في مدينة “ود مدني”، حاضرة ولاية الجزيرة، وسط السودان، تشكلّت ذائقة الفاتح حسين الفنية منذ طفولته، حيث تمتد المساحات الخضراء، ويعبث النيل الأزرق بخاصرة المدينة، وتنساب الألوان والألحان في كل ركن، وكأنها مدينة معلقة في كون من الموسيقى.
أرجع الموسيقى السوداني الفاتح حسين، في حديثه لـ”الشرق”، افتتانه بهذا العالم، إلى خاله “بابكر مرحوم”، الذي كان يجيد العزف على آلة العود، والغناء. ويرى: “أن الفن يولد مع الإنسان، غابة (أم بارونا) لم تكن بعيدة من حي (دردق) حيث ولدت، كانت طبيعتها خلابة، وكنا نقضي سحابة يومنا هناك، خاصة أثناء الإجازات المدرسية، كل هذه العوامل شكلت شخصيتي الفنية”.
وأكد حسين أن الأكاديمية التي نهل منها لا تتقاطع مع “الموهبة الحقيقية”، حيث أنها، من وجهة نظره تضيف إلى الموهبة، لكن “أثر الدراسة ليس آليا ولا مضمون النتائج”، فهي، برأيه لا تصنع فناناً، بل “تعيد تشكيل ما هو موجود بدءاً”.
وأشار حسين إلى أن السودانيين عرفوا الآلات الموسيقية باكراً، مستحضراً حقبة “الحقيبة” التي سادت في فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، حيث “عرف الناس الرق والمثلث والأكورديون والقربة الاسكتلندية وصفارة الأبنوس، كما عرفوا آلات النفخ النحاسية والخشبية من فرق الجيش الموسيقية، التي كانت تقدم عروضها في الساحات الكبيرة”.
في أكاديمية روسيا للموسيقى
لم يكتف حسين بصقل موهبته بالدراسة في السودان، بل قصد روسيا من أجل مواصلة الدراسة الموسيقية، والوقوف عن قرب على تجارب عباقرة التأليف الموسيقي مثل رحمانوف وتشايكوفسكي وغيرهما، مؤكداً أن أكاديمية روسيا أضافت له الكثير من حيث التجربة، و”هى التي دفعتني للاهتمام بالموسيقي والإيقاعات التراثية السودانية”.
عاد حسين من روسيا مزوداً بالدكتوراة في الموسيقى، ليعمل أستاذاً في السودان، قبل أن يحصل، أكاديمياً، على لقب “بروفسير”، ثم أصبح لاحقاً عميداً لكلية الموسيقى والدراما، والتي يرى أنها تحتاج لاهتمام أكبر من قبل الدولة وخاصة “البرتوكولات الثقافية”، وإتاحة الفرصة للأساتذة والخريجين المتميزين لتلقي دورات تدريبية في مختلف العلوم الموسيقية النظرية، إضافة إلى الدراسة التطبيقية.
ويرى حسين أن دراسة الأطفال الموسيقى أمر في غاية الأهمية، “كونها تعزز التوازن الانفعالي والتعبير عن المشاعر والثقة بالنفس والانضباط والتركيز والذاكرة، كما أنها تنمى بينهم روح التعاون والذكاء الاجتماعي وتكوين ذائقة وهوية ثقافية، ويساهم في بناء شخصية متوازنة وحساسة، قادرة على التفاعل الإيجابي مع الآخرين”.
السلم الخماسي
وحول ما يتردد بأن سبب عدم انتشار الموسيقي السودانية عربياً، هو اعتمادها على السلم الخماسي، قال الفاتح حسين أن هذا السلم يعبر عن الهوية السودانية، “السلم الخماسي لم يحد من الانتشار، فكثير من الدول في أفريقيا وشرق آسيا وأميركا اللاتينية تتعامل مع السلم الخماسي، والأعمال تحظى بانتشار عالمي، مسألة الانتشار لا علاقة لها بالسلالم الموسيقية إنما ترتبط بشركات انتاج تروج للمادة الموسيقية”.
لكن، في المقابل، أشار حسين إلى التشابه بين الموسيقى السودانية، ونظيراتها في شرق أفريقيا “هذا مؤكد بصورة علمية، هناك أساس إيقاعي أفريقي مشترك مع شرق أفريقيا، نشأت منه كثير من الإيقاعات المتشابهة، ثم تفرعت محلياً بفعل الهجرات والتداخل الثقافي واختلاف البيئات”.
وأشار إلى أن الإيقاعات ليست متطابقة، لكنها تشترك في “مشكاة إيقاعية” حضارية واحدة، قبل أن تتشكل بصيغ سودانية، إثيوبية، إريترية، كينية.. وغيرها.
وبشأن السودان وكونه يعج بإيقاعات منوعة ومختلفة، وعن إمكانية “هيمنة” موسيقى الوسط المعززة بسلطة ثقافية من انتشار هذه الإيقاعات، قال حسين إن هيمنة “موسيقى الوسط” كوّنت سلطة ثقافية حدت من الانتشار الواسع لإيقاعات الأقاليم، وجعلت حضورها هامشياً أو مشروطاً بالاندماج في قالب الوسط “لم تُلغَ الإيقاعات المتنوعة، لكنها لم تُمنح فرص تمثيل متكافئة”.
حكاية “السمندل”
قبل أن يكوّن الفاتح حسين، رفقة زملاء له في معهد الموسيقى والمسرح، فرقة “السمندل” الموسيقية مطلع 1986، عمل مع عدد من كبار فناني السوداني كعازف للجيتار، ومنهم أحمد المصطفي، عثمان الشفيع، أبوعركي البخيت، ثم محمد وردى، و”بصورة دائمة كنت في فرقة محمد الأمين منذ العام 1981″.
وقال أن التجربة الثرية مع هؤلاء الفنانين، على تنوع أعمالهم، أفادته كثيرا وقادته لتكوين فرقة “السمندل”، “كنا نرى في الفرقة فرصة لنا لنعبر عن ذاتنا الموسيقية، ومحاولة للاستفادة مما تلقيناه من علوم ومحاولة تطبيقها عملياً، ورغم تخوفنا من عدم تقبل الجمهور للموسيقي البحتة، إلا أن التجربة أثبتت وجودها بنجاح كبير”.
وشدد حسين على أثر الفنون القوي على التعايش والسلام في المجتمع السوداني، حيث تلعب الفنون، وخاصة الموسيقى، من وجهة نظره، دوراً محورياً في ترسيخ التعايش والسلم الاجتماعي وبناء الهوية في المجتمع السوداني، لأنها لغة وجدانية مشتركة تتجاوز الانتماءات العرقية واللغوية، على حد قوله، “هي تخلق مساحات لقاء بين المكونات المختلفة عبر الإيقاع واللحن، بما يعزز القبول المتبادل، وتخفف التوترات وتحوّل الألم والصراع إلى تعبير إنساني قابل للفهم والمشاركة، وهو أساس السلم الاجتماعي”.
ويخلص حسين إلى أن الموسيقى تعكس الهوية السودانية كهوية مركبة، قائمة على التنوع لا على الإقصاء، وتنقلها بالإحساس لا بالشعارات، فـ”الموسيقى في السودان ليست مجرد فن، لكنها أداة تماسك اجتماعي، ووسيط سلام، وحامل حيّ للهوية المتعددة”.
ولخص حسين رؤيته تجاه الحرب في السودان وأثرها على الفنون والفنانين، بأنها “تجرح الفن، لكنها أيضاً تعمّقه”، تُضعف شروط إنتاجه، كما يقول، لكنها تشحن معناه، وتحوّل الإبداع في السودان من ترف ثقافي إلى فعل مقاومة وحفظ للروح.
