أثار تحرك الرئيس الصيني شي جين بينج للتحقيق مع أبرز جنرالاته وحليفه السابق تشانج يوشيا تساؤولات بشأن أكبر حملة تطهير يشهدها الجيش الصيني منذ نحو نصف قرن، كما يحمل تداعيات تتعلق بملف تايوان، وترتيبات الخلافة في الرئاسة، واحتمالات اتساع الاضطراب داخل صفوف الحزب الشيوعي، وفق “بلومبرغ”.
ويشكل فتح تحقيق “فساد” بحق تشانج، الذي وُصف في السابق بأنه “أخ حليف” لشي، سقوطاً استثنائياً لبطل في الحزب الشيوعي تربطه علاقات عائلية تمتد لعقود مع أعلى هرم القيادة في الصين.
كما يترك هذا التطور أعلى هيئة لاتخاذ القرار في جيش التحرير الشعبي “مدمرة”، إذ لم يتبق سوى ضابط واحد في الخدمة تحت قيادة شي، البالغ 72 عاماً، في اللجنة العسكرية المركزية، التي كانت تضم ستة جنرالات عند بدء ولايته الثالثة عام 2022، بحسب الوكالة.
وفاجأت سرعة التحقيق مع تشانج، البالغ 75 عاماً والنائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، المراقبين المعنيين بالشأن الصيني، إذ جاء الإعلان، السبت، بعد 4 أيام فقط من غيابه المفاجئ عن اجتماع للحزب الشيوعي.
ويتناقض ذلك مع الفترة التي امتدت 6 أشهر تقريباً بين اختفاء هي ويدونج، الذي كان يُعد الجنرال الثاني في الصين، والتأكيد العلني للتحقيق معه قبل عزله العام الماضي.
وتراجع مؤشر “جولدمان ساكس” لأسهم شركات الدفاع الصينية بنسبة بلغت 4.6% صباح الاثنين، مسجلاً أداءً أضعف بكثير من المؤشر القياسي CSI 300، الذي كان يتداول على ارتفاع.
“أكبر تغيير” منذ عقود
وتمثل إقالة الرئيس شي لتشانج يوشيا “أكبر تغيير” في قيادة الجيش الصيني منذ عقود.
وسلطت صحيفة “جيش التحرير الشعبي اليومية” الرسمية، السبت، الضوء على مسألة الولاء السياسي، في وقت اتهمت فيه كلاً من تشانج وجنرال آخر أُقيل، هو ليو تشنلي، بالفساد.
وفي لهجة حادة، اتهم المقال الافتتاحي للصحيفة الرجلين بأنهما “انتهكا نظام المسؤولية” الذي يضمن سلطة شي في حكم أكبر جيش نظامي في العالم.
ولا تزال الأسباب الدقيقة للتحقيق مع تشانج غير واضحة. وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن تشانج اتُهم بتسريب معلومات عن برنامج الأسلحة النووية الصيني إلى واشنطن، وبقبول رشاوى مقابل ترقيات، من بينها منصب وزير الدفاع ومواقع محورية في منظومة المشتريات العسكرية.
ونقلت الصحيفة عن أشخاص مطلعين على إحاطة داخلية رفيعة المستوى بالاتهامات قبل الإعلان العلني عنها.
ولم ترد وزارة الدفاع الصينية على طلب “بلومبرغ” للتعليق على التقرير.
ونادراً ما يغادر كبار المسؤولين العسكريين الصين، كما تخضع اتصالاتهم لرقابة دقيقة. ومنذ توليه منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية عام 2017، لم يلتقِ تشانج سوى مرة واحدة مسؤولاً أميركياً في منصب رسمي، وكان ذلك مع مستشار الأمن القومي الأميركي آنذاك جيك سوليفان عام 2024.
وتقدم بكين عادة وزير دفاعها لإجراء محادثات عسكرية ثنائية مع الولايات المتحدة.
ظرفية معقدة
ويأتي الاضطراب داخل النخبة العسكرية الصينية في وقت يشتبك فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع حلفاء رئيسيين بشأن جرينلاند، والرسوم الجمركية، ومستقبل النظام الدولي القائم على القواعد، وهو ما أجج نقاشات حول ما إذا كان شي قد يسعى لاستغلال الوضع عبر التحرك تجاه تايوان.
ويعتبر الحزب الشيوعي تايوان، ذات الحكم الذاتي، جزءاً من أراضيه، رغم أنه لم يحكم الجزيرة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 23 مليون نسمة، قط.
ويضيف سقوط تشانج مزيداً من الغموض مع دخول الصين مرحلة مضطربة من المناورات السياسية قبيل عملية تغيير القيادة الدورية التي تجري كل 5 سنوات في عام 2027، حين يُتوقع على نطاق واسع أن يسعى شي لولاية رابعة على رأس ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وبصفته أقوى جنرال في الصين وعضواً في المكتب السياسي، كان تشانج من القلائل الذين يمتلكون النفوذ اللازم لحشد معارضة محتملة لأي ترتيبات خلافة يخطط لها شي.
وقال دينيس وايلدر، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية المختص بشؤون شرق آسيا، والذي يشغل حالياً منصب باحث أول في جامعة جورجتاون: “الجيش هو المؤسسة الوحيدة في الصين التي لديها تاريخ في تحدي قادة الحزب”.
وأضاف: “إذا افترضنا أن شي يريد ولاية رابعة، فلا بد أنه كان يخشى أن يقود تشانج جهداً داخل الحزب للإطاحة به”.
ويظل معظم ما يجري في السياسة الصينية خلف أبواب مغلقة بفعل جهاز الرقابة الواسع الذي يديره الحزب الشيوعي، والعقوبات الصارمة المفروضة على كشف الأسرار الرسمية، ما يصعب الجزم بما إذا كان شي يواجه تحدياً حقيقياً لسلطته.
ومع ذلك، تثير اتهامات عدم الولاء تساؤلات حول من يمكن لزعيم الصين الوثوق به، وحول مستوى التذمر داخل دائرته الضيقة.
الجاهزية العسكرية موضع شك
كما تطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن الجاهزية العسكرية. فرغم أن حملة الإقالات تشير إلى ثقة شي بقدرته على إحكام السيطرة على الحزب والجيش بما يسمح له باحتواء أي رد فعل، فإن الخطوة تترك الجيش الصيني في حالة “فوضى”، بحسب لايل موريس، الباحث الأول في مركز تحليل الشؤون الصينية التابع لمعهد سياسات المجتمع الآسيوي.
ورغم امتلاك الجيش الصيني قاعدة واسعة من الكوادر القادرة على سد الشواغر والحفاظ على سير العمليات اليومية، فإن الإقالات لكبار الجنرالات قد تضعف نظام قيادة شديد المركزية.
صداقة “أبناء النخبة”
نشأ كل من شي وتشانج في بكين بوصفهما من “أبناء النخبة” لزعماء في الحزب الشيوعي. وخلال الثورة الثقافية التي أطلقها ماو تسي تونج في ستينات القرن الماضي، وهي آخر مرة شهد فيها الجيش اضطراباً مماثلاً في قمته، أُرسل شي إلى الريف، بينما التحق تشانج بالجيش.
وبرز تشانج لاحقاً في ساحات القتال خلال اشتباكات حدودية مع فيتنام، وتدرج في الرتب ليصبح جنرالاً برتبة ثلاث نجوم عام 2011، قبيل تولي شي منصبه.
ولعب تشانج لاحقاً دوراً محورياً في مساعدة شي على ترسيخ سيطرته على الجيش، ودفع عملية إعادة هيكلة صعبة لتحقيق هدفه بجعل الجيش قادراً على “القتال والانتصار في الحروب”.
وتأكيداً على متانة العلاقة بينهما، تجاهل شي قواعد سن التقاعد ليُبقي تشانج في منصبه خلال مؤتمر الحزب عام 2022، بل وعينه عضواً في المكتب السياسي الحالي.
وقال درو تومبسون، الباحث الأول في كلية “إس راجاراتنام” للدراسات الدولية بجامعة نانيانج التكنولوجية: “بلغ شي مرحلة لم يعد فيها بحاجة إلى تشانج، الذي حماه ودفع إصلاحات تاريخية داخل الجيش، لكنه بات يُنظر إليه الآن بوصفه منافساً وتهديداً لقبضة شي المطلقة على السلطة”.
وكان تشانج أشرف في السابق على إدارة تطوير المعدات في الجيش الصيني، المسؤولة عن اقتناء الأسلحة، والتي شكلت نقطة انطلاق لحملة إقالات في عام 2023 طالت عدداً كبيراً من المسؤولين، من بينهم بعض من معاونيه السابقين.
“مراكز قوة” مُنافِسة
وأفادت “بلومبرغ” في عام 2024 بأن الاستخبارات الأميركية ترى أن حملات الإقالات الواسعة في صفوف الجيش التي يقودها شي اشتدت بعد انكشاف أن الفساد المستشري في “قوة الصواريخ”، وفي قاعدة الصناعات الدفاعية أضعف الجاهزية العسكرية للبلاد.
واستشهدت التقييمات بعدة أمثلة على أثر الفساد، من بينها صواريخ مملوءة بالماء بدلاً من الوقود، وحقول شاسعة من صوامع الصواريخ في غرب الصين بأغطية لا تعمل على نحو يسمح بإطلاق الصواريخ بفاعلية.
وقال جيمس تشار، الأستاذ المساعد في جامعة نانيانج التكنولوجية: “بوضع تشانج قيد التحقيق، يكون شي قد رد على الانتقادات التي اعتبرت حملته انتقائية”.
وبرزت المخاوف من مراكز قوة منافسة داخل الجيش الصيني، العام الماضي، عقب إطاحة مجموعة أخرى من الجنرالات الذين تداخلت مساراتهم المهنية.
واتهمتهم وسائل الإعلام الرسمية آنذاك بتحدي “النظام الذي يتحمل فيه رئيس اللجنة العسكرية المركزية المسؤولية النهائية”، وشبهت القادة المُقالين بجو بو شيونج وشو تسايهو، اللذان أُقيلا خلال الولاية الأولى لشي بتهمة محاولة “الاستيلاء على السلطة”.
ومهما يكن الدافع الحقيقي، فإن إقصاء تشانج يثبت، على الأقل، أن لا أحد بمنأى عن المساءلة، بحسب “بلومبرغ”.
وقال جوناثان تشين، الباحث في معهد “بروكينجز” والمحلل السابق للشأن الصيني في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية: “بات واضحاً الآن أن لا أحد في القيادة آمن، بغض النظر عن صلته بشي. وهذا تحول زلزالي في السياسة الصينية في عهد شي”.
