– أمير حقوق

ارتبط اسم الفنان السوري ماهر صليبي بتجربة فنية جادة، اتسمت بالالتزام والبحث الدائم عن المعنى، ومنذ بداياته في المسرح، شكّلت الخشبة فضاءه الأول، حيث صقل أدواته كممثل ومخرج، قبل أن ينتقل إلى الدراما التلفزيونية ويترك فيها بصمته الخاصة من خلال أدوار اتكأت على العمق الإنساني لا على الحضور العابر.

وفي مسيرته، تنقّل صليبي بين المسرح والتلفزيون، وبين الداخل والمنفى، محافظًا على قناعته بأن الفن موقف قبل أن يكون مهنة.

واليوم، ومع عودته إلى المشهد الفني من بوابة المسرح، تبدو تجربته أشبه بسيرة فنان لم ينقطع عن أسئلته، ولا عن جمهوره، مهما تغيرت الأمكنة والظروف، حاملًا معه تجربة ثقيلة بالأسئلة والذاكرة، ومتكئًا على قناعة راسخة بأن الفن ليس ترفًا بل شهادة.

بين عودة مسرحية “سوناتا الربيع” إلى الخشبة السورية بعد سنوات طويلة من عرضها في الخارج، وحديثه عن المنفى، وعودة الفنانين، وكسر ما تبقى من شرخ في الوسط الفني، يفتح ماهر صليبي حوارًا مع، يتجاوز التجربة الشخصية، ليقارب أسئلة المرحلة، ودور الفن في زمن ما بعد التحولات الكبرى.

الهجرة القسرية.. حين يتحول الموقف إلى منفى

اضطر ماهر صليبي إلى مغادرة سوريا في لحظة مفصلية من حياته، لا بدافع الرغبة أو الاختيار، بل نتيجة موقفه المعارض للنظام السابق، ليكون واحدًا من الفنانين السوريين الذين أعلنوا موقفهم بوضوح ودفعوا ثمنه غاليًا.

لم تكن الهجرة بالنسبة له مشروعًا ولا حلمًا، بل خيارًا قسريًا فرضته الظروف السياسية والتهديدات التي تلقاها، في وقت لم يكن يرى فيه أي أفق للعودة إلى سوريا.

وأكد صليبي أن خروجه من سوريا لم يكن بإرادته، وأن فكرة العودة كانت شبه مستحيلة في ظل الواقع آنذاك، ما جعل المنفى امتدادًا للألم أكثر منه مكانًا بديلًا، وحمّله شعور الفقد والاقتلاع، إلى جانب إصراره على التمسك بموقفه وقناعته، مهما كانت التكلفة.

 

لم تكن الهجرة بالنسبة لي مشروعًا ولا حلمًا، بل خيارًا قسريًا، وفكرة العودة كانت شبه مستحيلة.

ماهر صليبي

فنان ومخرج سوري

البداية من “سوناتا الربيع”

في كواليس مسرحية “سوناتا الربيع”، يقف الفنان السوري ماهر صليبي أمام عودة عمل فني في سوريا بعد أكثر من 13 عامًا، عودة لا يراها مجرد استعادة لعرض مسرحي قديم، بل مواجهة مفتوحة مع ذاكرة سورية مثقلة بالتجربة والمعاناة.

المسرحية تقدم حكاية رجل عادي تحول إلى شاهد على زمن مكسور، عبر إيحاء لا يقتصر على قصة بيت يتداعى فحسب، بل سيرة وطن تأجل ترميمه، وذاكرة مثقلة بالخسارات والأسئلة المؤلمة.

يرى صليبي أن رمزية المسرحية اليوم تنبع من قدرتها على لمس وجع السوريين وما عاشوه خلال سنوات الحكم السابق، مؤكدًا أن الرسالة التي تحملها ليست جديدة، بل جرى الحديث عنها مرارًا، فحين يُقدَّم هذا النوع من العروض خارج سوريا، فإنه يتحول إلى شهادة أمام العالم.

أما عن حركة المسرح السوري بعد التحرير، فيقول إنه لم يتابع المشهد المسرحي بشكل جيد، إذ حضر مباشرة إلى هذا العمل، دخل في “البروفات” وقدّم العرض، من دون أن يشاهد تجارب أخرى، ومع ذلك، يعبّر عن أمله بأن تعود الحركة المسرحية في سوريا، وأن تزهر وتستمر.

وحين يتحدث كأحد صنّاع المسرح السوري عن الأولويات، يشدد على أن المسرح، شأنه شأن أي مسرح في العالم، يحتاج إلى ميزانيات حقيقية، فلا يمكن تقديم شيء مجانًا، فالمسارح موجودة، من دار “الأوبرا” إلى مسرح “الحمراء” و”القباني” في دمشق، إضافة إلى مسارح المحافظات، لكنها تحتاج إلى تمويل لتجهيزها بالمعدات اللازمة وتقديم عروض تليق بالجمهور.

 

المسرح السوري يحتاج إلى ميزانيات حقيقية، لتجهيزه بالمعدات اللازمة.

ماهر صليبي

فنان ومخرج سوري

 

فنانو المعارضة.. أحلام أجمل من العودة

يسجل الموسم الرمضاني المقبل عودة الفنانين الذين غادروا سوريا لسنوات بسبب مواقفهم السياسية، ومشاركتهم مجددًا في أعمال درامية سورية داخل سوريا.

وهنا، يرى صليبي أن هناك أحلامًا أجمل من مجرد العودة، فهؤلاء نجوم اضطروا لترك البلد، والجمهور اشتاق إليهم ويحبهم، وهم في النهاية ممثلون محبوبون.

لذلك يعبّر عن سعادته الكبيرة بهذه العودة، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد مشاركة لافتة لعدد منهم على الساحة السورية.

ويعتقد أن هذه المشاركات ستنعكس إيجابًا على صورة الدراما السورية، من خلال زيادة نسب المشاهدة وإعادة جذب الجمهور الذي افتقد تلك الوجوه.

الدراما السورية بين الدعم والمصالحة

وفي قراءته للمشهد الفني السوري في المرحلة الراهنة، يبتعد ماهر صليبي عن الخطاب العاطفي، مقدّمًا رؤية عملية تستند إلى خبرته الطويلة في المسرح والدراما، ومقاربًا أسئلة المستقبل بقدر من الواقعية والمسؤولية.

يرى صليبي أن استعادة الدراما السورية لمكانتها التي لطالما احتلتها في وجدان الشارع العربي لا يمكن أن تتحقق من دون بيئة داعمة، تبدأ بقوانين واضحة وتنتهي بتأمين ميزانيات كافية تتيح إنتاج أعمال كبيرة، متقنة، وتحمل قيمة فنية حقيقية.

وبرأي صليبي، الجودة ليست خيارًا ثانويًا، بل هي شرط أساسي لعودة الدراما بقوة واحترام.

وعن الجدل الدائر حول وجود شرخ بين الفنانين السوريين، يؤكد صليبي أن هذا الحديث بات من الماضي، مشيرًا إلى أن اللقاء بين الفنانين كان قائمًا حتى في أكثر السنوات انقسامًا، رغم اختلاف المواقف.

ويعتبر أن المرحلة المقبلة أبسط مما يُتصوَّر، وأن المشهد الفني يتجه نحو طيّ هذه الصفحة نهائيًا، والعودة إلى العمل تحت سقف واحد.

يارا صبري.. شريكة عظيمة

وإذا كان المسار الفني لماهر صليبي حافلًا بالتحولات والمواقف الصعبة، فإن الجانب الإنساني من تجربته لا يقل عمقًا وتأثيرًا، حيث تتقاطع الحياة الشخصية مع الفن، وتتحول الشراكة إلى سند حقيقي في مواجهة المنفى والعمل والغياب.

وفي هذا السياق، يتوقف صليبي عند واحدة من أكثر محطاته قربًا إلى قلبه، وهي شراكته الطويلة مع الفنانة يارا صبري، زوجته ورفيقة دربه، يتحدث من منظور شخصي وبسيط، واصفًا إياها بالممثلة العظيمة والشريكة العظيمة في الحياة.

ويشير إلى أن ما يجمعهما هو عمر كامل من الشراكة، بحلوه ومره.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.