تواجه منصة “تيك توك” في الولايات المتحدة، بعد إتمام صفقة الاستحواذ الأميركي، مخاوف وتحديات، عززت من صعود منصات جديدة منافسة.
وتتنوع تلك التحديات التي تواجهها منصة “تيك توك” في أميركا، بين مخاوف تتعلق بالخصوصية، بعد تغييرات مفاجئة في شروط الاستخدام، ومشكلات تقنية جراء انقطاع التيار الكهربائي في خوادم المنصة داخل أمريكا، وصولاً إلى حالة من الرحيل شبه الجماعي لمستخدميها باتجاه شبكات بديلة صاعدة.
بعد يوم واحد من إتمام صفقة “تيك توك”، وانتقال سيطرة المجموعة الأميركية TikTok USDS Venture LLC، على عمليات التطبيق، فوجئ الأميركيون برسالة تنبيهية تطالبهم بضرورة الموافقة على تحديث شروط الاستخدام وسياسات الخصوصية.
وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من مستخدمي المنصة سيضغطون زر الموافقة ويتابعون استخدامهم بشكل طبيعي، إلا أن تقارير عدة من مواقع إخبارية، منها Wired، كشفت عن زيادة حجم المعلومات التي ستجمعها منصة “تيك توك” حول المستخدمين بعد الصفقة، بما يتضمن الموقع الجغرافي الدقيق للمستخدمين.
منصة الفيديوهات القصيرة، لم تكن في السابق، تجمع بيانات الموقع الجغرافي الدقيق للمستخدمين داخل الولايات المتحدة، لكن مع التحديث الجديد ستتمكن “تيك توك” من جمع بيانات دقيقة حول أماكن تواجد المستخدمين خلال استخدامهم للتطبيق على هواتفهم الذكية، ويتشابه ذلك مع سياسة جمع البيانات الخاصة بعدد من تطبيقات الشبكات الاجتماعية الأخرى مثل إنستجرام و”إكس”.
كذلك أبدت النسخة الجديدة من “تيك توك” اهتماماً غير مسبوق بطبيعة تفاعل المستخدمين مع أدوات الذكاء الاصطناعي على المنصة، حيث ستتمكن “تيك توك”، من جمع معلومات حول الأوامر النصية التي يكتبها المستخدم لإنشاء المحتوى، وكذلك النتائج المنشأة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى ذلك ستجمع المنصة أيضاً، وفق شروط الاستخدام الجديدة، المعلومات الوصفية Metadata، مثل توقيت الاستخدام، وعدد مرات التفاعل مع أدوات الذكاء الاصطناعي التي تتيحها المنصة للمستخدمين.
ويسمح التحديث الجديد، باستخدام بيانات المستخدمين، في الاستهداف الإعلاني داخل مواقع الإنترنت المختلفة خارج المنصة، على عكس الوضع السابق.
مخاوف بشأن الرقابة على المحتوى
المخاوف لم تقف عند خصوصية المستخدمين، فقد زادت شكاوى مستخدمي “تيك توك” منذ مطلع الأسبوع الماضي، حول عدم قدرة البعض على رفع الفيديوهات عبر حساباتهم، وهو ما أرجعته المنصة في منشور رسمي على “إكس” إلى عطل كهربائي داخل أحد مراكز البيانات في الولايات المتحدة.
لكن المستخدمين اختلفوا مع المنصة حول السبب، الذي أرجعوه إلى زيادة في الرقابة على مضمون المحتوى الذي تتم مشاركته عليها، فقد أشار البعض إلى أنهم لم يتمكنوا من مشاركة فيديوهات تستعرض ممارسات قوات الهجرة والجمارك الأميركية ICE، إلى جانب حظر مشاركة أي فيديوهات متعلقة بواقعة إطلاق النار في مينيابوليس، السبت الماضي.
وأوضح عدد من مستخدمي المنصة، أنه عند محاولتهم رفع تلك الفيديوهات على حساباتهم، واجهتهم رسائل بمضامين مختلفة، فالبعض ظهرت له رسالة تقول “الفيديو في مرحلة المراجعة”، والبعض الآخر ظهرت له رسالة تشير إلى أن “الفيديوهات المتعلقة بإطلاق النار غير مؤهلة للظهور من خلال خوارزميات اقتراح المحتوى على المنصة”، في حين اشتكى بعض المستخدمين من أن تلك النوعية من الفيديوهات، حققت معدلات مشاهدة أقل من المتوسط الطبيعي.
بدائل صاعدة
تلك المقدمات تسببت خلال الأيام الماضية، في حالة من الاضطراب غير المسبوق في الساحة الرقمية الأميركية، إذ بدأت أعداد متزايدة من المستخدمين في البحث عن بدائل رقمية، وهو ما أتاح فرصة غير مسبوقة لعدد من المنصات الناشئة للظهور والانتشار بسرعة لافتة.
وفي هذا السياق، برز تطبيقا Skylight و UpScrolled بوصفهما أبرز المستفيدين من حالة القلق التي سادت أوساط مستخدمي “تيك توك” في الولايات المتحدة، حيث شهدا معدلات نمو غير مسبوقة خلال أيام قليلة فقط بعد إعلان إتمام الصفقة.
Skylight.. بديل لامركزي
تُعد منصة Skylight واحدة من أبرز البدائل التي برزت بقوة في أعقاب التغييرات الأخيرة التي طرأت على “تيك توك” في الولايات المتحدة، إذ شهد التطبيق قفزة كبيرة في أعداد المستخدمين.
المنصة، التي أُطلقت رسمياً العام الماضي، مدعومة بعدد من المستثمرين البارزين، من بينهم رجل الأعمال الأميركي مارك كوبان، وتعتمد في بنيتها التقنية على بروتوكول AT Protocol مفتوح المصدر، وهو نفس البروتوكول الذي تقوم عليه شبكة Bluesky اللامركزية، والتي تجاوز عدد مستخدميها 42 مليون مستخدم حول العالم.
تأسست Skylight على يد كل من الرئيس التنفيذي توري وايت، والمدير التقني ريد هارماير، وتهدف إلى تقديم تجربة مشابهة لـ”تيك توك”، ولكن بروح أكثر انفتاحاً وشفافية، حيث توفر أدوات تحرير فيديو مدمجة، وملفات شخصية للمستخدمين، وإمكانيات الإعجاب والتعليق والمشاركة، إضافة إلى إتاحة المجال لمنسقي المحتوى لإنشاء خلاصات مخصصة يمكن للآخرين متابعتها.
وخلال الأيام الماضية حققت المنصة، أرقاماً لافتة؛ إذ تجاوز عدد مستخدميها حاجز 380 ألف مستخدم، وتم رفع أكثر من 150 ألف مقطع فيديو مباشرة على المنصة، كما استفادت من تكاملها مع بروتوكول AT في إتاحة بث المحتوى المباشر من شبكة Bluesky.
وفي تصريحات له، السبت الماضي، أوضح الشريك المؤسس ريد هارماير، أن عدد مقاطع الفيديو التي جرى تشغيلها على التطبيق في يوم واحد، بلغ نحو 1.4 مليون مشاهدة، وهو ما يمثل زيادة قدرها ثلاثة أضعاف متوسط التشغيل في 24 ساعة فقط.
كما شهدت المنصة ارتفاعاً بنسبة تزيد عن 150% في عدد تسجيل الحسابات الجديدة، إلى جانب زيادة بنسبة تفوق 50% في عدد المستخدمين العائدين لاستخدام المنصة، وارتفاع متوسط عدد مشاهدات الفيديو بنسبة 40%، فضلاً عن تضاعف عدد المنشورات يوميًا بنسبة تجاوزت 100%.
UpScrolled.. شعار الحياد
إلى جانب “سكاي لايت”، برز تطبيق UpScrolled كأحد أبرز المستفيدين من حالة الارتباك التي أعقبت صفقة “تيك توك”.
وقد شهد التطبيق ارتفاعاً ملحوظاً في عدد مرات التحميل، ما وضعه بالمرتبة الثانية في فئة الشبكات الاجتماعية على متجر App Store، والمرتبة الثانية عشرة على مستوى جميع التطبيقات المجانية.
تأسس التطبيق في عام 2025، على يد المطور عصام حجازي، وهو تقني من أصول فلسطينية، يحمل الجنسية الأسترالية، ويهدف من خلال منصته إلى توفير مساحة رقمية تتيح للمستخدمين التعبير بحرية، ومشاركة المحتوى دون تدخل خوارزمي أو توجيه سياسي.
ويجمع UpScrolled بين خصائص مستوحاة من إنستجرام و”إكس”، حيث يتيح مشاركة الصور ومقاطع الفيديو والمنشورات النصية، إلى جانب الرسائل المباشرة واكتشاف المحتوى الجديد.
ووفقاً لبيانات شركة Appfigures المتخصصة في تحليل الأسواق الرقمية، فقد سجل التطبيق ما يقارب 41 ألف عملية تحميل خلال ثلاثة أيام فقط، وهو ما يمثل نحو ثلث إجمالي عدد تحميلاته منذ إطلاقه.
كما بلغ متوسط عدد التنزيلات اليومية للتطبيق نحو 14 ألف تحميل، بزيادة وصلت إلى 2850% مقارنة بالفترة السابقة.
وبلغ إجمالي عدد مرات تحميل التطبيق حتى الآن نحو 140 ألف مرة، منها 75 ألف تحميل داخل الولايات المتحدة وحدها.
وأقر فريق العمل في الشركة، بأنهم فوجئوا بسرعة الإقبال، مشيرين إلى أن الضغط الكبير على الخوادم تسبب في بعض الأعطال المؤقتة، وهو ما دفعهم إلى تسريع عمليات التوسع التقني لمواكبة الطلب المتزايد.
ويُرجع مطورو التطبيق، هذا الإقبال إلى عدة عوامل، من أبرزها وعود المنصة بعدم ممارسة أي شكل من أشكال “الحظر الخفي Shadow Banning”، وعدم تقييد المحتوى بناءً على التوجهات السياسية، إضافة إلى تعهدها بمنح جميع المنشورات فرصة عادلة للظهور.
عززت المخاوف الخاصة بـ”تيك توك” في الولايات المتحدة، التوجه نحو إعادة تشكيل سوق الخدمات الرقمية، بشكل يتجاوز مجرد المنافسة التقنية إلى صراع أوسع بين نماذج مختلفة للسيطرة على المحتوى والبيانات، ما بين منصات كبرى تحاول التكيّف مع ضغوط سياسية وتنظيمية متزايدة، تُقيّد حركتها وتفرض عليها تنازلات، ومنصات ناشئة تستغل هذا المناخ المضطرب لتقديم نفسها كبدائل أكثر شفافية وانفتاحاً، تراهن على استعادة ثقة المستخدم عبر تقليص دور الخوارزميات المغلقة، وتوسيع هامش الحرية واللامركزية.
