تحت وطأة صقيع الشتاء، تعيش قرى وبلدات ريف دير الزور المحررة جديدًا أزمة ومعيشية خانقة، فجرتها سلسلة قرارات تنظيمية استهدفت “الحراقات البدائية”، ورفعت الدعم عن المولدات الكهربائية.
وبينما ترفع الجهات الرسمية شعار “التنظيم والبيئة”، يرى الأهالي أنهم يدفعون ثمن قرارات “جافة” لم تراع توقيت البرد أو غياب البدائل.
لهيب الأسعار في ذروة الصقيع
لم يكد قرار إغلاق الحراقات البدائية يدخل حيز التنفيذ، حتى اشتعلت أسعار المحروقات في الأسواق المحلية.
عبد القادر الكردوش، أحد أبناء ريف دير الزور الشرقي، قال ل لسنا ضد الشعار الذي يهدف إلى التنظيم، لكننا ضد الموت بردًا.
وشرح أن ليتر المازوت قفز فجأة بمعدل 2500 ليرة، فأصبح سعر الليتر 7000 ليرة، بعدما كان أقل من 4500 ليرة، وأيضًا ليتر البنزين ارتفع حوالي 4000 ليرة، فأصبح الليتر بـ 9500، بعدما كان بـ 5500، وصار الحصول عليه يحتاج رحلة بحث شاقة.
الحراقات كانت توفر مادة رخيصة تناسب دخل المواط، أما اليوم نحن أمام خيارين إما الجوع لتأمين الدفء، أو التجمد بانتظار وعود لم تتحقق.
هذا الارتفاع لم يتوقف عند وقود التدفئة، بل شلّ حركة النقل وزاد من تكاليف نقل البضائع، ما أدى إلى ارتفاع في أسعار المواد الغذائية الأساسية، ليجد المواطن نفسه محاصرًا في مثلث “الغلاء، البرد، والبطالة”.
“الأمبيرات”.. عتمة تلاحق الغلاء
الأزمة لم تقتصر على المحروقات، بل امتدت لتطفئ ما تبقى من مصادر للكهرباء في منازل الأهالي.
فمع رفع الدعم عن المازوت المخصص للمولدات الكهربائية (الأمبيرات)، توقف العديد من أصحاب المولدات عن العمل، بينما لجأ آخرون لرفع كلفة الاشتراك لمستويات تفوق القدرة الشرائية للعائلات، بحسب عبد الله العلي، صاحب مولدة في مدينة هجين شرقي دير الزور .
وقال عمران الصالح، أحد أبناء الريف الشرقي، إن قرى بأكملها غرقت في ظلام دامس ما أثر ليس فقط على الإنارة، بل على تشغيل الآبار الارتوازية والمخابز، مما ينذر بكارثة صحية واجتماعية، خاصة في المناطق التي تفتقر للبنية التحتية الكهربائية الرسمية.
وعود رسمية في مهب الانتظار
في المقابل، تؤكد الجهات الحكومية أن هذه الخطوات ضرورية لإنهاء الحالة العشوائية وحماية البيئة من الانبعاثات السامة الناتجة عن التكرير البدائي.
وفي حديث إلى، أكد مدير الشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، أن التوجه الحالي يهدف لضبط الموارد.
وأشار قبلاوي إلى أن الحكومة ستعمل على توفير جميع المشتقات النفطية وبأسعار مدعومة، وستكثف جهودها لدعم المنطقة خدميًا وتنمويًا، بعد بسط سيطرتها الكاملة على المناطق التي كانت خاضعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، لضمان وصول الدعم لمستحقيه بعيدًا عن الاستغلال والتهريب.
غياب البديل
رغم هذه الوعود، يبقى الواقع الميداني صادمًا، فالمناطق التي أُغلقت فيها الحراقات لم تشهد افتتاح محطات وقود رسمية كافية لتغطية العجز ،كما أن آلية نقل المعدات إلى حقل “العمر” النفطي كمركز تجميع لم تسهم حتى الآن في ضخ المادة للأسواق بأسعار تنافسية.
كما فقدت مئات العائلات مصدر رزقها الوحيد المرتبط بمهنة التكرير والبيع على “البسطات”، مما زاد من معدلات الفقر المتقع في منطقة تعاني أصلًا من تداعيات سنوات الحرب.
يرى أبناء المنطقة ممن التقتهم أن “صوابية القرار” في الجانب البيئي اصطدمت بـ “خطأ التوقيت”، حيث كان من المفترض تأمين مخزون استراتيجي من وقود التدفئة وتثبيت أسعار الأمبيرات قبل البدء بتجفيف منابع التزويد التقليدية.
بدء استخراج ونقل النفط
وقد أعلنت الشركة السورية للبترول بدء استخراج ونقل النفط من حقول شمال شرقي سوريا إلى المصافي في مناطق سيطرة الحكومة السورية.
وتوقعت شركة البترول الوصول إلى مستوى إنتاج جيد خلال ثلاثة إلى أربعة أشهر، بحسب ما ذكرته في صفحتها عبر “فيسبوك“، في 24 من كانون الثاني.
تأتي الخطوة بعد سيطرة الحكومة السورية على حقول النفط والغاز في محافظتي دير الزور والرقة، بما في ذلك حقل “العمر” النفطي (أكبر حقل في سوريا)، عقب انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من هذه المناطق بموجب اتفاق مع الحكومة السورية.
هل تؤسس استعادة حقول النفط لاكتفاء سوريا بمواردها؟
المصدر: عنب بلدي