– شعبان شاميه
لعل الجملة الشهيرة التي كتبها الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي، في منتصف القرن الـ20، تختصر مفارقة عصرنا الرقمي: “زحام دائم من الرسائل، والصور والوجوه، في حين تبدو العلاقة الفعلية مع الآخر متعذرة”.
وفيما نتصور أنفسنا أكثر عزلة من أي وقت مضى، قد نكون في الحقيقة أقل قدرة على ممارسة “الاختلاء” حقًا، إذ إننا حتى في عزلتنا، مثقلون بالعالم الخارجي الذي يتسلل إلينا عبر شاشاتنا ووسائل التواصل التي لا نغيب عنها أبدًا.
وبالرغم من أن البشرية بلغت ذروة قدرتها على التواصل، لم يسبق في تاريخها أن عبّر أفرادها بهذا القدر عن شعورهم بالعزلة، إذ تعتبر منظمة الصحة العالمية أن “الوحدة والعزلة الاجتماعية أصبحتا أخطر على الصحة العامة من التدخين أو السمنة”، وترتبطان بزيادة مخاطر الأمراض القلبية والسكتات الدماغية والخرف والموت المبكر.
في هذا التقرير، تسلط الضوء على حجم العزلة الاجتماعية في الحالة السورية، خاصة بعد حرب خلّفت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، امتدت لتشمل جميع الفئات، من أطفال نشؤوا في بيئات الصدمة، إلى شباب وجدوا أنفسهم بلا أفق، ونساء حملن أعباء مضاعفة، وعائلات تشتتت أو فقدت المعيل، وبالتالي، يصبح التعافي النفسي والاجتماعي أولوية وطنية لا تقل أهمية عن إعادة الإعمار المادي.
من الناس إلى العالم الرقمي
وليد (20 عامًا) طالب في قسم الكيمياء من مدينة حمص قال ل، إنه كطالب جامعي يشعر بالفراغ النفسي في أحيان كثيرة بالرغم من امتلاء وقته بالدراسة النظرية أو العملية.
ويجد وليد نفسه غالبًا أمام سطوع شاشة “الموبايل” أو “اللابتوب”، إذ يلجأ لسؤال “تشات جي بي تي” أو يبحث في “جوجل” بدلًا من مشورة الأصدقاء ومساعدة المدرّسين سواء في استفسارات حياتية أو علمية، تجنبًا للنقد أو التسخيف من بعض الأسئلة المطروحة التي يحاول إيجاد أجوبة منطقية لها.
ويرى الطالب الجامعي أن هذا الأمر أدى به تدريجيًا إلى عزلة اجتماعية، إذ إنه لم يجد عنصرًا بشريًا داعمًا بالمعنى الحقيقي، في حين عوّضه الفضاء الإلكتروني هذا النقص نسبيًا، بعيدًا عن التجريح والتسخيف أو الرد على سؤاله بأسئلة تشعره بالنقص الاجتماعي أو الدراسي، إلا أن لذلك “ضريبة قاتلة أيضًا”، بحسب تعبيره.
وقالت ردينة (40 عامًا)، معلمة مدرسة، من سكان دمشق، ل، إن شعورها بالعزلة الاجتماعية قد يكون ناتجًا عن حقيقة أنها تقضي وقتًا أقل مع الأصدقاء والعائلة، على حساب مواقع التواصل الاجتماعي، وتتطوع أقل مما كانت تفعل قبل سنوات.
لكن هناك أيضًا تحولات سكانية أوسع تسهم في ذلك، ترى ردينة، إذ إن الناس يعيشون اليوم بعيدًا عن أسرهم أكثر من الماضي، ينجبون عددًا أقل من الأطفال، وتتراجع معدلات الزواج بسبب الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة.
وأضافت ردينة أنه عندما ننظر إلى مؤشرات الترابط الاجتماعي، مثل عدد أفراد العائلة أو عدد الزيارات العائلية، نجدها في انخفاض، وبالتالي جميع هذه العوامل تُراكم الإحساس بالعزلة، وبذلك لا تبدو الوحدة مجرد ظاهرة نفسية، بل نتيجة لتآكل البنى الاجتماعية والثقافية التي كانت تحفظ التوازن بين الفرد والجماعة.
بدوره، منذر (28 عامًا)، خريج كلية هندسة من مدينة جبلة بريف محافظة اللاذقية، اعتبر، في حديث إلى، أن الهروب إلى الفضاء الرقمي كان نتيجة طبيعية لما يشعر به في واقعه الاجتماعي.
ووصف منذر حالته بأنها هروب أو انسحاب من الواقع إلى فضاء إلكتروني يجعله محاطًا بمئات الأصدقاء، ربما بسبب النقد المستمر أو الروابط السطحية الضعيفة التي تجمعه بأشخاص لا يعيرون اهتمامًا لآرائه، ما يجعله يشعر بالاكتئاب وتدني الثقة بالنفس ويفضّل العزلة الاجتماعية.
الحكاية بدأت مع “كوفيد”
ميساء (36 عامًا)، موظفة في إحدى الدوائر الحكومية وأم لطفلين، من مدينة طرطوس، قالت ل، إن أهم أسباب الانطواء والعزلة الاجتماعية التي تعززت لديها كانت بسبب جائحة “كوفيد” قبل أعوام، إذ جعلتها تميل إلى العزلة والوحدة في المنزل بين أطفالها، وقد استمر معها هذا الأمر حتى بعد فتح الإغلاقات والتعايش مع الجائحة.
وتابعت السيدة الثلاثينية أن الإغلاق المؤقت بسبب الجائحة عزز خيار الانعزال لديها كوسيلة للهروب من ضغوطات الحياة الاجتماعية والحصول على وقت خاص، معتبرة أنه بالرغم من لجوئها إلى الفضاء الإلكتروني بحثًا عن الراحة، تجد نفسها بين أنياب العزلة الاجتماعية، بحسب تعبيرها، ومفصولة عن الواقع الحقيقي، مما أثّر سلبًا على مهاراتها الاجتماعية.
الحرب والخدر العاطفي
قالت الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، ل، إن المجتمع السوري يعاني انعزالًا اجتماعيًا بدرجات متفاوتة، إذ إن وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا لم تُلغِ العزلة، بل أعادت تشكيلها في كثير من الحالات.
وأضافت الاستشارية أن التواصل الرقمي غالبًا يفتقر إلى الحميمية العاطفية الحقيقية، ويركز على العرض والتمثيل أكثر من المشاركة الصادقة، كما أنه يعزز المقارنة الاجتماعية والشعور بالنقص أو العجز.
ولفتت العرنوس إلى أن كثيرًا من الأفراد أصبحوا منسحبين نفسيًا حتى وهم متصلون رقميًا، في ظل سنوات طويلة من الحرب والصدمة الجمعية، الفقد والنزوح والانقسام الأسري، والضغوط الاقتصادية المستمرة.
وهذا بسبب الخدر العاطفي، بحسب العرنوس، نتيجة فرط الكورتيزول (الهرمون المسؤول عن التوتر)، إذ يؤدي التوتر المزمن إلى ارتفاع مستمر في هرمون الكورتيزول، وانخفاض حساسية الدماغ للمشاعر الإيجابية، وبالتالي النتيجة أن العلاقات الواقعية لا تمنح الإحساس بالدفء، فيُستبدل بالقرب الحقيقي تواصل سطحي منخفض الشدة.
مظاهر الانعزال الاجتماعي في المجتمع السوري
لفتت العرنوس إلى أن الملاحظة المجتمعية تظهر عدة مؤشرات:
• الانفصال العاطفي داخل الأسرة: يتمثل بتراجع الحوار الحقيقي، إضافة إلى حضور جسدي مع غياب وجداني.
• العلاقات الافتراضية كبديل آمن: الناس يختارون التفاعل عبر الشاشة لأنه أقل تهديدًا، ومن خلاله يسعون إلى تجنب المواجهة والخلاف أو الخيبة.
• الخدر العاطفي (Emotional Numbing): آلية دفاع شائعة بعد الصدمات، حيث تقل القدرة على التعبير أو الشعور العميق.
• الانسحاب الاجتماعي المقنّع: الشخص نشط على الإنترنت لكنه منعزل واقعيًا، مع شعور داخلي بالوحدة رغم كثرة التفاعل الرقمي.
كيف يتعامل السوريون مع هذا التناقض؟
ترى العرنوس أن التعامل يكون غالبًا غير واعٍ، ويأخذ أشكالًا نفسية مختلفة، تشمل:
• التعويض الرقمي: استخدام وسائل التواصل لملء فراغ عاطفي، إضافة إلى البحث عن الاعتراف والانتماء الافتراضي.
• التطبيع مع الوحدة: من خلال قبول العزلة كحالة “طبيعية”، وانخفاض التوقعات من العلاقات الإنسانية.
• الفكاهة والسخرية: وهي آلية دفاع نفسية شائعة تجري من خلال تحويل الألم إلى محتوى ساخر أو لا مبالاة ظاهرية.
• الانشغال بالبقاء: الضغوط المعيشية تجعل العلاقات أولوية ثانوية، بالتالي التركيز على النجاة بدل الارتباط.
البعد النفسي العميق للمشكلة
في السياق السوري، أكدت الاستشارية أنه لا يمكن فصل الانعزال الاجتماعي عن:
• الصدمة النفسية المزمنة.
• فقدان الشعور بالأمان.
• انعدام الثقة بالآخرين.
• الإرهاق النفسي الجماعي.
بالتالي، الانفتاح الرقمي في هذه الحالة ليس رفاهية، بل أحيانًا مساحة هروب، أو مخدّر نفسي، أو بديل هش للعلاقات الحقيقية.
هل هناك أمل في التوازن؟
تجيب الاستشارية أن العودة إلى التوازن تحتاج إلى:
• إعادة إحياء المساحات الاجتماعية الواقعية (العائلة، الحي، العمل).
• تعزيز الوعي بالصحة النفسية دون وصم.
• استخدام التكنولوجيا كوسيلة دعم لا بديل عن العلاقات.
• تشجيع الحوار العاطفي الآمن، لا الجدال فقط.
أشارت الدكتورة العرنوس إلى أن الانعزال رغم الانفتاح الرقمي ليس تناقضًا، بل استجابة دفاعية طبيعية لعالم سريع وضاغط وقليل الأمان العاطفي، معتبرة أن القيود أُزيلت عن الوسائل، لكن القيود النفسية لا تُرفع إلا بالشفاء والأمان والمعنى.
وختمت العرنوس حديثها ل بالتأكيد أن المجتمع السوري لا يعاني من عزلة رقمية، بل من وحدة نفسية جماعية، موضحة أن التواصل الافتراضي، رغم ضرورته، لا يعالج الانفصال العاطفي ما لم يُدعَم بعلاقات إنسانية حقيقية وآمنة ومتعاطفة.
Related
المصدر: عنب بلدي
