أحمد عسيلي

في الأيام الماضية، أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حالة النفير العام، داعية الكرد في مختلف أنحاء العالم إلى التوجه نحو سوريا للدفاع عمّا وُصف بـ”آخر معاقلها”، هذه الدعوة لاقت تفاعلًا إيجابيًا واضحًا، لا سيما في أوساط اليسار الراديكالي، وعدد من ناشطي المقاطعة الإسرائيلية، وبعض المتضامنين مع القضية الفلسطينية، لم تُستقبل “قسد” هنا كقوة عسكرية فحسب، بل كحامل رمزي لمشروع تقدّمي، يساري، وعابر للهويات الضيقة، كما قُدِّمت منذ تأسيسها.

يعود هذا الاستقبال إلى الصورة التي راكمتها “قسد” عن نفسها: خطاب “وحدة الشعوب”، لغة تحررية، حضور نسوي، ومسافة معلنة من التيار الإسلامي بشقيه السياسي والجهادي، كما يرتبط ذلك بالمرجعية الفكرية المنسوبة إليها، أي أفكار عبد الله أوجلان، حيث يختلط الإرث الماركسي بعناصر قومية وتنظيمية ومجتمعية، في توليفة تُقدَّم بوصفها بديلًا عن نماذج الدولة القومية التقليدية، ضمن هذا الإطار، يبدو التعاطف مع “قسد” امتدادًا لتعاطف أيديولوجي سابق، أكثر مما هو قراءة راهنة لطبيعة ممارساتها وتحالفاتها الفعلية.

غير أن هذا الخطاب النظري يصطدم، عند الاقتراب من الواقع، بتناقضات يصعب تجاهلها، فـ”قسد”، في الممارسة، قوة حليفة للولايات المتحدة، المعقل الأساسي للنظام الرأسمالي العالمي، هذا التناقض لا يُنكر عادة، بل يُبرَّر بوصفه تحالفًا مرحليًا تفرضه الضرورة والمصلحة، لا تحالفًا استراتيجيًا يعكس تطابقًا أيديولوجيًا، لكن المفارقة لا تقف هنا، إذ نسجت “قسد” بالتوازي علاقات مع بنى محلية دينية وعشائرية، كما في علاقتها مع حكمت الهجري في السويداء، بما يمثّله من سلطة دينية أبوية واضحة، تقوم على الزعامة الرمزية والولاء الجماعي، أي على نقيض تاريخي مع القيم اليسارية الكلاسيكية.

كما أن هذا النمط لا يقتصر على السويداء، بل يندرج ضمن سياسة أوسع من التحالفات المرحلية مع العشائر العربية في منطقة الجزيرة السورية، هنا يبرز سؤال أساسي: إذا كانت كل التحالفات تُقدَّم بوصفها مؤقتة، فما الذي يبقى من الادعاء بوجود مشروع سياسي متماسك يتجاوز إدارة اللحظة؟ وفي هذا السياق، يلفت إعلان النفير العام النظر إلى تشابهه مع سياسات “الفزعات” التي اعتمدتها سلطات تقليدية في المنطقة، والتي شكّلت أحد أسباب معارضة السلطة في دمشق، الفارق أن الفزعة، حين تُعاد صياغتها بلغة يسارية حديثة، تصبح فجأة مقبولة، بل مرحّبًا بها، وكأن تغيير الاسم كافٍ لتغيير الجوهر.

هنا نصل إلى لبّ القضية، فـ”قسد” يمكن اختصارها بوصفها خطابًا أيديولوجيًا يساريًا تقدميًا على المستوى النظري، يقابله في الواقع جهاز قوة، وتحالفات غربية، وأدوات خشنة (تمادت بخشونتها أحيانًا) تحكمها موازين المصالح، هذا التوصيف لا يُطرح بقصد النقد أو التقييم، ولا للحكم على تجربة “قسد” إيجابًا أو سلبًا، بل بوصفه مدخلًا لتحليل نفسي لعلاقة بعض القوى اليسارية بها، فالسؤال ليس: هل “قسد” محقّة أم مخطئة؟ بل: لماذا يُصرّ بعض اليسار على قراءتها كتمثيل يساري صافٍ، رغم هذا الانفصام الواضح بين الخطاب والممارسة؟

يمكن فهم هذه العلاقة بوصفها شكلًا من التماهي الإسقاطي، فـ”قسد” تحوّلت إلى وعاء تُسقَط فيه رغبة عميقة بوجود مادي لمشروع يساري لم يعد له حضور فعلي على الأرض، أفكار أصبحت مجردة، بلا حوامل اجتماعية أو سياسية حقيقية، جرى البحث لها عن جسد يحتضنها، حتى ولو لم يكن مطابقًا لها، هو إلباس قسري لغير ثوبها، لا بدافع الخداع الواعي، بل بدافع إنقاذ فكرة من التلاشي.

من هنا تبرز فكرة اليسار كهوية جريحة، فاليسار العربي، والسوري تحديدًا، فقد منذ زمن طويل أي حضور مادي فعلي: لا تمثيل سياسي، ولا قاعدة اجتماعية، ولا قدرة على التأثير، في هذا الفراغ، يتحوّل الدفاع عن “قسد” إلى دفاع عن الذات، أي نقد لها يُختبر كتهديد مباشر للهوية اليسارية نفسها، لا كتقييم لتجربة سياسية محددة، وهكذا، يُستبدل التبرير بالتفكير النقدي، والفعل الإيماني بالسياسة.

ومن الضروري التمييز هنا بين هذا السياق، وبين اليسار العالمي عمومًا، فاليسار في بلدان أخرى ما زال يمتلك حضورًا فعليًا، كما في فرنسا حيث يتمتع حزب “فرنسا الأبية” بثقل برلماني واضح، أو في البرازيل حيث عاد إلى السلطة عبر المسار الديمقراطي.

ما نتحدث عنه هنا هو يسار عربي غائب، يبحث عن أي تجسيد يخفف وطأة اختفائه.

ومن باب الإنصاف نفسه، يمكن القول إن مصلحة “قسد” ذاتها تقتضي الخروج من هذا الالتباس، فالأدق أن تلبس لباسها الخاص: الكردي، والقومي، والعشائري، كما هو قائم فعليًا على الأرض، هذا توصيف واقعي، وربما حق سياسي، لا اتهام، فـ”قسد” تمثّل نفسها، وتمثّل جزءًا من الكرد، ولا يمكن مطالبتها بتمثيل مشروع لم تُبنَ عليه، وقد ظهر ذلك بوضوح حين لجأت، في لحظات الضعف، إلى طلب الدعم من عائلة بارزاني، بما تمثّله من ثقل سياسي ومالي وعشائري في كردستان العراق، هذا السلوك ينسجم مع منطق القوة القومية (مرة أخرى هذا ليس جريمة ولا اتهامًا بل واقع) لا مع مشروع يساري أممي.

في الخلاصة، لا يبدو المخرج أمام اليسار سوى الوعي الحقيقي بالواقع والاعتراف به كما هو، فـ”قسد” ليست يسارًا فعليًا، ولا تمثّل اليسار فكرًا أو تطبيقًا، حتى لو أُريد لها أن تُقدَّم كذلك، وإذا كان لليسار السوري أن يستمر، فلن يكون ذلك عبر التماهي مع تجارب الآخرين، بل عبر رؤية الفراغ القائم، ومحاولة تشكيل نواة لقوة يسارية حقيقية، صغيرة وصادقة، تكون بداية عمل فعلي، لا بحثًا دائمًا عن جسد يسكنه الحلم.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.