مُزنة المسافر

وِين كُنَّا ووِين صِرنا يا شادي! قد جاء الانتباه الذي تبتغيه أخيرًا، وأن يراك العالم والناس، وأن تُقرع الأجراس بحضورك وترى الأنفاس تُحتبس لوجودك يا شادي يا غالي على قلب أمك وأبيك.

أين كنت؟ يسألونك، إلى أين رُحت؟ وهل عدت لتقول شيئًا لأحدهم؟ للدربوكة الأسيرة خلف موتورك، أو للعم سمير الذي ينتظر منك جوابًا وافيًا.

وافيًا لهذه الحياة البسيطة، لعالم الشاورما، والأرق المستمر، والأحلام التي تعيش دولابًا لا يتوقف، وأنت بعجلات الموتور تهرب هروبًا كبيرًا، لكنك تعود، تعود لتقول كلمات الوعي، وتنسى اللاوعي، وترى نفسك تكبر وتنضج.

وقلبك ينادي على الجارة، وعيونك لم تعد محتارة في شأن كارلا، وفي شأن أهل الفن والغيمات والنجمات، كلهم يعرفونك يا شادي، يدركونك ويفهمونك.

يا ليتهم يكونون في دواخلك، هل هنالك عتمة تشبه ليل بيروت في باطنك؟ أم أنت واضحٌ وبائن مثل أي شمس بعيدة، تعيش نهارك بوضوح النجم الساطع، وهل صرت نجمًا يا شادي؟

تعال هنا، قف على حافة الكورنيش، أوقف أفكارك، أوقف قصائدك التي تكتبها دون حبر معلن،

من سيحكي لكارلا أنك معجب، وأنك محب كبير لها، ومن سيحكي لليل والبحر أنك لا تود النوم أبدًا، تنتظر قدومها على سلالم العمارة، وأنك ترتب موعد لقاء قريب أو مشهدًا تحرك فيه فؤادها.

وإن جاء النهار سيكون لك رسالة مكتوبة بخط يدك، مع باقة ورد تخرج من متجر الورد قبالة العمارة، وإن نزلت وهي بتلك الغُرة الجميلة، إنها جميلة، بتلك القصة وحركتها تبدو كرقصة تحرك قلبك خطوتين أمام.

انتظر قليلًا عند باب العمارة.

قد تأتي، يا بختك يا شادي!

إن نزلت أمام عينيك لكنك يا عزيزي ما معك مصاري، ستراك كحشرة ليلية أو كذبابة عابرة لهواء العمارة، لن تراك جيدًا، ربما ستلبس أعتم نظارة، إحدى نظارات الماركات العالمية، وستغدو كنجمة سينما.

تصفق لها الأضواء.

وتمشي فوق كل سجادة حمراء.

إنها هناك، تنظر إليك من هناك، وتراقب حركتك بالموتور من نافذة بعيدة، لكنها ستكون دومًا مغرورة، متعالية بكعب عالٍ لا يناسب مستواك الاجتماعي.

إنها مُتسيِّدة، مُتصيِّدة للفرص، عقلها يروح يَمنةً ويَسرةً نحو المصاري، وحياتها بأصدقاء كُثر، وسفر غزير، لأن عمتها تعيش في البرازيل، وأن جدتها كانت ملكة جمال ضيعتهم في الجبل.

كيف ستكون هي حبيبتك يا شادي؟

رائحتك شاورما، بصل وبندورة.

وحياتك مغمورة، وكأنك تسكن قاع طبق الفتوش دائمًا.

إن حياتها تتغير بسرعة، وقلبها يتصور الأشياء بشكل جميل، قدم لها الورد والله كبير.

قل لها إنه لها، فقط لها وما من غيرها يسكن خيالك وعقلك، وستسأل:

كارلا: لَمين هالورد؟

شادي: لَئِلِك يا كارلا!، إزا مش عاجبينك بكبِن بالزبالة.

كارلا: لأ كتير حلو البوكيه، ميرسي.

ميرسي ع شو؟! الورد لا يكفي يا شادي، قد تطلب منك وقتك، وتطلب منك كلمات أخرى مخاطة بالعسل، بشهد عليم بالميلان والذوبان، هل ملت لها أكثر؟

ونادت عليك تلك الغُرة أن تميل، قل لها شيئًا عن بذلها كل الجهد لتضع شعرها بقصة إفرنجية، ما أروع هذه القصة.

شادي: حلوة كتير؟

كارلا: الورود حلوة؟

شادي: لأ، بقصد الغرة، حلوة كتير.

ميرسي ألف مرة، في دواخلها قد تقولها هكذا، لكن من يعلم إنْ كان يعرف قلبها أن يشكرك، وهل الليالي القادمة ستأتي بأوقات كهذه، أوقات فيها تلك الرومانسية، تلك الأيام التي تجعل الأيام الماضية بالطبع منسية.

شاركها.