بين أصوات القذائف وهدوء الترقب الحذر، يجد سكان محافظة الحسكة أنفسهم أمام فصل جديد من المعاناة، حيث لم يعد القلق مقتصرًا على النزوح أو القتل، بل امتد ليشمل أبسط مقومات البقاء، الخبز والمياه والوقود، في ظل ندرة تلك المواد بالتزامن مع التصعيد العسكري الأخير بين الجيش السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

في شوارع مدينة الحسكة، لم تعد الطوابير تقتصر على الأفران فحسب، بل امتدت لتشمل آبار المياه ومحطات توزيع المحروقات، ما حول المحافظة إلى ساحة لأزمة إنسانية متفاقمة يحاول “شريان المساعدات” الذي بدأ يتدفق مؤخرًا تخفيف وطأتها.

قال “أبو محمود”، وهو رب أسرة من سكان حي غويران بالحسكة، ل، “الخبز أصبح حلمًا، ننتظر لساعات طويلة أمام الفرن لنحصل على ربطة واحدة لا تكفي أطفالي الخمسة. التصعيد العسكري قطع طرق الإمداد، والتجار استغلوا الوضع لرفع الأسعار بشكل جنوني”.

لا تقتصر الأزمة على الغذاء، فالمياه التي كانت “تصل بالقطارة” بحسب تعبير “أبو محمود”، انقطعت تمامًا عن أحياء واسعة نتيجة توقف الصهاريج الجوالة بفعل التصعيد العسكري، مضيفًا، “نشتري مياه الصهاريج بأسعار تفوق طاقتنا، ولا نعرف مصدرها أو مدى سلامتها، لكن العطش لا يترك لنا خيارًا”.

النازحون.. المعاناة مضاعفة

تتفاقم المعاناة لدى النازحين في المخيمات، ففي مخيمي “الطلائع” و”توينة”، تدهورت الأوضاع الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة بعد انسحاب عدد من المنظمات الإغاثية الدولية نتيجة المخاوف الأمنية.

أحمد، نازح يقيم في مخيم “الطلائع”، وصف الوضع ل قائلًا، “المنظمات انسحبت، ونعيش الآن بلا ماء ولا خبز، والبرد ينهش عظام أطفالنا ولا وسيلة للتدفئة”.

وأضاف أحمد، “حتى الأمان الذي كنا ننشده في الخيام تلاشى، بعض العائلات تركت المخيم ونزحت مجددًا نحو المجهول خشية تعرض المنطقة لقصف أو اشتباكات مباشرة. نحن عالقون بين نارين”.

هذا الواقع انسحب أيضًا على مراكز الإيواء في مدارس القامشلي والمالكية ومعبدة والدرباسية، حيث تعاني العائلات النازحة من نقص في الأغطية والمواد الغذائية الأساسية، وسط محدودية الخدمات الصحية واللوجستية.

“شرايين” إغاثية

شهدت الأيام القليلة الماضية تحركًا إغاثيًا مكثفًا عبر المعابر الحدودية والداخلية في محاولة لتدارك الكارثة الإنسانية.

مؤسسة “بارزاني” الخيرية أدخلت، الثلاثاء 27 من كانون الثاني، قافلة جديدة تضم 50 شاحنة محملة بالمواد الإغاثية والطبية عبر معبر “سيمالكا” الحدودي مع العراق، وبهذا يتجاوز إجمالي الشاحنات التي أدخلتها المؤسسة خلال الأيام الماضية 200 شاحنة، في محاولة لتغطية النقص في المواد الغذائية الأساسية.

حملة “رنج رووداو” أدخلت دخلت اليوم، الأربعاء 28 من كانون الثاني، قافلة مكونة من 80 شاحنة عبر معبر “سيمالكا”، محملة بمساعدات متنوعة تستهدف الفئات الأكثر تضررًا في المحافظة.

ووصلت قافلة مساعدات إنسانية مؤلفة من 29 شاحنة محملة بمواد غذائية وطبية عبر معبر “تل بارود” باتجاه مدينة القامشلي. وفي بلدة اليعربية، وصلت دفعة من المساعدات الحكومية تضمنت شاحنتين محملتين بمادة الطحين، تمهيدًا لتوزيعها على الأفران لدعم توفر مادة الخبز.

استجابة صحية ومبادرات محلية

في ظل الانهيار الصحي المحتمل، لم تتوقف المحاولات لترميم الواقع الطبي، إذ أوفدت مديرية صحة دير الزور فريقًا يضم كوادر لقاح وتغذية ودعم نفسي إلى مخيم “الهول” شرق الحسكة.

البعثة الطبية نفذت مسحًا تغذويًا شمل 150 طفلًا، وقامت بتلقيح 50 طفلًا من المتسربين عن برنامج التلقيح الروتيني، إضافة لتقديم لقاح الكزاز للنساء، في خطوة تهدف لتعزيز الخدمات الأساسية بالمخيم.

وعلى الصعيد الشعبي، أطلق ناشطون إنسانيون حملة تحت مسمى “جابر عثرات الكرام”، تهدف إلى تجهيز وإرسال مساعدات غذائية عاجلة لدعم النازحين في ريف الحسكة.

حذر يلف طريق العودة

بينما يستمر النزوح في جهة، يشهد ملف العودة تحركات محدودة ومحفوفة بالمخاطر. وبحسب مصادر محلية، جرى تأمين عودة عدد من العوائل النازحة في مدينتي الحسكة والقامشلي إلى منازلهم في منطقة عفرين، وذلك بالتنسيق بين إدارة منطقة عفرين وقوى الأمن الداخلي في الحسكة، في محاولة لتخفيف الضغط السكاني عن مراكز الإيواء المزدحمة.

وتعيش محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا حالة من الترقب، مع استمرار صمود اتفاق “التهدئة” بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ظل الحديث عن مفاوضات مستمرة بين الطرفين لاستكمال تنفيذ اتفاق 18 من كانون الثاني الحالي الذي يتضمن أحد بنوده دمج كل المؤسسات المدنية في المحافظة ضمن مؤسسات الحكومة.

ويبقى المشهد في الحسكة معلقًا بين آمال وصول المساعدات واستقرار الأوضاع الميدانية، وبين واقع يفرضه الوضع الإنساني ونقص الخدمات والمواد الأساسية الذي يهدد مئات الآلاف من المدنيين العالقين في صراع متواصل حتى اللحظة.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.