د. كلثوم الحسنية

يميل الإنسان بطبعه إلى من يرى فيه الجمال، ويعترف به، ويعبّر عنه بصدق. فالكلمة الطيبة لا تمرّ مرورًا عابرًا، بل تُحدث في القلب ليونة، وفي النفس طربًا خفيًا. وربما لهذا لم تكن الكلمة الطيبة تفصيلًا صغيرًا، بل صدقة تُحدث أثرها بهدوء، دون ضجيج، ودون انتظار مقابل.

ليس الحديث هنا عن تصنّع اللطف، ولا عن المجاملات المزيفة، ولا عن كلمات تُقال بلا إحساس. بل عن الإطراءات الصادقة، تلك التي يصدقها القلب قبل الأذن، ويشعر بها الإنسان قبل أن يحلّلها. كلمة تخرج من نية صافية، فتصل مباشرة إلى موضعها، دون تكلّف أو مبالغة، وكأنها تعرف طريقها وحدها.

وحين يُحسن الإنسان التعبير عن إعجابه، أو تقديره، أو امتنانه، فإنما يفتح بابًا من الألفة، ويمنح الآخر شعورًا بالقبول لا يُشترى. فالقلوب بطبيعتها تميل لمن يراها، لا لمن يراقبها بصمت. والكلمة الطيبة لا تُحرج، ولا تُنقص، بل ترفع، وتقرّب، وتبني جسورًا غير مرئية بين البشر، جسورًا لا تحتاج إلى تفسير، بل إلى صدق فقط.

والإيمان بقيمة الكلمة الطيبة جعل الدائرة القريبة وأغلب من أصادفهم بي يجتمعون على سِمة واحدة: اللطف. كأن الخير يستدعي الخير، وكأن الكلمة الصادقة تفتح بابًا لما يشبهها. فالله لطيف، ويحبّ اللطف، وما كان اللطف في شيءٍ إلا زانه. ومع الوقت، يتبيّن أن الكلمة الطيبة ليست مجرّد فعل نمنحه للآخرين، بل أثر نُنشئ به محيطنا، ونختبر به صدق علاقتنا بأنفسنا وبالناس. فهي عبادة خفيّة، لا تحتاج شاهدًا، ولا تنتظر مقابلًا، لكنها تترك في النفوس طمأنينة، وفي العلاقات سكينة. وحين تُقال الكلمة بنيّة صادقة، تصبح سببًا للقرب، وجسرًا للمودّة، وبركة تمتدّ.

إن المشكلة تبدأ حين يتجمّد التعبير، لا حين تغيب المشاعر. حين يخشى البعض أن يمدح، ظنًّا أن الثناء يُقلّل منه، أو أن الاعتراف بجمال الآخر يعني نقصًا في الذات. والحقيقة أن من تصالح مع نفسه، لا يرى في المدح خسارة، بل يرى فيه غنى. فكل لطفٍ يُقال بصدق، وكل تقدير يُعبَّر عنه في وقته، يعود أثره على صاحبه قبل غيره، فيزيده صفاءً، ويرفعه في عيون الناس دون أن يشعر.

بل إن الامتناع عن الثناء الصادق، أحيانًا، لا يكون حكمة كما يُظن، بل خوفًا مقنّعًا. خوفًا من الانكشاف، أو من سوء الفهم، أو من أن تُفسَّر النية على غير وجهها. ومع ذلك، يبقى الصمت في هذه المواضع خسارة ناعمة، لا يُلاحظها أحد، لكنها تُراكم برودًا في العلاقات، وتُطفئ دفئًا كان يمكن أن يبقى.

وكل عسلٍ يقطر من اللسان، وكل لطفٍ يظهر في الفعل، يعود أثره على صاحبه، فيزيده قبولًا، ويرفع مكانته في القلوب. فالكلمة الطيبة لا تذهب هباءً، حتى إن لم تُقابل بمثلها، لأنها تعود أولًا إلى قائلها، فتجعله أخفّ روحًا، وأصفى نية، وأقرب إلى نفسه.

شكرًا لكل من لم يبخل بكلمة طيبة، ولكل من لم يسمح للتجمّد أن يمنعه عن التعبير، ولكل من فهم أن الثناء الصادق لا ينتقص، بل يضيف، ولا يُضعف، بل يُغني. تبقى الكلمة الطيبة أثرًا خفيفًا في اللفظ، عميقًا في القلب، وصدقة مستمرة… تؤنس الروح، وتذكّرنا أن الخير ما زال حاضرًا، حتى في أبسط التفاصيل.

شاركها.