لا تزال سوريا تواجه فجوة في المساكن والبنية التحتية بعد أكثر من 14 عامًا من الحرب وتعدد الأزمات، وهو ما يلقي بظلاله على الاستقرار المجتمعي، وجهود التعافي، وإمكانيات توفير ظروف معيشية آمنة وكريمة للسكان.
وعلى الرغم من التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا بسقوط النظام أواخر عام 2024، فإن الآثار المادية للصراع طويل الأمد لا تزال حاضرة بقوة في البيئة العمرانية، وفق ما تشير إليه خطة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة لعام 2025.
جاء ذلك بناء على تقييم الأضرار السكنية على مستوى سوريا، الذي أُنجز خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من عام 2025، بتكليف من قطاع المأوى والمواد غير الغذائية في سوريا (Syria SNFI Sector)، بدعم وتنسيق من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ونشر اليوم، الاثنين 26 من كانون الثاني.
ثلث المساكن متضررة
أفاد التقرير بأن نحو ثلث المخزون السكني في البلاد قد تضرر أو دمر، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية الحيوية، من طرق وشبكات مياه وكهرباء وأنظمة صرف صحي، تعاني من اختلالات واسعة النطاق، ما يحد من فعاليتها وقدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
وحتى كانون الأول 2025، يقدر عدد النازحين بنحو 7.4 مليون شخص، من بينهم أكثر من 1.5 مليون يعيشون في خيام أو مبانٍ غير مكتملة أو مراكز إيواء جماعية مكتظة، لم تُصمم أصلًا للاستخدام طويل الأمد.
وزاد زلزال شباط 2023 من حدة هذه الهشاشة، بعدما أدى إلى تدمير نحو 47 ألف منزل إضافي وتشريد أكثر من 50 ألف عائلة، ما فاقم الضغط على قطاع السكن المنهك أساسًا.
في هذا السياق الهش اجتماعيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وفقًا للتقرير، لا تزال ديناميكيات النزوح والعودة تشهد تطورات متسارعة. فحتى كانون الأول 2025، تشير التقديرات إلى عودة نحو 1.26 مليون شخص كانوا لاجئين خارج البلاد منذ كانون الأول 2024، عاد كثير منهم إلى منازل متضررة أو منهوبة أو غير آمنة إنشائيًا، ولا سيما في محافظات دمشق وحلب وإدلب وحمص.
وفي المقابل، لا يزال شمال غربي سوريا يستضيف قرابة مليوني نازح في أكثر من 1150 مخيمًا وتجمعًا عشوائيًا، يعيش نحو 700 ألف منهم في ملاجئ دون المستوى المطلوب، ويتعرضون بشكل متكرر لمخاطر موسمية.
وعلى مستوى أوسع، يبقى الوضع الإنساني مقلقًا، إذ يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، فيما احتاج 16.5 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2025.
ورغم الجهود المستمرة، لم يتمكن قطاع المأوى والمواد غير الغذائية من الوصول سوى إلى 45% من المستفيدين المستهدفين، والبالغ عددهم 811 ألف شخص حتى كانون الأول 2025، ما يعكس حجم الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات والاستجابة.
دمار المنازل والبنى التحتية يبقي سوريين في الخيام
قاعدة بيانات لتوجيه التعافي
أجرى قطاع المأوى والمواد غير الغذائية في سوريا تقييمًا وطنيًا شاملًا لأضرار المساكن، بهدف دعم التخطيط الاستراتيجي لدورة التمويل الإنساني المقبلة. ويُعد هذا التقييم أول مراجعة وطنية شاملة لأضرار المساكن منذ كانون الأول 2024، وقد أُنجز في سياق يتسم بتحول سياسي جارٍ وإعادة هيكلة في بنية التنسيق الإنساني.
ويهدف التقييم إلى التحقق من صحة البيانات التاريخية المتوفرة وتحسينها، لجهة مدى ونوع وشدة أضرار المساكن التي جرى تحديدها سابقًا عبر المراجعات التحليلية للقطاع.
ومن خلال جمع بيانات ميدانية مستهدفة في المجتمعات التي أبلغت تاريخيًا عن مستويات مرتفعة من الأضرار، سعى التقييم إلى استكمال المعلومات الثانوية والتحقق منها، بما يتيح بناء قاعدة أدلة متسقة وقابلة للمقارنة على مستوى البلاد، استنادًا إلى منهجية موحدة.
ولا يقتصر التقييم على قياس حجم الضرر، بل يتوسع ليشمل حالة إشغال المساكن، والظروف الاجتماعية والاقتصادية للسكان، والمخاطر الصحية والحماية المرتبطة بالمساكن غير الآمنة أو المدمرة، بما في ذلك قضايا السكن والأرض والممتلكات، كما يقيّم مستوى عمل البنية التحتية والخدمات الأساسية، ويحدد أولويات إعادة التأهيل.
ومن خلال ربط نتائجه بأحدث البيانات المتعلقة بحركات العودة ونياتها، يربط التقييم بين الاحتياجات الإنسانية وأولويات التعافي المبكر، بما يدعم تخطيط العودة، وإعادة تأهيل الملاجئ، والبرامج القائمة على المناطق، ويعزز التنسيق بين الفاعلين على المستويين الوطني ودون الوطني. وتوفر هذه المعطيات مجتمعة أساسًا أكثر متانة، قائمًا على البيانات، لجهود التعافي وبناء القدرة على الصمود على المدى الطويل في مختلف أنحاء سوريا.
أضرار واسعة وشروط سكن غير آمنة
تشير نتائج التقييم إلى أن أضرار المساكن منتشرة على نطاق واسع في المجتمعات التي شملها التقييم، وإن كانت تختلف في حجمها وشدتها بين منطقة وأخرى. وأفاد بوجود درجة ما من الأضرار في 89% من المجتمعات.
وبيّن أن قرابة النصف إلى أن أكثر من نصف المخزون السكني قد تضرر، وسجلت أعلى مستويات الضرر غير المتناسب في المحافظات الجنوبية والشمالية الغربية، ما يعكس تباين ديناميكيات الصراع والصدمات عبر البلاد.
ورغم هذا الانتشار، يتسم الملف الوطني للأضرار عمومًا بشدة منخفضة إلى متوسطة، إذ شكّلت الأضرار الطفيفة نحو 48% من المساكن المتضررة، تلتها الأضرار الجزئية بنسبة 35%، فيما لم تتجاوز الأضرار الكاملة 17%، وارتبطت الأضرار الناجمة عن النزاع بمستويات شدة أعلى، مقابل أضرار أقل حدة ناجمة عن المخاطر البيئية.
وكشفت النتائج عن استمرار السكن في المساكن المتضررة على اختلاف درجات الضرر، بما في ذلك الوحدات المتضررة إنشائيًا، وهو نمط يبرز بشكل خاص بين العائدين، مما يظهر ذلك فجوة واضحة بين ديناميكيات العودة وظروف السكن الفعلية، إذ تجري العديد من عمليات العودة في سياقات تعاني من أضرار جسيمة، مدفوعة بخيارات محدودة وارتباطات قوية بالأرض والممتلكات، ما يؤكد الحاجة الملحة لتدخلات إصلاح سكنية موجهة.
كما بيّن التقرير وجود ارتباط وثيق بين حجم وشدة الأضرار السكنية وتراجع وظائف الخدمات الأساسية، حيث تسجل المجتمعات الأكثر تضررًا مستويات أدنى من توفر الكهرباء والمياه والصرف الصحي والتعليم والصحة، ما يعوق السكن الآمن ويقوض فرص التعافي.
وعكس تقييم الأضرار السكنية على مستوى سوريا صورة مركبة لأزمة سكنية عميقة، تتقاطع فيها آثار الصراع مع الفقر والنزوح وضعف البنية التحتية، وفي ظل استمرار العودة إلى مساكن متضررة وغير آمنة، تبرز الحاجة إلى استجابات أكثر شمولًا، توازن بين الإغاثة الفورية والتعافي المبكر، وتضع إصلاح المساكن في صلب أي رؤية لعودة آمنة وكريمة ومستدامة.
واختتم التقرير، بملاحظة، مفادها أن النتائج تعكس اتجاهات إرشادية على مستوى المجتمع، ولا تمثل تقديرات إحصائية تمثيلية على المستوى الوطني، ويجب التعامل معها ضمن حدودها المنهجية.
معالجة الملف أولوية
كان وزير الأشغال العامة والإسكان السوري، مصطفى عبد الرزاق، أكد خلال مقابلة مع قناة “الإخبارية” الحكومية، في 19 من أيلول 2025، أن معالجة ملف العشوائيات والمناطق المدمرة يشكل أولوية في خطط الوزارة.
وأشار إلى أن ربع السكان في سوريا يعيشون في مساكن غير آمنة، مبينًا أن العمل يتركز بداية على النازحين والمناطق المدمرة بالكامل، مع خطط لاحقة لمعالجة التجمعات الأخرى.
Related
المصدر: عنب بلدي
