في أزقة مدينة الحسكة وأريافها، لم يكن ليل 30 من كانون الثاني 2026 كغيره، فخلف الشاشات والهواتف المحمولة، ترقّب الأهالي تفاصيل “الاتفاق الشامل” الذي أُعلن رسميًا بين الحكومة السورية في دمشق و“قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
الاتفاق، الذي يأتي تتويجًا لمسار بدأ في آذار 2025، يحمل وعودًا بإنهاء حالة التوتر العسكري المتواصل، لكنه يضع المحافظة أمام اختبار حقيقي لمصيرها السياسي والعسكري.
ورصدت انقسامًا حادًا في آراء الشارع المحلي، بين ترحيب بالاعتراف بالحقوق القومية للمكون الكردي، وحذر من تعقيدات الدمج العسكري، ومخاوف من أن يكون هذا التفاهم مجرد “استراحة محارب” تسبق صدامًا أوسع.
ترحيب بحقوق “المواطنة”
بالنسبة لكثير من العائلات الكردية في الحسكة، شكّل البند المتعلق بالحقوق المدنية واللغوية محور الاهتمام الأبرز.
المرسوم الذي سبق الاتفاق، ونصّ على اعتبار اللغة الكردية لغة رسمية في المنطقة، واعتماد عيد “النوروز” عطلة وطنية، ومنح الجنسية للمحرومين منها (المكتومين)، وُصف بأنه “تاريخي”.
“أبو آزاد”، وهو معلم متقاعد من الحسكة، قال ل، “لطالما انتظرنا هذه اللحظة. الاعتراف بهويتنا ضمن إطار الدولة السورية الموحدة هو انتصار للمنطق. ما نلمسه اليوم من سياسة دمشق يجعلنا نشعر أن الدولة عادت لتكون حاضنة لا سجانة”.
وأضاف أن غياب التجنيد الإجباري في مناطق سيطرة الحكومة المركزية شكّل عامل جذب قويًا للأهالي، الذين سئموا من رؤية أبنائهم يُساقون إلى الجبهات، فـ“اليوم، الشاب في دمشق أو حمص يمارس حياته دون خوف من الخدمة الإلزامية، وهذا ما نتمناه هنا في الحسكة أيضًا”.
هواجس “الدمج الفردي”
على الصعيد السياسي، يسود الحذر أوساط المثقفين والناشطين حيال آلية “الدمج العسكري”.
وينص الاتفاق على دمج مقاتلي “قسد” ضمن ثلاثة ألوية عسكرية تتبع لفرقة في الحسكة، بإمرة وزارة الدفاع، مع انتشار قوى الأمن الداخلي في مراكز المدن.
تقول “لينا”، وهي ناشطة حقوقية من ريف الحسكة الشمالي، ل، “نخشى من شيطان التفاصيل. هل سيكون الدمج حقيقيًا أم مجرد تغيير في الألوان والشعارات؟”.
مخاوف من الانهيار
بين الرغبة في الاستقرار والخشية من تكرار الصدام، لا تزال مشاهد المواجهات المسلحة حاضرة في أذهان السكان.
وتخشى شريحة واسعة من انهيار الاتفاق فجأة نتيجة خلافات سياسية أو ميدانية.
صاحب محل في سوق الحسكة، قال ل، “اتفقوا اليوم وقد يختلفون غدًا. المشكلة أننا نحن من ندفع الثمن. إذا انهار الاتفاق، ستعود الحرب إلى أبواب بيوتنا. نحن بحاجة إلى ضمانات فعلية، لا إلى بيانات صحفية فقط”.
وتتزايد هذه المخاوف في ظل وجود أطراف داخلية وإقليمية قد لا يخدمها هذا التقارب، ما يجعل موعد تنفيذ بند تسليم المؤسسات الخدمية والمدنية، المقرر في 2 من شباط، اختبارًا حاسمًا لصدق النوايا.
انتظار “الأفعال” لا “الأقوال”
تطوي الحسكة صفحة كانون الثاني 2026 وهي تراقب الحواجز: هل ستتغير الوجوه؟ وهل ستتوقف ملاحقات التجنيد الإجباري؟
يعيش الأهالي حالة من “الترحيب المشروط”، يرحبون بعودة الدولة، لكنهم يحذرون من استمرار القبضة العسكرية المحلية، ويخشون انهيارًا يعيد المنطقة إلى المربع الأول.
ويبقى سكان الجزيرة السورية الحكم النهائي، فإذا لم يلمسوا تحسنًا في مستوى المعيشة، وأمنهم الشخصي، وحرية تنقلهم دون قيود عسكرية، سيظل “اتفاق 30 من كانون الثاني” في نظر الشارع مجرد مناورة سياسية، بانتظار ما ستكشفه الأيام من تطبيق فعلي على الأرض.
وكان اتفاق وقف إطلاق النار الشامل بين الحكومة السورية و“قوات سوريا الديمقراطية” دخل حيز التنفيذ الجمعة، 30 من كانون الثاني، ممهّدًا الطريق لعملية دمج تدريجية في القطاعين العسكري والإداري.
وبحسب بيان مشترك، ينص الاتفاق على سحب القوات العسكرية من نقاط التماس، وتولي قوى الأمن الداخلي (وزارة الداخلية) مسؤولية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، في خطوة تهدف إلى تعزيز الاستقرار.
وعلى الصعيد العسكري، تقرر تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد”، إضافة إلى لواء خاص بـ“قوات كوباني” يتبع لفرقة عسكرية في محافظة حلب.
أما إداريًا، فيقضي الاتفاق بدمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن هيكلية الدولة، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وتأمين عودة النازحين، في إطار مسعى لإعادة فرض القانون واستعادة وحدة الأراضي السورية.
Related
المصدر: عنب بلدي
