مع تصاعد احتمالات فوز حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف في فرنسا، في انتخابات الرئاسة العام المقبل، يواجه الحزب انقسامات حادة بشأن ما إذا كان ينبغي التعامل مع روسيا بوصفها “عدو” أم لا، وفق مجلة “بوليتيكو”.

وبعدما كان الحزب من أكثر القوى السياسية الفرنسية قرباً من روسيا، اضطر “التجمع الوطني” إلى التراجع عن مواقفه منذ الغزو الروسي لأوكرانيا المستمر منذ فبراير 2022. وفي تحول لافت في النبرة، وجّه قادة الحزب انتقادات متكررة لحرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لكن المشكلة لم تنتهِ، إذ بات الأعضاء القدامى في الحزب، الذين لا يزالون يتبنون رواية الكرملين، منخرطون في صراع مع جيل جديد أكثر دعماً لأوكرانيا، في معركة لتحديد ملامح السياسة الخارجية الفرنسية في المستقبل.

وقالت “بوليتيكو”، إن هذا الصراع الأيديولوجي يمثل قضية ذات تداعيات هائلة، لا على فرنسا وحدها، بل على المشهد الأمني الأوروبي بأسره؛ ففرنسا قوة نووية وركيزة أساسية في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وتقود جهوداً لترتيب ضمانات أمنية لأوكرانيا في مرحلة ما بعد الحرب، قد تشمل نشر قوات لحفظ السلام.

ومن شأن وصول إدارة صديقة لروسيا إلى باريس، بعد الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027، أن يقلب التوازنات القائمة داخل الناتو.

انقسام حزبي

وذكرت المجلة أنها تحدثت إلى 6 أعضاء في “التجمع الوطني”، مقربين من قيادة الحزب، ويمثلون طرفي الخلاف حول روسيا. وأضافت أن تصريحاتهم كشفت أن جناحاً داخل الحزب، يقوده جوردان بارديلا البالغ من العمر 30 عاماً، والمتصدر حالياً استطلاعات الرأي الرئاسية، ينظر إلى روسيا بوصفها “تهديداً” لفرنسا وأوروبا.

في المقابل، يتبنى معسكر تقليدي أكثر محافظة، الرواية الكلاسيكية للكرملين التي ترى أن توسع الناتو شرقاً، هو ما فجّر الحرب. وكل من الجانبين يعتبر الآخر أقلية داخل الحزب.

ووصف مسؤول دفاعي فرنسي، مطلع على السياسة العسكرية للبلاد، حزب “التجمع الوطني”، بأنه “بات منقسماً فعلياً إلى ثلاثة تيارات”. 

وأوضح المسؤول لـ”بوليتيكو”، أن هذه التيارات تشمل “فصيلاً تقليدياً مؤيداً لروسيا يقوده النائب في البرلمان الأوروبي تييري مارياني، وفصيلاً مؤيداً لأوكرانيا والغرب أقرب إلى جوردان بارديلا، يقوده النائب في البرلمان الأوروبي بيير ـ رومان تيونيه”.

وأضاف: “بين الطرفين، توجد كتلة كبيرة لا تولي هذه القضايا اهتماماً كبيراً. فهي في جوهرها أقرب إلى روسيا، لكنها أدركت أن هذا الموقف ليس مربحاً انتخابياً”.

وتوقعت “بوليتيكو”، أن تتوقف الكثير من الأمور على هوية المرشح الذي سيدفع به “التجمع الوطني” في انتخابات العام المقبل. فبينما يتصدر بارديلا الاستطلاعات حالياً، تطعن مارين لوبان في قرار منعها من الترشح بعد إدانتها بتهمة اختلاس. وإذا كسبت الطعن، فسيعود اسمها على الأرجح إلى بطاقة الترشح للإليزيه.

وفي حين يتبنى بارديلا موقفاً أكثر تشدداً تجاه بوتين، تتبنى لوبان النهج “الديجولي” نسبة إلى الرئيس الفرنسي السابق، شارل ديجول، الذي كان معادياً للولايات المتحدة وداعماً للتعاون مع الاتحاد السوفيتي.

ودأبت لوبان على التعهد بسحب فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة للناتو، ولم تتجاوز بعد الجدل الذي أثارته القروض التي حصل عليها الحزب في عام 2014 من بنك مرتبط بموسكو بقيمة ملايين اليوروهات.

وقال عضو بارز في “التجمع الوطني”، طلب عدم كشف اسمه للمجلة، للتحدث بحرية عن التطورات الداخلية في الحزب: “لن يكون الخط في السياسة الخارجية واحداً إذا كان المرشح هو جوردان بارديلا أو مارين لوبان. مارين تنتمي بالكامل إلى التقاليد الديجولية، في حين أن جوردان أقرب إلى نهج ديجولي-أطلسي”.

إعادة تقديم بارديلا

وبالنسبة لـ”التجمع الوطني”، شكّل تخفيف لهجة الخطاب المتعاطف مع الكرملين، ركناً أساسياً في استراتيجيته للاندماج في التيار السياسي العام في فرنسا.

وكان الهدف استقطاب شريحة أوسع من الناخبين وتعزيز مصداقية الحزب. ومن هذا المنطلق، حرص “التجمع الوطني” في عام 2023 على إظهار التزامه بسداد القرض المثير للجدل الذي حصل عليه من جهة مالية مرتبطة بروسيا.

وسرّعت الحرب الروسية الأوكرانية، التحول الظاهر في موقف الحزب. وقال بارديلا لهيئة الإذاعة البريطانية BBC، الشهر الماضي: “أدنتُ، وأدان التجمع الوطني، من دون أدنى لبس، العدوان الروسي على أوكرانيا”.

إلا أن موقف الحزب العام لا يزال “غامضاً” في أفضل الأحوال، ولا سيما في ما يتعلق باستعداده لمواجهة موسكو. ففي العام الماضي، امتنع نواب الحزب في البرلمان الأوروبي عن التصويت على قرارات تتعلق بروسيا وأوكرانيا، كما امتنع نوابه في باريس عن التصويت في الجمعية الوطنية (البرلمان) على قرار رمزي بشأن الدعم العسكري والسياسي لكييف.

كما أن دعم بارديلا لأوكرانيا “له حدود واضحة”. فقد عارض إرسال صواريخ بعيدة المدى إلى كييف، كما عارض نشر قوات فرنسية في أوكرانيا بعد الحرب، ما لم يكن ذلك بموجب تفويض من الأمم المتحدة.

وقال أوليفييه شميت، رئيس قسم الأبحاث في معهد العمليات العسكرية بالكلية الملكية الدنماركية للدفاع: “منذ عام 2022، خفّضت مارين لوبان وجوردان بارديلا بشكل ملحوظ خطابهما السابق المؤيد لروسيا. لقد أصبح ذلك غير مسموع”.

تحول تكتيكي

وأضاف: “ربما يكون جوردان بارديلا هو من ذهب أبعد ما يكون في هذا التحوّل، إذ لا تحيط به الدائرة المؤيدة لروسيا نفسها التي تحيط بمارين لوبان”.

وتابع: “هذا التحول تكتيكي بالتأكيد، نظراً لأن الغالبية العظمى من الفرنسيين تدعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، لكن استدامته تبقى موضع شك”.

ويُعد بارديلا، العضو في البرلمان الأوروبي الذي انتُخب رئيساً للحزب في عام 2021، الواجهة الأبرز لهذا التغيير. ففي مقابلة مع صحيفة “لوبينيون” الفرنسية في عام 2023، تحدث عن “سذاجة جماعية” في التعامل مع نوايا بوتين.

وفي ديسمبر 2025، صادق نواب “التجمع الوطني”، على زيادة في الإنفاق الدفاعي الفرنسي، قدّمتها الحكومة جزئياً باعتبارها استعداداً لاحتمال اندلاع حرب بين الناتو وروسيا.

وقال تيونيه، وهو أحد أقرب مستشاري بارديلا في شؤون الدفاع: “خلال النقاشات حول قانون البرمجة العسكرية، دعم التجمع الوطني تغيير شكل القوات المسلحة، جزئياً بسبب التهديد الذي تمثله روسيا وفرضية غير مرغوب فيها لمواجهة عالية الشدة معها”، مضيفاً: “ما لا نقبله هو تصوير هذه الصدمة على أنها حتمية، في حين ينبغي أن نعمل على كيفية تجنبها”.

ومع ذلك، وحتى أكثر أجنحة الحزب دعماً لأوكرانيا ترفض، على عكس الرئيس إيمانويل ماكرون، اعتبار موسكو “تهديداً وجودياً” لفرنسا.

واعتبر تيونيه أن الموقف المتشدد والمؤيد لروسيا يبقى معزولاً داخل الحزب، قائلاً: “في هذه المسألة تحديداً (روسيا)، لدى تييري مارياني رأي شخصي لا يمثل الحزب بأكمله”.

وكان مارياني قد زار شبه جزيرة القرم بعد ضمها من قبل روسيا، وصرّح عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، بأن البلدين “تسببا” في اندلاع الحرب. ولا يزال حتى اليوم يظهر في وسائل إعلام روسية، ملمحاً أخيراً إلى أن كلاً من ماكرون والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لديهما مصلحة في استمرار الحرب.

وشدد النائب تيونيه، على أن “موقف الحزب يتحدى فكرة أن روسيا تمثل تهديداً وجودياً لفرنسا”.

عادات قديمة يصعب التخلي عنها

وعلى الرغم من محاولات بارديلا تجديد صورة الحزب، لا يزال الأعضاء القدامى مؤثرين داخل “التجمع الوطني”، ولم يتم تهميش الشخصيات الأكثر قرباً من روسيا.

وجرى تعيين باتريس هوبرت، الذي كان حلقة الوصل الأساسية للحزب مع موسكو في العقد الماضي حين كان يُعرف بـ”الجبهة الوطنية”، مديراً عاماً للحزب في الخريف الماضي.

كما تم اختيار مارياني، رغم خطابه المؤيد للكرملين، مرشحاً للحزب لمنصب عمدة باريس، وهو واضح تماماً في موقفه الاستراتيجي. وقال لـ”بوليتيكو”: “الموقف التاريخي للتجمع الوطني لا يزال يقوم على عدم الانحياز إلى الناتو وأوروبا، ورفض فكرة الجيش الأوروبي”.

ووفقاً لتقرير نشرته مجلة “لوبوان” وأكدته “بوليتيكو”، عبّر فيليب أوليفييه، أحد أبرز مستشاري لوبان، في جلسات مغلقة عن انزعاجه من الخط الذي يتبناه تيونيه. ووصف عضو رفيع آخر في الحزب مقرباً من القيادة تيونيه بأنه “مؤيد للتحالف عبر الأطلسي”، وهي صفة تُعد إهانة داخل حزب طالما اتسم بعدائه الشديد للولايات المتحدة.

وقال شميت، من الكلية الملكية الدنماركية للدفاع: “شبكات التجمع الوطني المؤيدة لروسيا تشكلت منذ زمن طويل، ومن المرجح أن تكون مستدامة”.

أما في ما يتعلق بالناتو، فلا يزال موقف الحزب مرناً. فبينما يبقى الانسحاب من القيادة العسكرية المتكاملة مطروحاً، تعهد تيونيه بأن فرنسا، في ظل قيادة حزبه، لن تنسحب بشكل مفاجئ من التحالف.

وقال: “لن يكون الانسحاب من القيادة المتكاملة للناتو فوضوياً، ولن يكون هناك تشكيك في التزام فرنسا تجاه حلفائنا أو بالمادة الخامسة”، في إشارة إلى وجود قوات فرنسية في دول الخط الأمامي مثل إستونيا ورومانيا.

تحذير من “استفزاز” روسيا

وخلال الأشهر الأخيرة، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، سعى الحزب اليميني المتطرف، إلى تقديم نفسه بوصفه “داعياً إلى السلام”، محذراً في الوقت ذاته من استفزاز روسيا.

وفي ما يتعلق بنشر قوات فرنسية في أوكرانيا بعد الحرب، شدد رينو لاباي، الأمين العام للحزب في الجمعية الوطنية، على أن “مارين لوبان قالت بالفعل إن المشاركة لن تكون مقبولة إلا في إطار تفويض لحفظ السلام من الأمم المتحدة”.

وأضاف: “إذا كان ذلك تحت مظلة الناتو، فلا يمكننا التفكير فيه. سيكون الأمر أشبه بالتلويح براية حمراء أمام روسيا، وهو أحد العوامل التي أدت إلى اندلاع النزاع”.

وخلال العام الماضي، اتهم نواب “التجمع الوطني” ماكرون بشكل متكرر بالترويج للحرب، وباستخدام الحرب في أوكرانيا للتغطية على مشكلات داخلية.

وفي ديسمبر 2025، وعلى خلاف معظم النواب الآخرين، بالكاد ذكرت لوبان روسيا في خطاب حول الإنفاق العسكري الفرنسي والسياق الدولي، موجهة بدلاً من ذلك انتقادات حادة إلى المفوضية الأوروبية، متهمة إياها بالسعي إلى تعزيز سلطتها على السياسات الدفاعية الوطنية.

وقال مسؤول دفاعي فرنسي ثانٍ: “من خلال هذا الخطاب، رأينا أن العدو الرئيسي لمارين لوبان هو أوروبا، وليس روسيا”.

شاركها.