– محمد كاخي

غذى وجود “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ونموذج “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا نموذج الدولة المستقلة التي طالب بها الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، بعد أحداث تموز 2025 في السويداء. وأثنى الهجري على تجربة “الإدارة الذاتية”، ودعا إلى فتح ممر إنساني بين السويداء ومناطق “قسد” في 17 من تموز 2025.

كما شارك الهجري في مؤتمر “وحدة المكونات” الذي عُقد في شمال شرقي سوريا، في 7 من آب 2025، وقال في كلمته خلال المؤتمر، إن اجتماع وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا هو نداء للضمير الوطني واستجابة لصرخة شعب أنهكته الحروب والتهميش، وأضاف، “نحن أبناء طائفة الموحدين الدروز نقف إلى جانب إخوتنا من الكرد والعرب والسريان والإيزيديين والتركمان والشركس، وبقية المكونات لنؤكد أن التنوع ليس تهديدًا بل هو كنز يعزز وحدتنا تحت شعار معًا من أجل تنوع يعزز وحدتنا وشراكة تبني مستقبلنا.

إلا أنه وبعد اقتراب حسم الحكومة السورية ملف شمال شرقي سوريا، واستعادة سيطرتها على أغلب المناطق التي كانت تحت سيطرة “قسد”، تبرز التساؤلات عن مستقبل مشروع الدولة المستقلة التي نادى بها مرارًا الشيخ الهجري، وطالب بدعمها علانية من إسرائيل.

سقوط الرهان على “قسد”

بحسب تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، فإن “قسد” قامت بدعم قوات “الحرس الوطني” و”المجلس العسكري” قبلها بالمال، ودربت عناصر نسائية في مناطقها.

ففي البداية، مرّر دروز يعملون داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مبلغ 24 ألف دولار عبر “قسد” نحو العقيد السابق في جيش نظام الأسد المخلوع طارق الشوفي، الذي تسلّم بعد سقوط النظام قيادة ما عُرف بـ”المجلس العسكري” في السويداء.

وفي الفترة ذاتها، أُرسل مبلغ منفصل وصل إلى نحو نصف مليون دولار من “قسد” إلى “المجلس العسكري”، وفق مسؤول إسرائيلي واثنين من القادة الدروز في سوريا، تحدثا إلى “واشنطن بوست”.

وفي إطار دعم “القضية الدرزية”، تولت “قسد” أيضًا تدريب مقاتلين دروز سوريين، بينهم نساء، في مناطق سيطرتها شمالي سوريا، وهي علاقة قال مسؤول كردي رفيع وقائد درزي سوري ومسؤول إسرائيلي سابق إنها ما زالت مستمرة حتى إنجاز تقرير الصحيفة.

يرى المحلل السياسي محمد الحمادة أن حلحلة ملف “قسد” سيكون له انعكاس كبير جدًا على ملف السويداء، لأن انتهاء ملف “قسد” يعني انتهاء أحد أهم المحرضين على الاستعصاء جنوبي سوريا، وانتهاء أهم مصادر التمويل بالنسبة للشيخ الهجري، ومن الواضح أن المجتمع الدولي جاد في دعمه للحكومة السورية كدولة مركزية موحدة، ولن يدعم أي جهة تنادي بالانفصال أو الإدارة الذاتية.

المحلل السياسي عبد الكريم العمر، قال ل، إن قوات ما يسمى بـ”الحرس الوطني” كانت تعول على “قسد” في بقاء مشروعها التقسيمي والانفصالي، وكانت ترى أن “قسد” مدعومة أمريكيًا وأوروبيًا وبالتالي يمكن التعويل عليها كحليف.

إلا أنه اليوم مع انكسار مشروع “قسد” ونهايته، لا شك أن الشيخ الهجري و”الحرس الوطني” أصبحا في وضع ضعيف جدًا، ولا بد أن الهجري يدرك أن مشروعه على وشك السقوط.

ملف راكد

بالرغم من إعلان وزارة الخارجية والمغتربين في سوريا عن التوصل إلى خارطة طريق لحل الأزمة في محافظة السويداء، عقب لقاء ثلاثي في دمشق جمع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ونظيره الأردني، أيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، في 16 من أيلول 2025، إلا أن ملف السويداء بقي على حاله منذ إعلان وقف إطلاق النار في تموز 2025.

ومن غير الواضح حتى الآن ما الحل الذي ينتظر الملف، ففي الوقت الذي يقول فيه محافظ السويداء، مصطفى البكور، إن قوات “الحرس الوطني” منتفعة من الفوضى، وتقتات على معاناة الأهالي، وتعمل على تعطيل كل الحلول فهي تخشى الاستقرار، يواصل الزعيم الروحي للطائفة في السويداء مناداته بالاستقلال، وكان آخرها ما قاله في مقابلة مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، حين دعا إسرائيل بشكل صريح لتبني مشروع الدولة المستقلة في السويداء.

ووصف الهجري في المقابلة، التي نشرت في 13من كانون الثاني الحالي، إسرائيل بالدولة التي تحكمها قوانين دولية، وأيديولوجيا يسعى للوصول إليها، وتابع، “نحن نرى أنفسنا جزءًا لا يتجزأ من وجود دولة إسرائيل، كذراعٍ أقامت تحالفًا معها، هذه العلاقة دولية وذات أهمية بالغة، إسرائيل هي الضامن الوحيد والجهة المخولة بالاتفاقات المستقبلية.”

وأكد الهجري عدم وجود أي صلة بما سماه “نظام دمشق”، مشبهًا أيديولوجيا الحكومة السورية بتنظيم “القاعدة”، التي يصعب على المجتمع الدرزي العيش في وسطها.

إلا أن إسرائيل أو الولايات المتحدة لم تصرحا علنًا بخصوص دولة مستقلة في الجنوب السوري، ويكتفي الساسة الإسرائيليون بالتصريح عن حماية “الإخوة الدروز” جنوبي سوريا، دون الحديث عن دعم دولة مستقلة.

وعلى عكس موقف الهجري، قال رئيس الهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل، موفق طريف، خلال مقابلة تلفزيونية في أيلول 2025، إنه يرجو أن يأخذ الدروز حقهم في سوريا من خلال الدولة السورية.

ورد طريف على سؤال عن دعمه دعوات تقرير المصير والانفصال، فقال، “يحق لكل طائفة أن تكون لها خصوصية محددة، وهناك عدم ثقة بالدولة السورية، ويجب إرجاع الثقة، يجب إعطاء كل طائفة حقها الديني والسياسي”، وحينما سألته المذيعة إن كان هذا الحق يتحقق من خلال الدولة السورية، قال طريف، “هذا ما نرجوه ونتوخاه”.

استطلاع رأي:

بحسب استطلاع إلكتروني أجرته عبر موقعها، وشارك به 1360 شخصًا، خلال خمسة أيام، فإن 77% من المصوّتين يرون أن تطورات الأحداث شمال شرقي سوريا، وحسم الدولة السورية المعركة لمصلحتها سيؤثر على التغيير في ملف السويداء، بينما لا يرى 23% من المشاركين بالاستطلاع أن هذه الأحداث ستؤثر على ملف السويداء، دون الإشارة إلى نوع التغيير الذي ستحدثه هذه التطورات.

جاري التحميل ... جاري التحميل …

مقاربة أمنية مختلفة في السويداء

زار مدير الأمن الداخلي في محافظة السويداء، سليمان عبد الباقي، واشنطن، وكشف، في 22 من كانون الثاني الحالي، عن لقائه بكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية.

وقال عبد الباقي في منشور عبر حسابه في “فيسبوك”، إنه “للمرة الأولى، وبدعم من اللوبي السوري، والجالية السورية الأمريكية طُرحت قضية السويداء أمام كبار صناع القرار الأمريكيين كما هي، بلا تزييف ولا أوهام”.

وأكد أنه تم الطلب بوضوح من المسؤولين الأمريكيين أن يعلنوا أنهم لا يدعمون أي مشروع انفصالي، وأن السياسة الأمريكية تقوم على سوريا موحدة، حتى يدرك أهل السويداء أنهم يُساقون خلف سراب، وأن حكمت الهجري زجّ بهم في هذا المأزق بعد أن خدعهم.

يرى المحلل السياسي محمد الحمادة، أن الترتيبات التي تجري في الولايات المتحدة بمشاركة مدير الأمن الداخلي عبد الباقي هي ترتيبات أمنية، لذلك فإن طريقه الحل في السويداء مختلفة عن شرقي سوريا، إذ ستدخل قوات الأمن السوري وتنتشر، وسيتم نزع سلاح الفصائل الدرزية دون تدخل إسرائيل.

فيما يرى المحلل السياسي عبد الكريم العمر، أن عبد الباقي يحمل مشروعًا وطنيًا داعمًا للدولة السورية ووحدة أراضيها، ويدرك عبد الباقي أن هناك دعمًا أمريكيًا لسوريا ووحدتها، وأن مشروع الانفصال الذي ينادي به الشيخ الهجري هو مشروع ساقط لا يمكن أن يستمر، ليس بسبب إصرار الدولة والشعب السوري على وحدة سوريا، إنما أيضًا لأن هناك قرارًا دوليًا بوحدة الأراضي السورية.

 

عندما تستمع إلى خطابات حكمت الهجري في سوريا، يخيل إليك أنه على اتصال مباشر بالرئيس الأمريكي والكونجرس على مدار الساعة، لكن ما إن تأتي إلى واشنطن وتلتقي وجهًا لوجه بمسؤولي “البنتاجون” وأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب ومسؤولي البيت الأبيض، حتى يتضح حجم الوهم الذي يبيعه الهجري لأتباعه، فلا أحد هنا سمع بخرافاته، ولا أحد يعيرها أي اهتمام.

سليمان عبد الباقي

مدير الأمن الداخلي في محافظة السويداء

 

إسرائيل.. عقدة الدولة السورية الجديدة

تدخلت إسرائيل بشكل عسكري مباشر حين هاجمت القوات الحكومية السورية مدينة السويداء. وقصف الجيش الإسرائيلي مبنى هيئة أركان الجيش السوري، ومحيط قصر الشعب الرئاسي، وأهدافًا عسكرية تابعة للجيش السوري بالقرب من السويداء في 16 من تموز 2025.

وهدد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، حينها بأن إسرائيل ستواصل العمل بقوة في السويداء لتدمير القوات التي هاجمت الدروز حتى انسحابها، وتابع كاتس أن وتيرة الضربات بسوريا سترتفع إذا لم تفهم دمشق الرسالة، مضيفًا أن جنوبي سوريا سيكون منطقة منزوعة السلاح.

وتصر إسرائيل على “ممر إنساني” يربط إسرائيل بالسويداء، وكانت عرقلت مفاوضات الاتفاق الأمني في أيلول 2025 بسبب رفض الحكومة السورية طلب الجانب الإسرائيلي بفتح هذا الممر. وعاد الحديث عن الممر في كانون الأول 2025، حين قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إنه أبلغ ترامب بوجود عقبات أمام الاتفاق الأمني مع سوريا مثل إقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح وحماية الدروز وفتح ممر إنساني.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمد الحمادة أن الموقف الإسرائيلي تغير بضغوطات أمريكية، والإسرائيليون في النهاية يهتمون بمصالحهم فقط وكانوا يستخدمون ورقة السويداء للضغط على الحكومة السورية، وما جرى في باريس أنه كانت هناك تطمينات للجانب الإسرائيلي، وما حدث مع إسرائيل هو حالة متقدمة لذلك هي لن تتدخل في السويداء، وعلى الأرجح لن يكون هناك حل أمني في السويداء.

من جهته، يرى المحلل السياسي عبد الكريم العمر، أنه بحسب ما صدر عن المفاوضات الأخيرة بين الجانبين السوري والإسرائيلي فإن إسرائيل ستضطر إلى الانسحاب من المواقع التي احتلتها بعد 8 من كانون الأول 2024، ولن تتدخل في الشأن الداخلي لسوريا، ما يعني أن ملف السويداء هو جزء من هذا الاتفاق حتى وإن لم يتم الإفصاح عن ذلك.

وبالرغم من محاولة إسرائيل اللعب على وتر حماية الدروز في السويداء، لم يكن لأجل الهجري ودعم استقلال السويداء، فهذا لن يحصل ولن يستمر، وستسحب إسرائيل يدها من هذا الملف، وتنتهي حالة “الحرس الوطني” كما انتهى غيرها من المشاريع الانفصالية، بحسب المحلل عبد الكريم العمر، لأن هناك ضغطًا أمريكيًا كبيرًا على إسرائيل بوقف عدوانها على سوريا، ووقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية، وإضافة إلى إصرار عربي ودولي على وحدة سوريا.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.