تحولت مدينة الحسكة ومحيطها إلى ما يشبه “المنطقة العسكرية المغلقة”، حيث أحكمت “قسد” سيطرتها على جميع المداخل والمخارج، وسط غياب شبه كامل للممرات الآمنة للمدنيين الراغبين بالفرار من التصعيد.

ويأتي هذا التضييق الميداني بالتزامن مع هدوء حذر خيّم على جبهات القتال بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والحكومة السورية منذ فجر اليوم الخميس 29 من كانون الثاني، بعد ليلة من الاستهدافات المتبادلة التي طالت أرياف المحافظة.

ممرات الموت

تتصدر أزمة “الممرات الآمنة” المشهد الإنساني في الحسكة، حيث باتت خيارات الخروج من المدينة محدودة ومحفوفة بالمخاطر.

وأفادت مصادر ميدانية أن الطريق الذي اعتمدته القوات الحكومية السورية باتجاه منطقة “تل بارود” كممر لخروج المدنيين، لم يعد صالحًا للاستخدام الفعلي، بعد أن صار مرصودًا بشكل مباشر من قبل قناصة وعناصر “قسد”، ما حوله إلى “فخ” يهدد سلامة العابرين.

هذا الحصار الميداني امتد ليشمل جميع المحاور، إذ أُغلق طريق “تل أسود” شرق الحسكة بشكل كامل، كما جرى قطع طريق “الحسكة- تل براك” الحيوي، والذي يبدأ من بلدة “صفيا” شمال مركز المدينة.

أدت هذه الإغلاقات المتتالية إلى عزل المدينة عن ريفها، ما اضطر عشرات العائلات إلى اللجوء لـ “طرق تهريب” وعرة وخطرة للخروج، وسط انتشار للقناصين الذين يستهدفون أي حركة مشبوهة، ما يفاقم المعاناة الإنسانية ويجعل من عملية النزوح مغامرة غير مأمونة العواقب.

ميدانياً: هدوء الجبهات ونشاط التحالف الدولي

على الصعيد العسكري، سجل مراسلو توقفًا في العمليات القتالية المباشرة على خطوط التماس الرئيسية منذ ساعات الفجر الأولى.

وكان مساء أمس قد شهد تصعيدًا واسعًا، حيث تبادل الطرفان القصف في أرياف تل تمر ورأس العين ومنطقة جبل عبد العزيز، وهي نقاط تماس ساخنة تشهد احتكاكات مستمرة بين “قسد” وقوات الحكومة السورية.

وفي الأجواء، لم يهدأ ضجيج الطيران الحربي التابع للتحالف الدولي، الذي واصل تحليقه المكثف فوق المدينة.

هذا النشاط الجوي يغطي عمليات أمنية جوية معقدة، تهدف لنقل سجناء من تنظيم “الدولة الإسلامية” من مراكز الاحتجاز في الحسكة نحو الأراضي العراقية، في خطوة احترازية لتأمين هؤلاء المعتقلين بعيدًا عن مناطق النزاع المباشر.

قبضة أمنية.. تصفية واعتقالات تثير الاستياء

داخليًا، تعيش المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد” حالة من الاحتقان الشعبي نتيجة استمرار الانتهاكات الحقوقية. فقد ضجت الأوساط المحلية بخبر العثور على جثمان الشاب صالح عبد الصمد الحمود ملقى في قرية تل فرس شمال الحسكة، بعد أيام من اعتقاله.

الحمود، وهو عسكري انشق عن صفوف “قسد” قبل نحو ثلاثة أسابيع، تعرض للتصفية الجسدية عقب مداهمة منزله، في حادثة اعتبرها الأهالي رسالة ترهيب واضحة لكل من يحاول الانشقاق أو معارضة السياسات الأمنية لـ “قسد”.

وفي حادثة أخرى تعكس التضييق على الحريات، اعتقلت القوى الأمنية التابعة لـ “قسد” المدرس سليمان عليان، وهو نازح من مدينة رأس العين، في أثناء تواجده في مدينة الحسكة.

وجاء الاعتقال على خلفية تفتيش هاتفه المحمول والعثور على صورة للعلم السوري، وهو إجراء بات يتكرر مؤخرًا ضمن حملات التدقيق الأمني المشددة التي تفرضها “قسد” على المدنيين عند الحواجز.

المقاتلون الأجانب وشرعنة التواجد

من جهة أخرى، أقرت وسائل إعلام تابعة لـ”قسد” بمقتل المقاتل أحمد عمر، وهو عراقي الجنسية من محافظة كركوك، قُتل خلال المواجهات الأخيرة في الحسكة.

هذا الإعلان الرسمي يجدد الجدل حول استعانة “قسد” بمقاتلين غير سوريين، ووجود عناصر يتبعون لـ “حزب العمال الكردستاني” ضمن صفوفها، وهي تهمة لطالما نفتها قيادة “قسد” رسميًا، إلا أن جنازات المقاتلين الأجانب باتت تؤكد هذا الانخراط العابر للحدود في الصراع السوري.

مأساة “العريشة” وتأهيل قطاع الطاقة

إنسانيًا، تزداد الأوضاع سوءًا في مخيم “العريشة” جنوب الحسكة، فمع اشتداد العواصف الشتوية، يعاني آلاف النازحين من انعدام وسائل التدفئة ونقص الغذاء وغياب الرعاية الطبية.

الخيام المتهالكة لم تعد تقوى على الصمود أمام الأمطار، في ظل صمت دولي وتراجع في المساعدات الإغاثية المقدمة للمخيمات العشوائية والمنظمة في المنطقة.

اقتصاديًا، تحاول الحكومة السورية ترميم ما دمرته الحرب في قطاع الطاقة، حيث أعلنت وزارة الطاقة عن إعادة تأهيل عنفتين لتوليد الكهرباء في “حقل جبسة” الاستراتيجي.

هذا الإجراء سمح باستئناف ضخ النفط والغاز باتجاه المصافي في حمص وبانياس، وهو ما قد يسهم في تحسين واقع الطاقة في مناطق سيطرة الحكومة السورية، رغم التحديات الأمنية التي تواجه خطوط الإمداد الطويلة الواصلة بين شرق سوريا وغربها.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.