أسدل منتدى دافوس الاقتصادي العالمي ستاره في أجواء من التوتر الجيوسياسي غير المسبوق، إذ حوّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب المنتدى من ساحة نقاش اقتصادي إلى ميدان مواجهة مفتوحة مع الاتحاد الأوروبي بشأن مصير جزيرة جرينلاند، مطلقاً سلسلة من الارتدادات قد تعيد تشكيل التوازنات العالمية.

خطاب ترمب الذي دام ساعة كاملة أمام قادة الدول ورؤساء الشركات، الأربعاء، اعتبره البعض بمثابة إعلان “حرب باردة” عابرة للأطلسي. ومع أنه نفى صراحة استخدام القوة العسكرية بقوله “نحن لا نحتاجها، رغم امتلاكنا القدرة”، إلا أنه فرض هيمنة عبر الاقتصاد والأمن دون احتلال مباشر، ما استدعى قمة طارئة في بروكسل الخميس.

وكان الاتحاد الأوروبي يدرس فرض حزمة رسوم جمركية مضادة على واردات أميركية بقيمة 93 مليار يورو (108.74 مليار دولار)، إلى جانب بحث تدابير مناهضة للإكراه، في حال مُضيّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب قدماً في فرض تعريفات جمركية كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير ضد ثماني دول أوروبية، على خلفية رفضها مساعيه للسيطرة على جرينلاند.

واجتمع الزعماء الأوروبيون في قمة، مساء الخميس، لبحث خيارات التعامل مع مواقف الرئيس الأميركي، وذلك قبل أن يتراجع ترمب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية أو حتى اللجوء إلى عمل عسكري لضم جرينلاند، ما دفعهم إلى العدول عن التصعيد، بالرغم من تزعزع ثقة أوروبا في شريكها بشكل كبير.

استراتيجية الصدمات المحسوبة

في أروقة دافوس، وصف الدبلوماسيون والمحللون مساعي ترمب بـ”استراتيجية الصدمات المحسوبة”، حيث يضع الرئيس الأميركي أهدافاً مستحيلة –رسوم جمركية، جرينلاند– ثم يتراجع تكتيكياً ليعيد فتح التفاوض من موقع القوة. مصدر رافق ترمب على متن الطائرة الرئاسية يقول لـ”الشرق”: “منذ ولايته الأولى، يرفع ترمب سقف المطالب إلى حدود أقرب للمستحيل ثم يتراجع تدريجياً لإعادة صياغة معادلة الربح. يمنحه ذلك دائماً صورة المنتصر”.

جون زيفوس، المستشار القانوني الأميركي يقول في حديث لـ”الشرق”، أثناء حضوره في “دافوس”، إن “ترمب يعمل في عالم مواز، بحسابات غير تقليدية تضع خصومه في رد فعل دائم، هو شخص ذو أفعال غير قابلة للتنبؤ”.

وتابع زيفوس: “النتيجة: واشنطن تثبت سيطرتها على الممرات البحرية القطبية المفتوحة بذوبان الجليد، وعلى موارد الطاقة والمعادن النادرة في جرينلاند التي توصف بمفتاح القرن الحادي والعشرين، لأن الجزيرة لم تعد تعتبر أقاصي العالم، بل بوابة استراتيجية لاحتواء الصين وروسيا في المنطقة القضبية”.

وداخل أروقة المنتدى، لخص دبلوماسي أوروبي لـ”الشرق” المشهد بقوله: “هذا الأسبوع لم يكن مجرد نقاش اقتصادي، بل إعلان عن نهاية الثقة العمياء، وولادة براجماتية قاسية”.

وفي لحظة مفصلية خلال الاجتماع السنوي للمنتدى، أعلن رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، ما قال إنه “وفاة” النظام العالمي القديم القائم على القواعد، داعياً القوى المتوسطة إلى شق مسار جديد أو المخاطرة بأن تصبح ضحية لطموحات القوى العظمى.

أوروبا: وحدة لفظية وانقسام هيكلي

تتأرجح الردود الأوروبية بين التصريحات الحازمة والعجز المزمن. يرفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس “قانون الأقوى”، داعين إلى “استقلال استراتيجي أوروبي”، فيما يحذر رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر من “التقاطع الخطير أمام خطوط ترمب الحمراء”. أما ميت فريدريكسن رئيسة الوزراء الدنماركية فتدافع عن “الاحترام المتبادل دون التنازل عن السيادة”، مشيرة إلى حساسية الملف الخاضع جزئياً للدنمارك.

لكن وراء هذه الوحدة اللفظية، يلوح فراغ تنفيذي. الاتحاد الذي أمضى عقوداً في بناء هويته المشتركة يفتقر إلى القوة العسكرية والإرادة السياسية والأدوات الاقتصادية للرد عبر عقوبات معاكسة، أو تحالفات مع الصين أو الهند. مسؤول أوروبي، من بين حضور المنتدى، يشرح لـ”الشرق” أن “واشنطن ترفع السقف عبر قنابل سياسية، ثم تتراجع لتحصل على مكاسب كبيرة”.

فيما يذهب مسؤول عربي أبعد: “تهديد الحقوق الأوروبية في جرينلاند لا يأتي من موسكو أو بكين، بل من واشنطن”.

وأضاف لـ”الشرق”، خلال تواجده في “دافوس”: “مارك روته (الأمين العام لحلف الناتو) يتجنب الصدام المباشر، لكن أوروبا لا تملك أدوات لمواجهة أميركا. ألمانيا وفرنسا هما الأقدر أوروبياً، لكنهما عاجزتان عن قيادة مشروع موحد، وبالمحصلة ما أراده ترمب يحصل بهدوء عبر فرض السيطرة الاقتصادية من دون احتلال عسكري”.

بروكسل: توازن هش وتسوية مؤقتة

أنجبت قمة بروكسل، بفضل روته على ما يبدو، إطاراً محدوداً: تعزيز الوجود العسكري المشترك في القطب الشمالي ومنع الصين وروسيا من استغلال موارد جرينلاند، دون نقل السيادة الكاملة لواشنطن، إضافة إلى تحديث اتفاقيات 1951 بما يمنح الولايات المتحدة وصولاً دائماً إلى المنشآت والمجال الجوي.

وتنص التسوية المقترحة بشأن جرينلاند على إنشاء مهمة كبرى للناتو في القطب الشمالي، وتحديث اتفاقية بين الدنمارك والولايات المتحدة للسماح بإنشاء جيوب فعلية من الأراضي الأميركية في الإقليم، وفرض سيطرة لأميركا على الأرض أكبر مما تمارسه حالياً على مواقع سفاراتها، ما يتيح لها تنفيذ عمليات عسكرية واستخباراتية وأنشطة تدريب، إلى جانب تسهيل بعض أشكال التنمية المحلية، بما قد يشمل استخراج المعادن النادرة.

كما تتضمن التسوية المقترحة أيضاً تقييد حصول الدول غير الأعضاء في الناتو على حقوق التعدين في جرينلاند.

مع ذلك، يتحدث ماكرون عن “ارتياح من وحدة الصف الأوروبي”، ورئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك عن “ثمن باهظ لهذه الوحدة”، بينما تؤكد كايا كالاس “الاستعداد لسيناريوهات غير متوقعة”.

تراجع ترمب جزئياً عن الرسوم الجمركية، لكنه حافظ على هيمنته، مفرغاً “الاستقلال الأوروبي” من محتواه، بما يشبه الهدنة التكتيكية، لا إعادة التوازن.

غزة في الهامش: “مجلس السلام” مثير للجدل

وخارج النزاع الغربي، كشف دافوس عن “مجلس السلام”، البديل الأممي لمرحلة انتقالية بغزة تمتد عامين تتضمن نزع السلاح وحكومة تكنوقراطية وتمويل دولي.

السفير الفلسطيني لدى سويسرا والأمم المتحدة في جنيف إبراهيم خريشة، الذي حضر المنتدى إلى جانب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، شدد على أن الاولوية حالياً هي “الإغاثة العاجلة وفتح المعابر وتحرير الأموال المجمدة” لكنه يضع خطاً أحمر: “أي مسار يتجاوز السلطة الوطنية لن ينجح. الترويكا (السلطة- الأمم المتحدة- المجتمع المدني) شرط أساسي لأي حل يطال قطاع غزة”.

وينتقد خريشة استبعاد الفلسطينيين من توقيع ميثاق المجلس مقابل توجيه دعوة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويرى في ذلك “خللاً جوهرياً يفرغ المبادرة من مضمونها”، ولا سيما أن المجلس أُخرج في صورة إطار موازٍ للأمم المتحدة على أساس قرار مجلس الأمن ذي الصلة بغزة، الأمر الذي أثار تحفظات داخل المجموعة الأوروبية التي أبدت استعدادها للنظر في المشاركة إذا خُصص المسار للقضية الفلسطينية، لكنها رفضت الانخراط في إطار عام يتناول أزمات العالم كافة ويكرّس التباساً سياسياً وقانونياً بدل الإسهام في حلّ النزاع”.

سياسي أوروبي، من بين الحاضرين في المنتدى، يحذر من أن “رئاسة ترمب لمجلس السلام تمنحه حق التفرد بحق النقض (الفيتو) بشكل مطلق، مع ما يعنيه ذلك من نسف للتعددية. العالم يتراجع أمام أحادية القوة”.

واقترح ترمب لأول مرة إنشاء “مجلس السلام” في سبتمبر الماضي، عندما أعلن عن خطته لإنهاء حرب غزة. ثم أوضح لاحقاً أن صلاحيات المجلس ستتوسع لتشمل حل نزاعات أخرى حول العالم. وأظهرت نسخة من مسودة ميثاق المجلس أن من المقرر تولي ترمب رئاسته مدى الحياة، وأن تبلغ مدة عضوية الدول 3 سنوات، لكن بإمكان أي دولة الحصول على عضوية دائمة مقابل مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس.

ودعا الرئيس الأميركي عدداً من قادة العالم إلى الانضمام، إلا أن العديد من رؤساء الحكومات الغربية لم يبدوا استعداداً للمشاركة.

عالم يُعاد ترتيبه

ومن دافوس إلى بروكسل، تبرز جرينلاند بوصفها “اختبار الحقيقة” لنظام عالمي يتجه نحو مزيد من التشقق. فأوروبا، القائمة على منطق التعددية القانونية والاقتصادية، تجد نفسها في مواجهة “أميركا ترامبية” تحكمها لغة الإملاء والصفقات المباشرة، حيث يسعى دونالد ترمب، بوصفه “سيد الصفقات”، إلى إعادة تموضع واشنطن باعتبارها مركز الثقل الأطلسي الأوحد.

وفي هذا السياق، يبقى التساؤل حول قدرة بروكسل على صياغة رد فعال مفتوحاً، لا سيما مع تصاعد قراءات ترى أن منتدى دافوس، الذي تأسس أصلاً كمنصة للحوار العالمي، قد يكون أسدل الستار على مرحلة “الشراكة غير المشروطة”، مفسحاً المجال أمام حقبة جديدة تتسم بمنافسة مفتوحة على الموارد والممرات الاستراتيجية، بل وعلى تعريف المفاهيم ذاتها.

شاركها.