذ” على الموارد.

إلا أن الملف عاد ليثير ضجيجاً إضافياً في أغسطس 2020 حين ذكرت “رويترز”، أن دمشق قالت إن شركة نفط أميركية وقعت اتفاقاً مع القوات الكردية المسيطرة على حقول الشمال الشرقي، ووصفت الخارجية السورية في عهد بشار الأسد الاتفاق بأنه “غير قانوني” ويستهدف “سرقة” النفط السوري، وهو ما غذى سردية خصوم “قسد”، بأن النفط صار جزءاً من معادلة النفوذ والتمويل في المنطقة.

وفي خلفية هذا كله، ظلت حقول مثل العمر وكونوكو للغاز، رافعة مالية رئيسية للإدارة الذاتية بقيادة “قسد”، وهو ما يفسر لماذا كانت السيطرة عليها بنداً في أي ترتيبات سياسية أو عسكرية؛ إذ أشارت “رويترز”، إلى أن هذه الحقول كانت مصدراً ضرورياً للإيرادات قبل أن تعلن قوات الحكومة السورية السيطرة عليها خلال المعارك الأخيرة في شرق سوريا.

أهداف واشنطن وآمال الأكراد

طوال سنوات التعاون العسكري، ظل سؤال جوهري حاضراً: ما الذي تريده الولايات المتحدة في نهاية المطاف للأكراد السوريين؟ كثيرون منهم أملوا أن تترجم شراكتهم في الحرب إلى دعم سياسي لحكم ذاتي في تسوية سورية مستقبلية، إن لم يكن استقلالاً.

لكن الموقف الرسمي الأميركي، ظل دون ذلك بكثير. فقد شددت واشنطن مراراً على وحدة الأراضي السورية، سعياً لطمأنة تركيا وتجنب التورط في نزاعات السيادة.

ومن منظورها، كانت الشراكة مع “قسد” وسيلة لهزيمة “داعش”، لا تفويضاً لإقامة دولة كردية.

ولم تُقدم أي وعود أميركية رسمية بدولة كردية في سوريا. وكان القول إن “الولايات المتحدة ليست هناك لدعم استقلال كردي” يتكرر في الدبلوماسية الأميركية.

عملياً، بدا التحالف مؤقتاً وتبادلياً، ضروري لهزيمة “داعش”، لكنه غير مخصص لإعادة رسم الخريطة.

كما فهمت القيادة الكردية هذه الدقة. فالجناح السياسي لـ”قسد” (مجلس سوريا الديمقراطية) لم يعلن الاستقلال، بل طرح نموذجاً لفيدرالية أو حكم ذاتي داخل سوريا.

أما الأيديولوجيا المتأثرة بالقيادي الكردي عبد الله أوجلان، فترفض أصلاً فكرة “دولة قومية كردية” في سوريا، وتتبنى مفهوم “الإدارة الذاتية الديمقراطية” بما يشمل الحكم المحلي والمساواة بين الجنسين والتعددية دون فصل الحدود السورية.

وفي عام 2016، تخلى الأكراد حتى عن استخدام مصطلح “روجافا”، وأعادوا تسمية مناطقهم بـ”الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” لتأكيد أنها ليست مشروعاً للانفصال. وقد انسجم ذلك مع تفضيلات واشنطن، التي استطاعت الاستناد إلى خطاب “قسد” نفسه لتقول إنها لا “تُولد دولة كردية جديدة”.

خلف الأبواب المغلقة، ضغط مسؤولون أكراد أحياناً للحصول على ضمانات سياسية أو أمنية، حماية من تركيا، مشاركة في مفاوضات السلام، وربما منطقة حظر طيران شبيهة بتجربة كردستان العراق في تسعينيات القرن الماضي. لكن واقع الجغرافيا السياسية كان يتدخل في كل مرة. فقد قيدت معارضة تركيا الشديدة لأي حكم ذاتي كردي مقدار ما يمكن لواشنطن أن تقدمه.

والأهم، لم توقع الولايات المتحدة مع “قسد” أي اتفاق دفاعي أو ضمانات أمنية طويلة الأمد. وظلت الشراكة، رغم استثنائيتها، تحالفاً غير رسمي يتبدل بتبدل أولويات البيت الأبيض. وقد تبدلت بالفعل بشكل حاد في عهد الرئيس دونالد ترمب.

ففي أكتوبر 2019، وبعد القضاء على “داعش”، أمر ترمب بانسحاب القوات الأميركية من أجزاء من مناطق الأكراد قرب الحدود، بما فُهم على أنه ضوء أخضر لعملية تركية. وكتب ترمب آنذاك في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي: “الأكراد قاتلوا معنا، لكنهم تلقوا مبالغ ضخمة من المال والمعدات مقابل ذلك”، في تقليل واضح لأي التزام تجاههم.

تصدعات الشراكة وبداية النهاية

واجهت شراكة واشنطن و”قسد” ضغوطاً متزايدة حتى قبل الانهيار الأخير. كانت تركيا مصدر توتر دائم، وبلغ ذلك ذروة في توغل 2019 حين أجبر الانسحاب الأميركي “قسد” على طلب مساعدة عاجلة من دمشق وموسكو. ورغم أن ترمب عاد جزئياً عن قرار الانسحاب، وأبقى قوة صغيرة لـ”تأمين النفط”، فإن الثقة الكردية تضررت بشدة.

وقال قائد “قسد” مظلوم عبدي علناً، إنه على الأكراد “النظر في كل الخيارات” والسعي إلى ترتيبات مع روسيا والنظام بعد التراجع الأميركي. ومنذ 2019، حاولت “قسد” إدارة توازن صعب، شمل استمرار التعاون مع واشنطن ضد خلايا “داعش”، بالتوازي مع التفاوض مع دمشق حول صيغة حكم ذاتي تحمي مناطقها.

في الوقت نفسه، كانت البيئة السورية تتغير. وبحلول أواخر 2024، خرج بشار الأسد، الخصم التاريخي لـ”قسد” والولايات المتحدة، من المشهد على نحو مفاجئ.

ففي تطور لافت، أطاح تحالف من قوى معارضة، من بينها “هيئة تحرير الشام”، بالأسد في ديسمبر 2024، ما أدى إلى تشكيل حكومة انتقالية في دمشق.

وتولى الرئاسة الانتقالية أحمد الشرع، ومع الاعتراف الدولي به والدعم الأميركي الذي حظي به. غير هذا التحول حسابات واشنطن، لإذ رأت أن هناك فرصة لـ”إعادة ضبط” السياسة السورية عبر الانفتاح على نظام جديد مستعد للانضمام إلى التحالف ضد “داعش”، ومتحمس لإعادة توحيد البلاد.

ومع بداية الولاية الثانية لترمب في يناير 2025، انعطفت الإدارة الأميركية لدعم حكومة الشرع بوصفها السلطة الشرعية في سوريا. وأشاد مسؤولون أميركيون بتعهدات الشرع بحماية السوريين وبانضمامه للتحالف ضد “داعش”.

وبالتبعية، تراجعت أولوية العلاقة مع “قسد”، التي أدارت منطقة شبه منفصلة سنوات طويلة. وحاول المبعوث الأميركي، توم باراك، في البداية التوسط لإدماج المنطقة الكردية سلمياً ضمن “سوريا الجديدة”.

واستمرت المفاوضات طوال عام 2025، إذ طالبت “قسد” بضمانات للحكم الذاتي وحقوق الأقليات، فيما طالبت دمشق، ومعها حلفاؤها الأتراك،  بعودة السيطرة المركزية كاملة.

انهيار مفاجئ وهزيمة استراتيجية 

شهدت الأسابيع الأخيرة وصول العلاقة بين “قسد” وواشنطن إلى الحضيض، بعدما تعرضت القوات الكردية لما يمكن وصفه بـ”هزيمة استراتيجية”.

ففي غضون أيام، دخل الجيش السوري الرقة ودير الزور وبلدات أخرى كانت خاضعة لسلطة “قسد”. ومع غياب التدخل العسكري الأميركي، تراجعت وحدات “قسد” عن خطوط التماس، خصوصاً في مناطق ذات غالبية عربية حيث غيرت قبائل محلية ولاءها لصالح دمشق.

وقالت صحيفة “الجارديان” البريطانية، إن “(قسد) خسرت مساحات شاسعة من أراضيها خلال أيام.. وكان التقدم السريع لقوات دمشق والانهيار الجزئي لـ(قسد) بين ليلة وضحاها أمراً مذهلًا”، مشيرة إلى أن المجموعة كانت تسيطر على نحو ثلث سوريا بدعم أميركي منذ 2019.

واقع جديد

كان موقف الولايات المتحدة في هذا الفصل الختامي، موضع جدل عميق. فبدلًا من الدفاع عن “قسد”، بدت واشنطن وكأنها تُقر الواقع الجديد.

وأشاد المبعوث، توم باراك، باتفاق اندماج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، واعتبره “نقطة تحول مفصلية” لسوريا. وأكد أن الولايات المتحدة تدعم الآن وحدة سوريا، وأن “قسد” أدت وظيفتها في ظل غياب دولة سورية قادرة.

وكتب باراك في تصريحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن “سوريا باتت تمتلك حكومة مركزية معترف بها.. ما يعني أن الغرض الأصلي لقسد قد انتهى إلى حد كبير”. بل قدم الأمر بوصفه فرصة للأكراد، متحدثاً عن “مسار نحو اندماج كامل داخل دولة سورية موحدة”، وهي صياغة تُفهم على أنها دعوة للأكراد لطي صفحة طموحاتهم القديمة.

ويؤكد مسؤولون أميركيون، حصلوهم على تعهدات من الرئيس السوري أحمد الشرع، “بضمان حقوق الشعب الكردي وحمايته ضمن إطار الدولة السورية”. وفي اتصال هاتفي مع الشرع، شدد ترمب على دعم الولايات المتحدة لوحدة الأراضي السورية ودعا إلى وقف القتال.

من منظور “قسد”، بدا ذلك خيانة. فبعد سنوات من التحالف، يتحدث قادتها عن شعور عميق بأنهم “استُخدموا ثم جرى التخلي عنهم”. وألقى متحدث باسم “قسد” باللوم على “فشل المجتمع الدولي” في التدخل حين تعرضت قواته للهجوم.

وتقول “قسد” إنها اضطرت لسحب قواتها من مواقع حساسة مثل “مخيم الهول” بسبب إعادة الانتشار للدفاع عن مراكز سكانية، مشيرة بمرارة إلى أن الرد الأميركي انحصر في التنسيق مع دمشق لتأمين تلك المنشآت. 

وخلال الاشتباكات هذا الشهر، ناشد قائد كبير في “قسد” واشنطن التدخل “بشكل أكثر حزماً” لوقف تقدم الجيش السوري، لكن دون جدوى. وبحسب ما يوحي به المشهد، رضخ الأكراد لضغط الواقع السياسي والعسكري بعدما فهموا أن الولايات المتحدة لن تعترض طريق قوات الحكومة السورية الجديدة.

وخلال الأسبوع الأخير، بدأت أصوات في الكونجرس الأميركي تُحذر، ولو بعبارات محسوبة، من أن ما يجري في شمال شرق سوريا قد يُفسر على أنه تخل عن حليف قاتل إلى جانب واشنطن ضد “داعش”.

فقد شددت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب على أن الأكراد “شركاء ثابتون للولايات المتحدة”، داعية القيادة السورية الجديدة إلى وقف القتال ضد قوات سوريا الديمقراطية، والتركيز على بناء مستقبل البلاد، فيما لوح السيناتور الجمهوري، ليندسي جراهام، بالسعي لإعادة تفعيل وتشديد عقوبات “قانون قيصر” إذا استُخدمت القوة ضد القوات الكردية، محذراً من أن أي حملة عسكرية جديدة ستفاقم عدم الاستقرار وتفتح الباب أمام عودة التنظيمات المتطرفة. 

وفي مجلس الشيوخ، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية السيناتور، جيم ريش، إن التعهدات باحترام حقوق الأكراد “إشارة جيدة”، لكن المعيار الحقيقي هو “سلوك القوات على الأرض”، مؤكداً أن انزلاق شركاء واشنطن إلى صدامات داخلية يخدم “داعش” ويمنح إيران مساحة أكبر.

كما أصدر السيناتور الديمقراطي كريس، فان هولن، بياناً عقب تواصله مع قائد “قسد”، مظلوم عبدي، دعا فيه إلى حماية المدنيين وضمان حقوق الأكراد وفرض التهدئة.

شاركها.