في عصر تتسابق فيه الدول الكبرى للهيمنة على قطاع الذكاء الاصطناعي، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب استثنائي استطاع في سنوات قليلة أن يحجز مقعداً في الصفوف الأمامية لهذا السباق التقني العالمي.
فبينما تتصارع القوى التقليدية على النفوذ الرقمي، نسجت الإمارات شبكة من الشراكات الاستراتيجية تمتد من سيليكون فالي غرباً إلى دافوس شمالاً، محولةً نفسها إلى جسر يربط بين الشرق والغرب في ثورة الذكاء الاصطناعي.
المرتبة الأولى عالمياً: 64% من السكان يستخدمون الذكاء الاصطناعي
وفقاً لأحدث تقرير صادر عن معهد الاقتصاد الرقمي التابع لشركة مايكروسوفت في يناير 2026، تصدرت الإمارات قائمة الدول الأكثر تبنياً للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، حيث يستخدم 64% من السكان في سن العمل تقنيات الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية. هذه النسبة الاستثنائية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة استراتيجية وطنية طموحة واستثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية والشراكات الدولية.
الولايات المتحدة: شراكة بـ 15.2 مليار دولار
تُعد الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية حجر الزاوية في استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي. ففي نوفمبر 2025، أعلنت شركة مايكروسوفت عن استثمار ضخم بقيمة 15.2 مليار دولار في الإمارات، يشمل إنشاء مراكز بيانات متطورة وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وتتضمن هذه الشراكة توفير الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي من OpenAI وAnthropic ومايكروسوفت نفسها.
وفي إطار هذا التعاون، وقّعت الإمارات اتفاقية مع شركة OpenAI لتوفير خدمة ChatGPT Plus لجميع سكان الدولة، في خطوة غير مسبوقة تجعل الإمارات أول دولة في العالم تقدم هذه الخدمة على المستوى الوطني.
كما أطلقت الحكومتان الإماراتية والأمريكية في مايو 2025 إطار عمل “شراكة تسريع الذكاء الاصطناعي الأمريكيةالإماراتية”، الذي يهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا.
فرنسا: اتفاقية بنية تحتية بقدرة 1 جيجاوات
على الجانب الأوروبي، وقّعت الإمارات اتفاقية إطارية مع فرنسا لتطوير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي بقدرة 1 جيجاوات، وهو ما يعكس حجم الطموحات الإماراتية في هذا المجال. وتأتي هذه الاتفاقية في سياق علاقات استراتيجية متنامية بين البلدين في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.
الاتحاد الأوروبي: شراكة استراتيجية شاملة
في ديسمبر 2025، أطلق الاتحاد الأوروبي والإمارات مفاوضات لإبرام اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة، تضع الرقمنة والذكاء الاصطناعي في صدارة أولوياتها. وتهدف هذه الشراكة إلى تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة وتبادل الخبرات والمعايير التنظيمية.
كندا: دولة الشرف في أكبر حدث للذكاء الاصطناعي
اختيرت الإمارات “دولة الشرف” في مؤتمر ALL IN 2025، أكبر حدث للذكاء الاصطناعي في كندا، وهو تكريم يعكس المكانة المتنامية للدولة في المشهد التقني العالمي. وجاء هذا الاختيار بعد أن حظيت فرنسا بهذا الشرف في العام السابق، مما يضع الإمارات في مصاف الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال.
المنتدى الاقتصادي العالمي: مركز أبوظبي لمستقبل الذكاء الاصطناعي
في إطار شراكتها مع المنتدى الاقتصادي العالمي، أسست الإمارات “مركز أبوظبي لمستقبل الذكاء الاصطناعي” بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي. ويهدف هذا المركز إلى إجراء أبحاث متقدمة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الاقتصاد والمجتمع، مع التركيز على الاستخدام المسؤول والأخلاقي لهذه التقنيات.
G42: الذراع التقنية للطموحات الإماراتية
تلعب مجموعة G42 الإماراتية دوراً محورياً في تنفيذ هذه الشراكات العالمية. فقد أبرمت الشركة شراكة بقيمة 1.5 مليار دولار مع مايكروسوفت، كما أطلقت مشروع “ستارغيت الإمارات” الذي يهدف إلى إنشاء أحد أكبر مجمعات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في العالم.
وبالتعاون مع شركة Cerebras الأمريكية، أطلقت G42 شبكة “Condor Galaxy”، أكبر شبكة حواسيب فائقة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في العالم، مما يعزز القدرات الحوسبية للدولة ويضعها في موقع تنافسي قوي.
رؤية استراتيجية: من المستورد إلى المصدّر
ما يميز النموذج الإماراتي هو تحوله من مجرد مستورد للتكنولوجيا إلى شريك فاعل ومصدّر للابتكار. فجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، التي تأسست عام 2019 بسبعة أساتذة فقط، باتت اليوم تحتل المرتبة العاشرة عالمياً، مع أكثر من 650 طالباً و116 أستاذاً و3000 بحث علمي منشور.

كما أطلقت الإمارات نموذج “جيس 2” للغة العربية، أحد أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي المخصصة للغة العربية، في خطوة تعكس التزامها بتطوير حلول محلية ذات بُعد عالمي.
تُثبت خريطة الشراكات العالمية للإمارات في الذكاء الاصطناعي أن الدولة نجحت في تحويل موقعها الجغرافي الاستراتيجي إلى ميزة تنافسية في العصر الرقمي. فمن خلال بناء جسور مع القوى التقنية الكبرى في الشرق والغرب، أصبحت الإمارات مركزاً عالمياً للابتكار، قادراً على استقطاب الاستثمارات والعقول والتقنيات من مختلف أنحاء العالم.
إن هذه الشراكات ليست مجرد اتفاقيات تجارية، بل هي استثمار في مستقبل الأجيال القادمة، ورسالة واضحة بأن الإمارات عازمة على أن تكون في طليعة الدول التي تشكّل مستقبل البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي.
المصدر: وكالة ستيب الاخبارية