ناصر بن سلطان العموري

[email protected]

 

تدخل سلطنة عُمان عصر التجارب السياحة الحديثة من خلال مشروع يجمع بين الجمال الطبيعي والفرص الاستثمارية؛ ففي قلب ولاية مطرح التاريخية وعلى طول واجهتها البحرية الساحرة، يظهر مشروع “تلفريك مطرح” كأيقونة سياحية جديدة تأخذ الزائر في رحلة تجمع بين التاريخ والطبيعة والمدينة عبر منظر بانورامي لا يُنسى، وهذا المشروع ليس مجرد وسيلة نقل؛ بل تجربة متكاملة تعكس الهوية الوطنية للعُمانيين وتفتح آفاقًا جديدة للاستثمار السياحي.

ففي بلد مثل عُمان حيث الطبيعة الساحرة والتاريخ العريق هما محوران رئيسيان للسياحة، فإن تلفريك مطرح يقدّم عنصر جذب جديدًا يجمع بين الطبيعة والتراث والمنظر الحضري في تجربة واحدة. يمتد التلفريك كما أعلن عنه لثلاثة كيلومترات ويضم 3 محطات رئيسية: المدينة القديمة والميناء والجبال المحيطة بمرتفعات مطلة على المدينة والشاطئ، مع قدرة تشغيلية لاستيعاب آلاف الزوار يوميًا، ويستهدف نحو 4 ملايين زائر سنويًا. تجربة التلفريك تمنح كل زائر فرصة رؤية مدينة مطرح وجبالها وقلاعها العريقة من الأعلى، ما يحوّل الزيارة إلى ذكرى لا تُنسى.

ولا يقتصر أثر المشروع على الترفيه فقط؛ فهو من المؤمل أن يكون محركًا اقتصاديًا من حيث من احتواء المكان المطاعم والمقاهي والمتاجر حول المحطات التي ستشهد نشاطًا متزايدًا نتيجة كثافة المرتادين، فيما توفّر خدمات الإرشاد والتصوير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للشباب العُماني، مما يدعم التوظيف لأبناء البلد ويتيح لهم اكتساب مهارات في السياحة والإدارة والخدمات. وهذا البُعد الاجتماعي يجعل المشروع ليس مجرد تجربة سياحية، بل رافعة تنموية للشباب والاقتصاد المحلي معًا.

أما موضوع التذاكر، فيا حبذا لو يتم تصميمه بعناية لضمان التوازن بين القدرة الشرائية للمواطنين والمقيمين واستعداد السائح للدفع؛ حيث تكون هناك فئة مخصصة للمواطنين والمقيمين بأسعار مخفَّضة تشجعهم على زيارة المشروع بانتظام وتجربة التلفريك بشكل متكرر، بينما يتم تخصيص فئة سياحية بسعر أعلى للزوار الدوليين لضمان العائد المالي المستدام، دون التأثير على السوق المحلي. ومن الجميل كذلك توفير أسعار خاصة لبعض الفئات مثل الرحلات الطلابية وزيارات أصحاب الهمم من ذوي الإعاقة.

لكن الجدوى الاقتصادية ليست وحدها كافية؛ فالمشروع يحمل رسالة وطنية؛ إذ يضع الهوية العُمانية في قلب تجربة الزائر، مع إبراز جمال الطبيعة والتاريخ العتيق للمنطقة، كما يمثل استثمارًا في مستقبل السياحة العُمانية؛ حيث يمكن دمجه ضمن مسارات سياحية متكاملة تزيد من مدة إقامة الزائر وتعزز صورته الذهنية عن السلطنة كمقصد متطور ومتنوع.

وهنا نسأل: لماذا لا نرى تلفريك آخر في كل من الجبل الأخضر وجباله الشماء ومحافظة ظفار وتضاريسها الخضراء وغيرها من المحافظات العُمانية المتنوعة بالمناطق السياحية الخلابة؟

تلفريك مطرح يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية لتنويع الاقتصاد وتعزيز السياحة في السلطنة، كما أقرتها رؤية عُمان 2040 من خلال تقديم تجارب جذب عالية القيمة تدعم النمو المستدام وتزيد من عائدات القطاعات غير النفطية مثل القطاع السياحي.

من المتوقع أن يكون تلفريك مطرح إضافة ثورية نوعيًا في السياحة الحضرية بسلطنة عُمان، وقد يصبح علامة مميزة في مسقط على غرار مشاريع مماثلة في مدن سياحية عالمية ونجاحه يعتمد على الإدارة الفعالة، والتكامل مع الوجهات الأخرى والاستدامة في التسويق والتجربة، فإذا أُحسن تشغيله سيتحول إلى علامة فارقة في السياحة العُمانية تجمع بين البُعد الاقتصادي والبُعد الثقافي، ما يؤكد أن الاستثمار في السياحة لا يعني مجرد الربح؛ بل تعزيز الهوية الوطنية وإثراء تجربة الزائر بطريقة لا تُنسى.

شاركها.