من المقرر أن تنتهي معاهدة نيو ستارت للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا في 5 فبراير المقبل، وهي آخر اتفاق ثنائي متبقٍ من حقبة الحرب الباردة يفرض قيوداً على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم.

وكانت المفاوضات بين البيت الأبيض والكرملين قد استمرت خلال السنوات الماضية، وجُدّدت المعاهدة في الأسبوع الأول من إعادة انتخاب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عام 2021، غير أن المحادثات مع إدارة خلفه، الرئيس دونالد ترمب، لم تُفضِ إلى نتائج.

ووقع الرئيسان الأميركي جورج بوش الأب والسوفييتي ميخائيل جورباتشوف معاهدة “ستارت” الأصلية (START I) في 31 يوليو 1991، بعد مفاوضات امتدت طوال ثمانينيات القرن الماضي، ضمن جهود أوسع للحد من التسلح خلال الحرب الباردة.

وفي مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي، جرى تجديدها في العاصمة التشيكية براج عام 2010 من قبل الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف، وسط احتفاء واسع.

تفاصيل المعاهدة

وتنص المعاهدة على تحديد سقف لا يتجاوز 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً لكل طرف، إضافة إلى 700 صاروخ وقاذفة قنابل منشورة.

كما تسمح بعمليات تفتيش ميدانية متبادلة وتبادل البيانات للتحقق من الالتزام، وهي إجراءات يقول خبراء ضبط التسلح إنها “ضرورية للحفاظ على الشفافية وتقليص مخاطر سوء التقدير”.

وتتضمن المعاهدة نصاً رئيسياً تتبعه 16 مادة بروتوكولية مع التعريفات وإجراءات التحقق والبيانات المتفق عليها، فضلاً عن المرفقات الفنية للبروتوكول.

وكان بايدن قد مدّد العمل بالمعاهدة لمدة خمس سنوات، وهو من الداعمين منذ فترة طويلة لإحياء منظومة ضبط التسلح. ويُذكر أنه عارض قرار الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش الانسحاب من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية (ABM) عام 2002، وفق منظمة The American Security Project.

غير أن تمديد “نيو ستارت”، الذي أُقرّ في عهد بايدن والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقترب الآن من نهايته، في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وموسكو على خلفية الحرب في أوكرانيا، والاستعراضات النووية، وتنامي انعدام الثقة.

ماذا يعني انتهاء المعاهدة؟

قال داريل كيمبال، المدير التنفيذي لجمعية الحد من التسلح، في بيان صدر، 25 يناير: “من دون بديل أو تمديد، وللمرة الأولى منذ عام 1972، لن تكون هناك أي قيود على الترسانتين النوويتين الأميركية والروسية”، في إشارة إلى بداية اتفاقات ضبط التسلح التي وُقّعت عام 1977.

وتعثرت الجهود الرامية إلى إطلاق مفاوضات حول اتفاق بديل. فقد علّق الكرملين مشاركته في المعاهدة، من دون إلغائها، في ديسمبر 2022 بعد الهجوم على أوكرانيا، ما أبقى الباب موارباً أمام إمكانية إحيائها.

وأبدت إدارة ترمب مواقف متقلبة حيال استئناف المحادثات. وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية في ديسمبر أنها لا تزال منفتحة على “مناقشات من دون شروط مسبقة”، إلا أن موسكو أشارت إلى أن أي محادثات لا يمكن أن تمضي قدماً في ظل ما تعتبره حرباً بالوكالة مع حلف شمال الأطلسي “ناتو”.

وكان الكرملين قد سارع إلى اغتنام فرصة تجديد معاهدة “ستارت” عام 2021، واقترح فوراً إحياء معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF)، التي انسحبت منها الولايات المتحدة بشكل أحادي عام 2019 خلال ولاية ترمب الأولى.

ووفق تقارير، كان إحياء اتفاقات الصواريخ من حقبة الحرب الباردة أحد الملفات التي ناقشها بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا في 15 أغسطس، كما أوضحت موسكو أنها ترغب في العودة إلى ترتيبات الأمن التي سادت خلال الحرب الباردة. لكن مع استمرار المواجهة بين الشرق والغرب، يزداد تصلب مواقف الطرفين.

ونتيجة لذلك، قام الخبراء بتحريك عقرب “ساعة يوم القيامة” خطوة أقرب إلى منتصف الليل، في ظل ما يرونه اقتراباً تدريجياً من كارثة كبرى.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف، في وقت سابق هذا الشهر، إن “الحوار البنّاء يكاد يكون مستحيلاً طالما تواصل الولايات المتحدة سياساتها التصادمية”.

تعليق التفتيش

وكانت عمليات التفتيش بموجب المعاهدة قد عُلّقت في عام 2020 بسبب جائحة فيروس كورونا، ولم تُستأنف منذ ذلك الحين. كما علّقت روسيا رسمياً مشاركتها في المعاهدة على خلفية الدعم الغربي لأوكرانيا، متهمة واشنطن باستخدامها لتحقيق “مكاسب أحادية”. في المقابل، تتهم الولايات المتحدة موسكو بانتهاك بنود الاتفاق عبر رفض السماح بعمليات التفتيش.

وتُعد معاهدة “نيو ستارت” آخر اتفاق باقٍ من سلسلة معاهدات ضبط التسلح التي شكّلت سابقاً أساس العلاقات الأميركية–السوفييتية، ثم الأميركية–الروسية. وقد انهارت اتفاقات سابقة، من بينها معاهدتا الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF) والصواريخ المضادة للباليستية (ABM)، خلال السنوات الأخيرة، وسط اتهامات متبادلة بعدم الامتثال وتباعد استراتيجي.

وأبدى مسؤولو إدارة بايدن رغبة علنية في إحياء هذه الاتفاقات، محذرين من أن غياب القيود قد يشعل سباق تسلح جديد.

وقالت بوني جينكينز، وكيلة وزارة الخارجية الأميركية لشؤون ضبط التسلح والأمن الدولي، في خطاب ألقته في جنيف في نوفمبر: “حتى في ذروة الحرب الباردة، أدركت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أهمية فرض قيود على الأسلحة النووية”.

من جهتها، تؤكد روسيا استعدادها للتوصل إلى اتفاق، لكنها تشترط إشراك قوى نووية أخرى مثل الصين والمملكة المتحدة. أما الولايات المتحدة، فترى أنه رغم الحاجة إلى انخراط متعدد الأطراف على المدى البعيد، فإن القيود يجب أن تبقى ثنائية بين واشنطن وموسكو فقط.

ولا تقتصر التداعيات على العلاقة الثنائية بين موسكو وواشنطن. فالصين توسع وتحدث قواتها النووية بالفعل. وإزالة أي قيود على ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا تُضعف الحجة الداعية إلى ضبط النفس لدى الآخرين، وتعزز الانطباع بأن القوى الكبرى تعود إلى منافسة مفتوحة بلا سقف. وستتابع الدول النووية الأخرى ذلك عن قرب، وفق معهد شاتهام للداراسات.

شاركها.