دخلت الحكومة الأميركية في إغلاق جزئي، السبت، في انتظار موافقة مجلس النواب على اتفاق تمويلي توصل إليه الرئيس دونالد ترمب مع الديمقراطيين، عقب غضب واسع أعقب سقوط مواطن أميركي برصاص عناصر من دوريات حرس الحدود في مدينة مينيابوليس.
ورجحت “بلومبرغ” أن يكون انقضاء التمويل “قصير الأمد”، مع عودة مجلس النواب من عطلة استمرت أسبوعاً، الاثنين الماضي، وتقديم الرئيس الجمهوري دعماً كاملاً لحزمة الإنفاق.
وربما لا يلاحظ كثير من الأميركيين الإغلاق من الأساس، إذ يُعد معظم الموظفين الفيدراليين الذين يعملون في عطلات نهاية الأسبوع، مثل العسكريين ومراقبي الحركة الجوية، موظفين أساسيين لا تشملهم الإجازات القسرية خلال فترات الإغلاق.
ويمثل هذا الإغلاق المرة الثانية التي يفشل فيها الكونجرس في إقرار تمويل للحكومة منذ عودة ترمب إلى السلطة العام الماضي.
وكان إغلاق استمر 43 يوماً خلال الخريف الماضي هو الأطول والأكثر اضطراباً في تاريخ البلاد، إذ توقفت المساعدات الغذائية عن ملايين الأسر، وأُلغيت آلاف الرحلات الجوية، وعمل موظفون فيدراليون من دون أجر لأكثر من شهر.
ويأتي الإغلاق الحالي على نطاق أضيق، نظراً لأن بعض أجزاء الحكومة ممولة بالفعل بالكامل حتى نهاية السنة المالية الفيدرالية في 30 سبتمبر المقبل. ويشمل ذلك وزارة الزراعة، ما يعني عدم حدوث أي انقطاع في برامج قسائم الغذاء. كما جرى إقرار تمويل المتنزهات الوطنية، وخدمات شؤون المحاربين القدامى، ووزارة العدل للسنة كاملة.
ومع ذلك، ستخضع الوكالات المتأثرة، ومن بينها وزارات الخزانة والدفاع والأمن الداخلي والنقل والصحة والخدمات الإنسانية، والعمل، للإجراءات الرسمية للإغلاق، وفقاً لمذكرة صادرة عن مكتب الإدارة والموازنة في البيت الأبيض.
وكتب مدير مكتب الإدارة والموازنة، راس فوجت، في مذكرة، الجمعة: “نأمل أن يكون هذا الانقضاء قصيراً”، مضيفاً أن الإدارة ستكون مستعدة لإصدار أمر بإعادة فتح الحكومة فور توقيع ترمب على مشروع قانون التمويل ليصبح نافذاً.
وأضافت لجنة القواعد في مجلس النواب تصويتاً على إجراء الإنفاق إلى جدول أعمال اجتماعها بعد ظهر الاثنين، تمهيداً لإحالته إلى الجلسة العامة للتصويت النهائي.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان مكتب إحصاءات العمل سيؤجل إصدار تقرير الوظائف الشهري، المقرر الجمعة، في حال استمرار الإغلاق الحكومي لفترة وجيزة.
واندلع الخلاف بشأن الإغلاق بعد قتل المواطن الأميركي أليكس بريتي في مواجهة مع ضباط من حرس الحدود في مينيابوليس نهاية الأسبوع الماضي. ورفض الديمقراطيون تجديد تمويل وزارة الأمن الداخلي ما لم تُفرض قيود جديدة على إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة.
ويسعى الديمقراطيون إلى فرض متطلبات تلزم عناصر وزارة الأمن الداخلي باستخدام كاميرات مثبتة على الجسم، والحصول على مذكرات قضائية، إضافة إلى حظر إخفاء هويات العناصر ووقف حملات التوقيف الواسعة المتعلقة بالهجرة.
وتوصل ترمب وزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، إلى اتفاق، الخميس الماضي، يقضي بتمويل وزارة الأمن الداخلي لمدة أسبوعين، مع استمرار المفاوضات حول هذه المطالب، على أن يُموَّل باقي الجهاز الحكومي حتى 30 سبتمبر.
وأقر مجلس الشيوخ اتفاق التمويل، الجمعة.
وفي الأيام الأخيرة، قال ترمب إنه سيجري تعديلات على حملة الترحيل التي تنفذها إدارته. ووفقاً لاستطلاعات الرأي، باتت معدلات تأييد الحملة متراجعة على نحو متزايد بين الناخبين، ما يشكل خطراً على الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
ما الفرق بين الإغلاق الجزئي الحالي وإغلاق خريف 2025؟
يختلف الإغلاق الجزئي للحكومة، الذي بدأ السبت، اختلافاً كبيراً عن الإغلاق القياسي الذي شهده الخريف الماضي. ويعود ذلك في الأساس إلى أن الإغلاق الحالي قد لا يستمر طويلاً، بحسب “أسوشيتد برس”.
ومن المقرر أن يحاول مجلس النواب تمرير تشريع التمويل بسرعة عند عودة المشرعين، الاثنين، ما من شأنه إنهاء الإغلاق. وكان الكونجرس قد أقر بالفعل نصف مشروعات قوانين التمويل الخاصة بالعام الجاري، وهو ما يضمن استمرار عمل عدد من الوكالات والبرامج الفيدرالية المهمة حتى سبتمبر 2026. فعلى سبيل المثال، يُتوقع ألا تتأثر برامج المساعدات الغذائية.
في المقابل، سينقضي التمويل، ولو بشكل مؤقت، عن وزارة الحرب (البنتاجون) ووزارتي الأمن الداخلي والنقل. وستستمر الوظائف الأساسية، غير أن العاملين قد يضطرون للعمل من دون أجر إذا طال أمد الخلاف، فيما قد يُوضع بعضهم في إجازات قسرية.
لماذا يحدث إغلاق جديد؟
كانت عملية تمويل الحكومة تسير بسلاسة، مع توصل مشرعين بارزين في مجلسي النواب والشيوخ إلى توافق بين الحزبين. لكن سقوط مواطنين أميركيين هذا الشهر، هما أليكس بريتي ورينيه جود، برصاص عملاء فيدراليين في مينيابوليس، غير المعادلة.
وأثار قتل بريتي غضب الديمقراطيين، الذين طالبوا بإخراج أحد مشروعات قوانين التمويل الستة المتبقية، والمتعلق بوزارة الأمن الداخلي والوكالات التابعة لها، من الحزمة التي أقرها مجلس النواب.
وقال الديمقراطيون إن مشروع القانون يجب أن يتضمن تغييرات في آليات إنفاذ قوانين الهجرة، بما في ذلك اعتماد مدونة سلوك للعملاء الفيدراليين، وفرض شرط إظهار الضباط لهوياتهم.
وسعياً لتجنب إغلاق جديد، توصل البيت الأبيض إلى اتفاق مع الديمقراطيين يقضي بتمويل مؤقت لوزارة الأمن الداخلي عند المستويات الحالية لمدة أسبوعين، ريثما تستمر المفاوضات.
وأقر مجلس الشيوخ حزمة التمويل المؤلفة من 5 مشروعات قوانين، الجمعة، لكنها تحتاج إلى إقرارها مجدداً في مجلس النواب قبل أن تصبح قانوناً. ونظراً لعدم عودة المجلس حتى الاثنين، فإن انقضاء التمويل عن أجزاء من الحكومة بات مؤكداً، ولو بصورة مؤقتة.
هل حدثت إغلاقات قصيرة سابقاً؟
نعم، وغالباً ما كانت آثارها غير ملحوظة إلى حد كبير بالنسبة لمن يسعون إلى الاستفادة من الخدمات الحكومية.
وشهدت إدارة ترمب الأولى اثنين من هذه الإغلاقات، ففي يناير 2018، أدى خلاف بشأن حماية المهاجرين إلى إغلاق استمر خلال عطلة نهاية أسبوع، جرى خلاله وضع بعض العاملين الفيدراليين في إجازات قسرية، فيما عمل آخرون من دون أجر.
ولم تتأثر مزايا مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية لكبار السن (ميديكير)، ولم يلحظ كثيرون الإغلاق، إذ أعيد فتح المكاتب الفيدرالية يوم الإثنين التالي بعد التوصل إلى اتفاق.
وفي فبراير 2018، استمر أقصر إغلاق في تاريخ الولايات المتحدة نحو 9 ساعات فقط، خلال الليل، ولم يلاحظ معظم المواطنين أي أثر له.
وعلى الرغم من أن الوكالات أُغلقت تقنياً بعد انقضاء التمويل، فإن قصر مدته حال دون إرسال جميع إشعارات الإجازات القسرية، ولم تُغلق أي مكاتب خلال ساعات العمل.
ما مصادر التمويل المتأثرة؟
يؤثر انقضاء التمويل على وزارات الحرب والنقل والأمن الداخلي، التي تضم الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA).
وقال خبراء إن الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ ينبغي أن تكون لديها أموال كافية للتعامل مع العاصفة الشتوية الضخمة التي لا تزال تؤثر على مساحات واسعة من البلاد. ومن المتوقع أن يتوافر لديها ما بين 7 و8 مليارات دولار في صندوق مخصص للاستجابة للكوارث وجهود التعافي، إضافة إلى تمويل الكوادر العاملة في هذا المجال.
غير أن إغلاقاً مطولاً قد يفرض ضغوطاً إضافية على هذا الصندوق، لا سيما إذا اضطرت الوكالة إلى الاستجابة لكوارث جديدة.
كما ستتوقف عمليات أخرى للوكالة، مثل القدرة على إصدار أو تجديد وثائق برنامج التأمين الوطني ضد الفيضانات، على غرار ما حدث خلال إغلاق العام الماضي الذي استمر 43 يوماً.
وألحق ذلك الإغلاق ضرراً بالمسافرين مع تزايد التأخيرات والإلغاءات، وتبرز الآن مجدداً مخاطر تعطل حركة الطيران؛ إذ يغطي أحد مشروعات قوانين الإنفاق التي لا تزال بانتظار إقرار مجلس النواب وزارة النقل، المسؤولة عن نظام مراقبة الحركة الجوية وقوته العاملة.
وسيواصل مراقبو الحركة الجوية أداء مهامهم، لكن من دون أجر إلى أن يُقر مشروع قانون التمويل.
وفي وزارة الخارجية، لن يكون للإغلاق تأثير كبير على عامة الجمهور، داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
وأُرسل إلى موظفي الوزارة، في وقت متأخر من مساء الجمعة، تعميم من 73 صفحة أفاد بأن خدمات إصدار جوازات السفر والتأشيرات ستستمر، وأن السفارات والقنصليات ستظل مفتوحة.
ويمكن أن تتأثر بعض المهام، بما في ذلك الإشعارات القنصلية غير الطارئة وتحديثات المواقع الإلكترونية. غير أن التعميم أوضح أن 18 ألفاً و 946 من أصل 27 ألفاً و206 موظفين أميركيين معينين مباشرة في الوزارة معفون من الإجازات القسرية المحتملة إذا استمر الإغلاق.
هل ستتأثر برامج المساعدات الغذائية مثل SNAP؟
لا. ويُعد ذلك تغييراً كبيراً مقارنة بإغلاق الخريف الماضي، حين اضطر كثيرون إلى الاكتفاء بمساعدات محدودة أو معدومة من برنامج المساعدة الغذائية التكميلية (SNAP) خلال الأسابيع الأخيرة من الإغلاق الحكومي.
وموّل مشروع القانون الذي أنهى ذلك الإغلاق وزارة الزراعة والبرامج التي تشرف عليها حتى نهاية السنة المالية في 30 سبتمبر.
وهذا يعني أن كامل مزايا برنامج SNAP ستستمر حالياً. ويخدم البرنامج الفيدرالي نحو 42 مليون شخص، أي ما يقرب من واحد من كل 8 أميركيين، في أسر ذات دخل منخفض، ويتلقون في المتوسط نحو 190 دولاراً شهرياً للفرد.
