ابتعد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عن الأضواء على كل المستويات تقريباً، باستنثناء الزج باسمه في تعليقات خلفه الجمهوري دونالد ترمب، الذي يلقي باللائمة عليه في مشكلات البلاد، وفق صحيفة “الجارديان”.
وذكرت الصحيفة البريطانية في تقرير، السبت، أنه في يناير 2025، سار الرئيس السابق جو بايدن في برد قارس تحت قبة مبنى الكابيتول الأميركي متجهاً إلى مروحية تابعة لمشاة البحرية، وتبادل كلمات وداع مع خلفه دونالد ترمب.
وبعد وصوله إلى قاعدة “جوينت بيس أندروز”، ألقى بايدن كلمات وداعية أمام موظفيه المخلصين، قائلاً: “نحن نغادر المنصب، لكننا لا نترك المعركة”.
لكن بعد عام واحد، كانت واشنطن، والعالم، قد تجاوزا إلى حد بعيد الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة. وانشغل بايدن، (83 عاماً)، بكتابة مذكرات مربحة، والتخطيط لمكتبة رئاسية، ومكافحة سرطان البروستاتا.
وكان بايدن يوماً ما أقوى رجل على الكوكب، غير أن ظهوره العلني بات “نادراً”، وتضاءل نفوذه على نحو ملموس.
وقال كريس ويبل، مؤلف كتب من بينها “معركة حياته: البيت الأبيض في عهد جو بايدن” The Fight of His Life: Inside Joe Biden’s White House: “لقد أصبح الرجل الخفي. وكان ذكياً جداً في بقائه بعيداً عن الأضواء، لأن آخر ما يحتاجه الحزب الديمقراطي هو أي تذكير بعامه الأخير في المنصب، وتنازله المشؤوم في اللحظة الأخيرة، والهزيمة التي لحقت بكامالا هاريس”.
وبحسب التقليد، يميل الرؤساء السابقون إلى الابتعاد عن الأضواء احتراماً للمنصب، وإتاحة الوقت والمساحة لخلفائهم كي يثبتوا جدارتهم ويجعلوا المكتب البيضاوي خاصتهم. لكن ترمب، كعادته، كان “حالة شاذة”، إذ واصل مهاجمة بايدن وزعم أن انتخابات 2020 سُرقت خلال فترة ابتعاده عن الساحة السياسية.
وشهد بايدن، الذي فاجأ كثيرين بحجم وطموح أجندته التشريعية خلال أول عامين من رئاسته، تراجعاً في معدلات تأييده في استطلاعات الرأي مع اقتراب نهاية ولايته. وعزز أداؤه “الكارثي” في مناظرة مع ترمب المخاوف بشأن سنه، ما اضطره إلى التخلي عن مسعاه لإعادة الانتخاب.
محو إرث بايدن
وقبل عام في مثل هذا الأسبوع، بدا الرئيس السابق بائساً وهو يجلس إلى جانب زوجته جيل في القاعة المستديرة داخل مبنى الكابيتول في واشنطن، بينما كان ترمب يلقي خطاب التنصيب الذي أوضح عزمه محو إرث بايدن، بحسب الصحيفة.
وفي حين كان بايدن قد وصف 6 يناير 2021 بأنه “يوم قاتم” للديمقراطية الأميركية، استخدم ترمب يومه الأول لإصدار عفو واسع عن أكثر من 1500 من مثيري الشغب، وتعيين من ينكرون نتائج انتخابات 2020 في مناصب رفيعة، وتسخير أجهزة الدولة لإعادة تصوير الهجوم على أنه حلقة من “الاحتجاج الوطني”.
وبينما وقّع بايدن أكبر قانون إنفاق على المناخ في التاريخ، شنّ ترمب هجوماً شرساً على مبادرات الطاقة النظيفة، وروّج للوقود الأحفوري بوصفه محرك الطاقة الأرخص وقطاع الذكاء الاصطناعي المزدهر.
كما رفض ترمب إيمان بايدن بالمهنية والخبرة، فسرّح آلاف الموظفين، وفرض اختبارات ولاء، وأفرغ وكالات كانت محصّنة سابقاً من التدخل السياسي. وعين روبرت إف كينيدي الابن وشخصيات متطرفة أخرى في مناصب مؤثرة في قطاع الرعاية الصحية، بحسب “الجارديان”.
وقضى ترمب أيضاً على الأطر المتعلقة بالتنوع والإنصاف والشمول من الحكومة، وشن هجوماً واسعاً على الجامعات والهيئات العامة التي يحمّلها مسؤولية أجندة “اليقظة” في عهد بايدن. ويترافق ذلك مع تشديد هجومي في سياسات الهجرة، سواء غير الشرعية أو الشرعية.
نظام عالمي “جديد”
وأشارت “الجارديان” إلى أنه على الصعيد العالمي، يرسم ترمب ملامح نظام عالمي جديد قائم على القوة والصلابة والمصلحة الذاتية، ما يرهق علاقاته مع الحلفاء عبر التهديد بالاستيلاء على أراضٍ وفرض رسوم جمركية وضغوط اقتصادية. وهو نقيض التزام بايدن بالكيانات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، مثل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ودعمه لأوكرانيا.
وفي مواجهة هذا الهجوم، كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما (64 عاماً)، أكثر نشاطاً على الصعيد السياسي، إذ شارك في عشرات الفعاليات العامة، بما في ذلك تجمعات انتخابية خلال انتخابات نوفمبر الماضي.
أما مشاركات بايدن في الحياة العامة فكانت قليلة ومتباعدة. ففي مايو 2025، أعلن مكتبه بعد الرئاسة أن الأطباء شخّصوا إصابته بسرطان البروستاتا الذي انتشر إلى عظامه.
وفي يوليو الماضي، تحدث في مؤتمر جمعية إدارة الموارد البشرية في سان دييجو بولاية كاليفورنيا، وقال إنه يتلقى اتصالات “من عدد من القادة الأوروبيين يطلبون منه المشاركة”.
وكشف بايدن أيضاً أنه “يعمل بقوة” على كتابة مذكرات من 500 صفحة، قيل إنه باع حقوقها بمبلغ 10 ملايين دولار إلى دار “ليتل، براون آند كو”، التابعة لمجموعة “هاشيت”.
غير أن شبكة NBC News، أفادت بأن بايدن يواجه صعوبة في جمع التبرعات لمكتبته الرئاسية من مانحين يشعرون بالإرهاق وخيبة الأمل. ومن المقرر افتتاح مكتبة أوباما الرئاسية في شيكاجو هذا الربيع.
وفي أكتوبر 2025، خاطب بايدن جمهوراً في بوسطن بعد حصوله على جائزة الإنجاز مدى الحياة من معهد “إدوارد إم كينيدي”، قائلاً: “أصدقائي، لا يمكنني تجميل أي من هذا. هذه أيام مظلمة”. ثم تنبأ بأن البلاد “ستعثر على بوصلتها الحقيقية مجدداً”، و”ستخرج، كما فعلت دائماً، أقوى وأكثر حكمة وصلابة وعدلاً، ما دامت متمسكة بالإيمان”.
