يلقي مرسوم الرئيس السوري أحمد الشرع، بشأن “تجنيس الأكراد” المقيمين في سوريا، الضوء على أوضاع أكبر قومية غير عربية في البلاد، وملابسات حرمانهم من الجنسية على مدى عقود مضت، تعاقبت فيها حكومات عديدة، منذ انتهاء الانتداب الفرنسي على سوريا في عام 1946، إذ انتهجت تلك الحكومات خيار “عدم الحسم” تجاه القضية الكردية.

وزارة الداخلية السورية، وجهت الإدارة العامة للشؤون المدنية، بإعداد التعليمات التنفيذية لتنفيذ مرسوم الرئيس السوري، قبل الخامس من فبراير الجاري، إذ جاء في المرسوم، أنه “يُلغى العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافة التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة”، على أن “تُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم بمن فيهم مكتومي القيد، مع مساواتهم في الحقوق والواجبات”.

وينص المرسوم رقم 13 لعام 2026، على أن المواطنين السوريين الأكراد “جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وتُعد هويتهم الثقافية واللغوية جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة”، وأضاف: “تلتزم الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وتضمن حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية”.

يعيش الأكراد في سوريا، بشكل رئيسي في شمال وشمال شرق البلاد، إضافة إلى تجمعات أخرى في المدن الكبرى.

ويشكل الأكراد أغلبية السكان في محافظة الحسكة، لا سيما في مدن مثل القامشلي والدرباسية وعامودا. وفي ريف حلب الشمالي يُشكّل الكرد أغلبية في منطقتي عفرين وكوباني. كما أن هناك عدداً من الأحياء الكردية في مدينة حلب مثل الشيخ مقصود والأشرفية.

وفي العاصمة دمشق، هناك عدد من الأحياء تقطنها أغلبية كردية، أبرزها حي ركن الدين، إضافة إلى انتشار محدود في عدد من المحافظات الأخرى مثل حماة واللاذقية.

وتُشير تقديرات نشرتها الحكومة البريطانية في ديسمبر 2025، إلى أن الأكراد يُشكلون حوالي 10% من سكان سوريا، حيث يتراوح عددهم بين 1.5 إلى 2.5 مليون شخص تقريباً.

ويقول مؤرخون أكراد، إن العديد من سكان سوريا يحملون أصولاً كردية، لكن فقدوا هويتهم، إذ أنهم عاشوا لسنوات طويلة كعائلات متفرقة وسط محيط اجتماعي عربي، لا سيما في دمشق وحماة واللاذقية أو بسبب حملات التعريب الممنهجة من الأحزاب القومية التي حكمت سوريا لعقود.

ومع ذلك، تظل أعداد الأكراد غير دقيقة، بسبب عدم وجود إحصاءات رسمية، إلى جانب عمليات النزوح واللجوء خارج البلاد، والتي ازدادت وتيرتها خلال سنوات الحرب بعد 2011.

الأكراد في سوريا بعد الاستقلال

وترجع أزمة الأكراد في سوريا، إلى ما بعد انتهاء الانتداب الفرنسي في عام 1946، إذ شهدت سوريا انتشاراً للأحزاب القومية العربية، التي تنافست على السلطة وحكمت البلاد لعقود، الأمر الذي كانت له تأثيرات على الأكراد، رغم كونهم أكبر أقلية غير عربية في البلاد، حيث اتسمت سياسات الحكومات المتعاقبة بـ”عدم حسم” قضية الحقوق السياسية والثقافية للأكراد.

وينتمي غالبية الأكراد في سوريا، إلى الدين الإسلامي، ويعتنقون المذهب السني، مع أقلية مسيحية وإيزيدية وعلوية، وتُعتبر الكردية لغتهم الأم، على الرغم من أنهم لا يتعلمونها في المدارس، ويتحدث جميعهم تقريباً اللغة العربية.

ومع تأسيس الجمهورية السورية بعد الاستقلال، سادت السياسة المركزية والقومية العربية، التي حاولت ترسيخ العربية كلغة وثقافة وسياسة للدولة.

ومع التقلبات السياسية في سوريا، مثل الوحدة مع مصر (1958–1961)، ثم صعود حزب البعث في عام 1963، صارت القومية العربية جزءاً مركزياً من مشروع الدولة الحديثة، ما أدى إلى سياسات تعرّض فيها الأقلّيات (مثل الأكراد) لضغوط للاندماج أو تغييب هويتهم الخاصة.  

في هذا السياق، كانت هناك موجات من التمييز القانوني والإداري التي أثّرت على مكانة الكرد في الدولة السورية، إذ طالبت الدولة بإثبات الإقامة أو إثبات الأصول المدنية بطرق حدّت من حقوقهم.

إحصاء 1962 في الحسكة

في 23 أغسطس 1962، أصدرت الحكومة السورية، التي حكمت البلاد بعد الانفصال عن مصر ونهاية “الجمهورية العربية المتحدة”، المرسوم 93، الذي أمر بإجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة، التي يسكنها أكبر عدد من الأكراد في البلاد، مشترطاً إثبات الإقامة في سوريا منذ عام 1945 كحد أدنى.

وزعمت الحكومة السورية برئاسة خالد العظم آنذاك، في عهد الرئيس السوري ناظم القدسي، أن هناك تدفقاً “غير مشروع” للمهاجرين الأكراد من تركيا والعراق إلى سوريا بعد الحرب العالمية الثانية، معتبرة أن هؤلاء “المهاجرين” يحملون وثائق غير صحيحة أو غير قابلة للإثبات القانوني. 

ونتيجة لذلك الإحصاء، تم تصنيف الكرد في 3 فئات: مواطنون سوريون احتفظوا بالجنسية، وأجانب جُرّدوا من الجنسية وسُجلوا كمقيمين، ومكتومي القيد غير مسجلين أصلاً في سجلات الأحوال المدنية، وأدى ذلك إلى تجريد حوالي 120 ألف كردي، (نحو 20% من أكراد سوريا حينها) من الجنسية السورية.

كما ورث الأبناء الذين وُلدوا لاحقاً لآباء فقدوا جنسياتهم هذا الوضع، مما أدى إلى تزايد عدد الأكراد الذين لا يحملون الجنسية السورية.

وكان في حالات كثيرة، من الصعب تقديم وثائق رسمية بسبب فقدانها في الدوائر الحكومية، أو لأنها لم تصدر أساساً. كما تذكر تقارير كردية أن بعض الأسر “لم تُقبل وثائقها”، لأسباب إدارية أو تحيّزات عرقية.

وهكذا، وجد آلاف الأكراد في سوريا أنفسهم بلا جنسية، مع حقوق مدنية وقانونية محدودة أو معدومة، بما في ذلك التصويت، والعمل في القطاع العام، والحصول على جواز سفر، وتملك الأراضي أو تسجيل الزواج أو الولادات بشكل طبيعي.

وفي عام 1963، بعد سيطرة حزب البعث على سوريا، ازداد وضع الأكراد سوءاً مع صدور تقرير أعده الضابط الأمني محمد طلب هلال، وقدّم توصيفاً للوجود الكردي في الحسكة باعتباره “مشكلة قومية”.

ودعا التقرير إلى اتخاذ إجراءات منهجية ضد الأكراد، شملت منع التملك، والتضييق الإداري، والتهجير، وصولاً إلى طرح فكرة إنشاء “الحزام العربي”، بهدف إحداث تغيير ديموجرافي في المناطق ذات الغالبية الكردية، بما يشمل إنشاء شريط من القرى العربية على طول الشريط الحدودي مع تركيا.

انتفاضات كردية

على مدى عقود في سوريا، تمسّك الأكراد بهويتهم وثقافتهم، وحافظوا على لغتهم الأم التي لم تحظَ بأي اعتراف رسمي من قبل الحكومات السورية المتعاقبة.

ورغم قيود أمنية وسياسية، واظب الأكراد على الاحتفال بعيد النوروز الذي يصادف 21 مارس من كل عام، ويرتبط بالذاكرة الكردية بأسطورة “كاوا الحداد”، الذي ثار على الطغيان، لكن غالباً ما كان يتم التعامل مع تجمعاتهم الاحتفالية في سوريا خلال العقود السابقة، لا سيما قبل عام 2011، على أنها غير قانونية.

ومنذ استقلال سوريا عن فرنسا في عام 1946، شهدت سوريا سلسلة من الاحتجاجات والانتفاضات الكردية التي عبّرت عن مطالب سياسية وثقافية واجتماعية متكررة، ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، خرجت احتجاجات في الحسكة ضد “الإقصاء القانوني والاجتماعي”.

وخلال حكم حافظ الأسد (1970 – 2000)، خضع الأكراد في سوريا لسياسة تهميش ممنهجة، لكن دون شن حروب عسكرية على غرار ما حدث في العراق والتي تعرّض الأكراد فيها خلال عهد الرئيس السابق صدام حسين لهجمات عسكرية شمال البلاد، ذهب ضحيتها عشرات الآلاف، لا سيما في هجمات حلبجة والأنفال عام 1988.

وعادة ما كانت انتفاضات الأكراد في سوريا سلمية ومحدودة في مناطق معينة، خاصة أن الأجهزة الأمنية كانت تتعامل بحزم مع أي نشاط كردي سياسي، وفي سبعينيات القرن الماضي، حاول الأكراد مقاومة مشروع “الحزام العربي” في شمال شرق البلاد.

لم يتغير وضع الأكراد كثيراً في عهد بشار الأسد من ناحية الحقوق السياسية والثقافية، لكن عدداً من المناطق الكردية خاصة في الحسكة ودمشق، شهدت اضطرابات في بعض المراحل، أبرزها “انتفاضة القامشلي” في عام 2004، التي تحولت إلى مواجهات دامية مع الأجهزة الأمنية، أودت بحياة عشرات الأكراد، وأدت إلى اعتقالات واسعة طالت نشطاء وطلاب جامعات. 

عندما بدأت الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد في عام 2011، شارك الأكراد بقوة في الحراك السلمي بمختلف مناطق وجودهم، وحاول الأسد استمالتهم عبر إصدار مرسوم رئاسي، في العام نفسه، بمنح الجنسية السورية للأكراد المسجلين كأجانب في محافظة الحسكة، لكن المرسوم لم يشمل “مكتومي القيد”، ما أبقى مشكلة آلاف الحالات دون حل.

وبعد دخول سوريا مرحلة النزاع المسلح، ومن ثم ظهور تنظيم “داعش” ولا سيما تصاعد نفوذه في عام 2014، دخلت المناطق الكردية في مرحلة جديدة، إذ تشكّلت فصائل كردية في الحسكة وحيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ثم توسعت مع الوقت وازدادت عدداً وتنظيماً، وكان من الواضح هيمنة “حزب الاتحاد الديمقراطي” عليها، باعتباره أكثر الحركات السياسية تنظيماً وانتشاراً في سوريا.

الحرب ضد “داعش”

ومع تشكّل “التحالف الدولي ضد داعش” في عام 2014، استطاعت الفصائل الكردية، لا سيما وحدات حماية الشعب YPG، ووحدات حماية المرأة YPJ، وهما ذراعان عسكريان لحزب “الاتحاد الديمقراطي” الذي تقول تركيا إنه يُمثل الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تُصنفه في قائمة “الإرهاب”.

ورغم مشاركة مجموعت عربية وسريانية في إطار التحالف الدولي ضد “داعش”، استطاعت الوحدات الكردية أن تكسب ثقة الولايات المتحدة لتكون الشريك المحلي الأبرز في الحرب على التنظيم، فتلقّت الدعم المالي والعسكري واللوجستي، وبحلول عام 2019 كانت قد تمكّنت من طرد “داعش” في معظم المناطق التي سيطر عليها، ولا سيما في دير الزور والرقة وريف حلب.

وبموازاة أنشطتها العسكرية، حاولت القوات الكردية تأسيس نوع من الكيان السياسي الإداري في المناطق الواقعة تحت سيطرته، لا سيما أن طبيعة الصراع لم تكن تسمح بتسليم هذه المناطق إلى نظام الأسد، والذي بدوره، تعامل بحذر مع تلك القوات المدعومة أميركياً وتجنّب الدخول في صراعات مسلحة معها، بل كان يجري نوع من التنسيق بينهما، خاصة في الأحياء الكردية بمدينة حلب التي كانت تنتشر فيها “الأسايش” وهي قوى الأمن الداخلي التابعة للوحدات الكردية.

وفي ظل توسع سيطرة القوات الكردية على مناطق يُشكل فيها العرب الأغلبية في شرق وشمال شرق البلاد، تم تأسيس “الإدارة الذاتية” لتكون السلطة المدنية التي تتولى الإدارة في تلك مناطق التي تضم الحسكة ودير الزور والرقة وبعض مناطق ريف حلب، أما عسكرياً، فتشكّلت قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، والتي ضمّت أكراداً وعرباً وسريان.

الإدارة الذاتية

في مطلع 2018، سيطرت قوات سوريا الديمقراطية، على سد الفرات ومدينة الطبقة، واجتاحت الباغوز، في مارس 2018، حيث آخر معقل لـ”داعش” على الحدود السورية العراقية، إلى أن انتهى الأمر بسيطرة “قسد” على ما يقرب من ثلث مساحة سوريا.

وتضمنت هذه الرقعة، التي سماها الأكراد “روجافا”، أو “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، معظم شمال شرق البلاد، وهي منطقة تضم أهم الموارد النفطية والزراعية والأنهار والسدود في سوريا، ولا تضم  تلك المنطقة الأكراد وحدهم، بل ملايين العرب وأقليات أخرى. وأدير الحكم عبر مجالس محلية ضمن إطار شبه ذاتي.

وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وقّعت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” اتفاقاً مع الحكومة السورية يتألف من مجموعة من البنود، أبرزها الاندماج في الجيش السوري.

لكن بعد مرور أكثر من عام، واجه الاتفاق عقبات عديدة ولم يستطع الطرفان التوصل إلى صيغة مشتركة لتنفيذه، فانهار في يناير الماضي، وشنّت الحكومة السورية هجوماً واسعاً في شرق وشمال شرق البلاد، فقدت خلاله “قسد” معظم المناطق التي كانت تُسيطر عليها، ليتبقى لها جيب صغير شمال شرق البلاد، إضافة إلى مدينة كوباني وهي جبهة باتت معزولة وهشة شمالاً على الحدود مع تركيا.

وبعد سيطرة الجيش السوري على نحو 80% من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة “قسد”، بما في ذلك كامل مناطقها في الرقة ودير الزور، وأجزاء من محافظتَي الحسكة وحلب، تقلّصت المساحة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية من نحو 60 ألف كيلومتر مربع إلى أقل من 10 آلاف كيلومتر مربع، تتركز في مركز مدينة الحسكة، والمدن الشمالية للمحافظة، ومدينة عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي الشرقي.

الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، أعلنتا إبرام اتفاقٍ جديد هو الثالث منذ سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، يسمح بدخول قوى الأمن الداخلي إلى أكبر مدينتين في محافظة الحسكة، وهما الحسكة والقامشلي، إلى جانب تشكيل فرقة عسكرية من “قسد” تضم 3 ألوية، مع التأكيد على وحدة أراضي سوريا.

يتم تطبيق الاتفاق، وفق وزارة الخارجية السورية، على 4 مراحل تُنفذ خلال شهر واحد من إعلانه، إذ تضمن دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، وتأمين حمايتها من قبل القوات الحكومية بما يضمن عودة الموارد إلى الدولة السورية، إضافة إلى دمج جميع العناصر العسكرية والأمنية التابعة لـ”قسد” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين بشكل فردي بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجستية أصولاً، وحماية خصوصية المناطق الكردية.

شاركها.