أيمن شكل تصوير: سهيل وزير
أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة د. محمود محيي الدين أن البحرين باتت تتجاوز الأسواق الناشئة، وتقترب من معايير الاقتصادات المتقدمة، في قضايا التحول الرقمي بالتوازي مع التحول الأخضر بما يسهم في تعزيز مكانتها في سلاسل الإمداد العالمية.
ونوه في حوار مع «الوطن» على هامش فعاليات النسخة الرابعة من منتدى الشرق الأوسط للاستدامة، بالتطور التشريعي في المملكة وعدم الحاجة إلى قوانين خاصة بالاستدامة، مع تعديلات للوائح التنفيذ ومحفزات سلوكية للقطاعين الإنتاجي والاستهلاكي.
ولفت د. محيي الدين إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي، تمتلك أقل تكلفة للطاقة الشمسية عالمياً ما يمكنها من توطين الصناعات والابتكار في هذا المجال خاصة مع وفرة تمويل تلك المشروعات، موضحاً أن التزام الدول باتفاقيات المناخ هو التزام أمام شعوبها بغض النظر عن انسحاب أمريكا منها، مشدداً على المصلحة الوطنية في هذا الالتزام. وفيما يلي نص الحوار:
كيف ترى موقع البحرين في التنافسية العالمية بشأن الطاقة المتجددة وما حققته من تقدم في توطين الرقمنة والذكاء الاصطناعي؟
في العامين الماضيين شهدت معدلات النمو الاقتصادي بدول مجلس التعاون الخليجي والبحرين مستوى أعلى من معدل النمو الاقتصادي العالمي، حيث يتراوح الأخير ما بين 2.5% إلى 3%، بينما وصلت معدلات النمو في منطقة الخليج العربي أرقاماً تتجاوز 5%.
وهناك اهتمام بأن يكون النمو معتمداً على قطاعات غير نفطية، أو من الغاز الطبيعي، وهو ما يمثل فرصة للاستثمار المشترك مع البلدان التي تمتلك التكنولوجيا والطاقات التصنيعية مع البحرين ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث تمثل تلك نقطة تفاوض فضلاً عن إمكانات التمويل الذاتي والمشاركة من خلال الصناديق الوطنية للاستثمار، ومن خلال الصناديق السيادية بشكل أفضل من دول أخرى.
ما هي التشريعات الضرورية في الوقت الراهن لكي تكون متوافقة مع خطط التنمية المستدامة وما رأيك في تشريعات البحرين في هذا الصدد؟
تطرقت في كلمتي خلال المنتدى عن الممكنات الثلاثة للاستدامة، ومنها التمويل والتكنولوجيا، وهي ممكّنات لا تحتاج لتشريعات للتمويل، وفي حالة البحرين باعتبارها واحدة من المراكز المالية المتطورة قد لا تحتاج إلى تكنولوجيا حيث تم بالفعل تطوير في الإطار التشريعي، وما تحتاجه فقط هو المتابعة في عمليات التطبيق والممارسة، وبالنسبة للممكن الثالث وهو التغيير في السلوك، فإن البحرين تحتاج إلى محفزات للقطاع الإنتاجي والقطاع الاستهلاكي بأن يكون لدى هذين القطاعين الاستعداد للاستدامة.
ورأينا في جلسات المنتدى، أن المتحدثين تطرقوا إلى تدوير المخلفات، والتي تحولت من عبء إلى أحد مصادر الاستثمار ذات العائد، وأود أن ألفت النظر إلى أهمية التحفيز من خلال مجالات العمل التعليمي والثقافة العامة بشأن الاعتبارات الخاصة بالبيئة والمناخ، وبالتالي فإن التشريعات قد لا تحتاج إلا لتعديلات بسيطة للوائح التنفيذية، وليس قوانين جديدة.
كيف تنظر لإسهامات البحرين في القطاعات الخضراء والاستدامة؟
هناك الكثير من المزايا المبكرة في البحرين بالاهتمام بالاستثمار في الخدمات، وفي البشر بالاهتمام بموضوع التعليم، وكان لدى المملكة اهتمام مبكر بتنويع مصادر الناتج المحلي وميزان المدفوعات، ولقد تحدث الوزراء في المنتدى عن التحول الرقمي بالتوازي مع التحول الأخضر من أجل البيئة والاعتبارات البيئية في البنية الأساسية والمعايير الخاصة بالبناء، والتوازن أيضاً بين البر والبحر، وتجاوزت البحرين اليوم الأسواق الناشئة، وتقترب من معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وأن تظل المملكة جزءاً إيجابياً في منظومة سلاسل الإمداد من خلال هذين التحولين الرقمي والأخضر.
ذكرت سابقاً أن منطقة الشرق الأوسط تمتلك أقل تكلفة لإنتاج الطاقة الشمسية عالمياً، كيف يمكن لدول الخليج العربي تحويل هذه الميزة التنافسية من مجرد «تصدير للطاقة» إلى «توطين لصناعة الابتكار» التكنولوجي ال بها؟
هناك تميز في التكنولوجيا المستخدمة والتقنيات التي تتيح التعرف على أفضل المعدات التي يمكن أن تتواءم مع الأجواء الخليجية، والتي سمحت اليوم للطاقة الشمسية أن تكون أقل تكلفة؛ مما كانت عليه قبل سنوات، حيث انخفضت قبل سنتين هذه التكلفة بنسبة 90% مما كانت عليه قبل 10 سنوات، إلا أن التطورات الأخيرة تؤكد بأن هذا الرقم تضاعف، وهذا يرجع لعدة أمور، أهمها البحث والتطوير على مستوى الصناعة واستخدام علاقات أقوى بين مراكز البحث العلمي والمجالات التطبيقية في الصناعات.
ولقد شهدنا في دول المنطقة مستهدفات طموحة للاعتماد على الطاقة المتجددة بما يجاوز 50% من الاستهلاك، وهو ما يستدعي استثمارات أكبر وتوطين الصناعة باعتبارها أحد أهم مميزات التنافسية في المنطقة التي تمتلك إمكانيات مالية وطاقات شبابية ضخمة، وهنا فرص للتوسع.
ويظهر ذلك بوضوح في دول مثل الصين التي تمتلك قدرة إنتاج على نطاق واسع للغاية، وهو ما أسهم في انخفاض التكلفة.
الذكاء الاصطناعي بات حديث المنتديات، إلا أنه يمثل تحدياً كبيراً في ملف المناخ والاستدامة خاصة مع استهلاكه لطاقة هائلة وكميات ضخمة من المياه العذبة، ما تعليقكم؟
تمت مناقشة سلبيات الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسات البحثية والمجتمع المدني في دول عدة، ومناقشة الأولويات بالنسبة للدول، حيث تحتاج اليوم إلى تكنولوجيا في هذا العصر الرقمي، وتزدهر الاستثمارات الضخمة في هذا القطاع، سواء منظومة متكاملة من البنية الأساسية ومراكز المعلومات وكابلات الإنترنت والاستثمار في الأمن السيبراني أيضا، وكل هذه الأمور تستهلك كميات من الطاقة، ويتوقع أن تتوسع في المدى القريب، ولا يمكن أن نتفادى الإفراط في استهلاك الموارد سواء الطاقة أو المياه، وبالتالي فهناك علاقة تبادلية بين أن يكون مشروعك ذكياً وأخضر في الوقت ذاته.
ولقد بدأت تظهر جماعات ضغط وقواعد رقابية تحفز الشركات المنتجة لهذه التكنولوجيات بأن تكون أكثر مراعاة للأمور البيئية بأن تجعل التكلفة بأسعار مختلفة بين الاستخدام الفردي والتصنيعي، للحد من الاستخدام المفرط أو السيء، واستخدام تكنولوجيا لا تعتمد على إهدار المياه.
في ظل رهانكم على الهيدروجين الأخضر كوقود للمستقبل، ما هي الآليات التمويلية التي تقترحونها لتقليل «مخاطر الاستثمار» في هذا القطاع الناشئ بالمنطقة؟
يجب بداية التفرقة ما بين الهيدروجين الأخضر الطبيعي والمصنّع، حيث يتواجد الأول في بعض الدول مثل أمريكا وأفريقيا، لكن الهيدروجين الأخضر المصنع ظهر مع جائحة كوفيد واعتبره العالم أنه مستقبل الطاقة، وتم توقيع مذكرات تفاهم بالعشرات في هذا الصدد، ودخلت حكومات ودول من باب الآمال والطموحات في إمكانية أن يصبح أقل تكلفة وأقل استخداماً للمياه، والتي مثلت أحد التحفظات على إنتاجه إلى جانب الاستثمارات في الشبكة الناقلة، والتي قد تتسبب في حدوث تلوث بيئي، لكن نمو الطلب على الطاقة قد يجعله أحد المصادر المهمة في المرحلة المقبلة مع تطوير تقنيات أفضل لإنتاجه.
كيف ترى مذكرات التفاهم التي يتم توقيعها في إطار التعاون لتحقيق معدلات استدامة وخفض للكربون؟
لقد تطرقت إلى هذا الموضوع، ووضعت له مصطلحاً بعنوان «مخاطر مذكرات التفاهم» باعتبارها أحد أنواع الالتزام الأدبي، إلا أنها اليوم تعطي إشارات لمؤسسات التمويل بشكل عام بوجود فرص استثمارية، وتخصيص موارد تمويلية لهذه المشروعات، وبالتالي فإن مذكرات التفاهم تبعث برسائل واضحة لمصادر التمويل بإمكانية الاستثمار في هذه المشروعات.
اليوم نرى انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقيات المناخ، فكيف يمكن أن تلتزم بقية دول العالم بمثل هذه الاتفاقيات؟
الدول التي وقعت على اتفاقية باريس في عام 2015، لم يجبرها أحد على ذلك، وقد حدثت تلك الاتفاقية بعد مفاوضات ونقاشات مستفيضة، وألزمت الدول نفسها أمام العالم وأمام نفسها وشعوبها عن قناعة بأن ذلك يصب في مصلحتها، ونرى اليوم دولاً وضعت تعهدات ضمن إطار زمني للحياد الكربوني مثل البحرين التي تعهدت بذلك في 2060.
ولدينا خلال الأيام القادمة مؤتمر يتطرق لقضايا الحياد والتسرب والتسعير الكربوني؛ لأن الموضوع في غاية الخطورة وعابر للحدود، وسيتم فرض ضرائب على الدول المصدرة للكربون.
