أظهرت دراسة حديثة أن الوخز بالإبر يمثل علاجاً فعالاً لتخفيف الصداع النصفي، ويحقق تحسناً ملحوظاً في حياة المرضى ووظائفهم اليومية.

وشملت الدراسة التي أجريت في مستشفى بكين للطب الصيني التقليدي 120 مشاركاً تتراوح أعمارهم بين 18 و65 عاماً، قسمهم الباحثون عشوائياً لتلقي جلسات إبر حقيقية أو وهمية على مدار 4 أسابيع، مع متابعة دقيقة لتكرار وشدة نوبات الصداع والاستخدام اليومي للأدوية ومسح الدماغ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.

وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين تلقوا الإبر الحقيقية شهدوا انخفاضاً أكبر في عدد أيام الصداع الشهري مقارنة بالمجموعة التي تلقت الإبر الوهمية، كما تحسنت لديهم درجات الألم ووظائف الحياة اليومية وقل اعتمادهم على الأدوية، ما يشير إلى أثر ملموس للعلاج بالإبر في التخفيف من وطأة الصداع النصفي. 

كيف يتم العلاج بالإبر؟

يتم العلاج بالوخز بالأبر عن طريق إدخال إبر رفيعة جداً في نقاط محددة بالجسم تسمى نقاط الوخز، والتي يعتقد أنها مرتبطة بتدفق الطاقة أو الدم في الجسم وفق الطب الصيني التقليدي. 

وأثناء الجلسة، يجلس أو يستلقي المريض في وضع مريح، ويحدد الطبيب النقاط المناسبة بناء على طبيعة الألم أو الحالة الصحية، ثم يدخل الإبر برفق وأحياناً يحركها تحريكاً خفيفاً أو يضغط عليها برفق لإحداث إحساس يسمى “دي تشي”، وهو شعور بالوخز أو الانسداد الخفيف والطاقة التي تتحرك في الجسم.

وتستمر كل جلسة عادة نحو 30 دقيقة، وربما يستمر العلاج عدة جلسات أسبوعية حسب شدة الحالة واستجابة المريض.

وقال الباحثون إن الهدف من الوخز هو تحفيز الأعصاب والعضلات ونقاط محددة في الجسم لتخفيف الألم، وتحسين الدورة الدموية، وتنشيط آليات الجسم الطبيعية للشفاء. 

وأظهرت النتائج أن تحسن الألم كان مرتبطاً بأنماط معينة من الاتصال العصبي في الدماغ، إذ يؤدي الاتصال بين مناطق الشبكة الافتراضية والمخيخ إلى التنبؤ بمدى تخفيف الألم، بينما يرتبط الاتصال بين المخيخ والمناطق الحركية بتحسين الوظائف اليومية وتقليل العجز المرتبط بالصداع.

واستخدم الباحثون طريقة تحليل متقدمة تعتمد على بيانات الدماغ بالكامل بدلاً من التركيز على منطقة واحدة فقط. 

نموذج إحصائي

يتكون الدماغ من آلاف المناطق المتصلة ببعضها عبر شبكة معقدة من الاتصالات العصبية، وهذه الاتصالات يمكن أن تتغير عند الإصابة بالألم أو عند تلقي علاج مثل الوخز بالإبر، لذا استخدم الباحثون أسلوب النمذجة التنبؤية المعروف اختصاراً بـ CPM والذي يجمع أولاً بيانات النشاط العصبي لكل مناطق الدماغ أثناء الراحة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، ثم يحلل كيف ترتبط كل منطقة بالأخرى، أي مدى قوة الاتصال بينها وبين بقية الشبكات العصبية.

بعد ذلك، استخدم الباحثون هذه البيانات لبناء نموذج إحصائي قادر على التنبؤ بكيفية استجابة كل مريض للعلاج، مثل تقليل الألم أو تحسين الوظائف اليومية، فعوضاً عن أن يكون التشخيص أو العلاج قائماً على المتوسطات أو التجارب السابقة فقط، يسمح هذا الأسلوب بتحديد أي الاتصالات العصبية أو الشبكات داخل الدماغ لها دور أكبر في تخفيف الصداع لدى كل فرد، وبالتالي يمكن التنبؤ مسبقاً بمن سيستفيد أكثر من جلسات الوخز بالإبر. 

ويمثل هذا الأسلوب خطوة كبيرة نحو ما يسمى “الطب الشخصي العصبي”، إذ لا يعالج المرضى جميعاً بالطريقة نفسها، بل تصمم خطة العلاج على أساس التركيب العصبي الفردي لكل دماغ، ما يزيد من فعالية العلاج ويقلل الاعتماد على الأدوية التقليدية ذات التأثيرات الجانبية.

وأوضح الباحثون أن قدرة الوخز بالإبر على تعديل الشبكات العصبية المرتبطة بالألم والوظائف الحركية تفسر فعالية هذا العلاج التقليدي في تقليل تكرار الصداع الشديد وتحسين نوعية الحياة للمرضى الذين يعانون من الصداع النصفي دون هالة؛ وهو نوع شائع من الصداع النصفي يتميز بنوبات متكررة من الألم المعتدل إلى الشديد عادة في جانب واحد من الرأس، ويستمر لعدة ساعات أو أيام، لكنه يختلف عن الصداع النصفي مع الهالة بعدم وجود العلامات التحذيرية العصبية التي تسبق الهجمة والتي قد تشمل اضطرابات بصرية مثل رؤية ومضات ضوئية أو خطوط متعرجة، أو أعراض حسية مثل تنميل اليدين أو الوجه، أو صعوبات في الكلام. 

صداع دون هالة

وفي حالة الصداع النصفي دون هالة، يبدأ الألم فجأة غالبا مع شعور نابض أو خفقان في الرأس، ويصاحبه أحياناً غثيان وحساسية للضوء أو الصوت، لكنه يفتقر إلى هذه الأعراض التحذيرية العصبية.

ويعتبر هذا النوع أكثر شيوعاً بين المصابين بالصداع النصفي، ويشكل تحدياً للعلاج لأنه يظهر دون مؤشرات مسبقة تتيح للمريض أو الطبيب التنبؤ بالهجمة قبل حدوثها.

وسجلت الدراسة معدلات منخفضة للأعراض الجانبية، وكانت جميعها طفيفة ومحدودة، مثل كدمات تحت الجلد أو شعور مؤقت بالألم أو التنميل عند موقع الإبرة، دون أي حالات خطيرة.

وأكد المشاركون رضاهم عن جلسات العلاج بالإبر، ما يعكس قبولاً واسعاً للعلاج التقليدي كخيار فعال وآمن مقارنة بالأدوية التقليدية التي قد لا تحقق استجابة كافية لدى نحو ثلث المرضى.

وتقدم الدراسة دليلاً قوياً على أن الوخز بالإبر ليس مجرد علاج تقليدي بل يمكن أن يوظف بطريقة دقيقة ومبنية على بيانات الدماغ للتنبؤ بنتائج العلاج لكل مريض، ما يفتح آفاقاً جديدة لعلاج الصداع النصفي وتقديم استراتيجيات علاجية شخصية قائمة على أنماط الاتصال العصبي الفردية، الأمر الذي قد يغير مستقبل علاج الصداع المزمن ويعزز الاعتماد على علاجات أقل أضراراً وأكثر فعالية.

شاركها.