يعد حنا مينه واحدًا من أبرز الروائيين السوريين والعرب، واسمًا ملازمًا لما يُعرف بـ”أدب البحر” في الرواية العربية.

ولد في اللاذقية عام 1924 وتوفي عام 2018، وعاش حياة قاسية انعكست بوضوح في كتاباته، حيث انحاز دائمًا إلى الفقراء والمهمشين، وجعل من الكفاح اليومي مادة أساسية لسرده.

في أعماله، لا يظهر البحر كخلفية جمالية فقط، بل كقوة كاشفة لطبيعة الإنسان، وصلابته، وهشاشته في آن واحد.

تعد رواية “الشراع والعاصفة” من أشهر أعمال حنا مينه وأكثرها حضورًا في الذاكرة الأدبية السورية.

تدور أحداث الرواية في مدينة اللاذقية ومحيطها الساحلي خلال فترة الاحتلال الفرنسي، حيث يشكل البحر ساحة للصراع والعمل والمواجهة اليومية مع الخطر، ومن خلال شخصيات تنتمي إلى الطبقات الفقيرة، يرصد الكاتب علاقة الإنسان بالبحر بوصفها علاقة حياة أو موت.

تتمحور الرواية حول شخصية “الطروسي”، البحّار الفقير الذي يشكل المحور الأساسي للأحداث، فـ”الطروسي” ليس بطلًا تقليديًا ولا نموذجًا مثاليًا، بل إنسان صاغه البحر بصلابته وقسوته، ودفعه الفقر إلى المواجهة اليومية مع الخطر، ومن حيث البناء السردي، فالرواية مقسمة إلى ثلاثة فصول، وتتصاعد نحو العاصفة بوصفها الذروة السردية.

من خلال الطروسي، يرصد مينه حياة البحّارة الذين يعملون في ظروف قاسية، ويعيشون بين خوف دائم من البحر، وحاجة لا تترك لهم خيارًا سوى العودة إليه، إذ يخرجون إلى البحر مدفوعين بالحاجة، ويعودون محملين بالخسارة أو النجاة المؤقتة.

البحر في “الشراع والعاصفة” ليس مجرد عنصر طبيعي، بل قوة ضاغطة، تشبه السلطة في قسوتها وعدم اكتراثها، فالعاصفة، التي تحضر بقوة في الرواية، تتحول إلى اختبار أخلاقي وإنساني، تكشف معدن الشخصيات، وقدرتها على الصمود أو الانكسار.

يعتمد حنا مينه على أسلوب واقعي مباشر، خالٍ من الزخرفة، لكنه مشحون بالتفاصيل الحسية من خلال صوت الأمواج، وتعب الأجساد، والخوف الكامن في انتظار العاصفة، هذا الأسلوب يمنح الرواية صدقها، ويجعل القارئ قريبًا من الشخصيات، يشعر بثقل البحر كما يشعرون به، هم ليسوا أبطالًا خارقين هنا، بل بشر عاديون، يصارعون الطبيعة والظروف والاحتلال في آن واحد.

تطرح الرواية أسئلة تتجاوز البحر نفسه، فالصراع مع الطبيعة يتقاطع مع الصراع ضد الظلم الاجتماعي والاستعمار، حيث يظهر الفقر بوصفه عاصفة أخرى لا تقل قسوة، فيما تعيش الشخصيات بين قوتين، بحر لا يؤتمن، وسلطة لا ترحم، وبينهما، يحاول الإنسان الحفاظ على كرامته، وعلى معنى الاستمرار.

أحد أبرز عناصر “الشراع والعاصفة” هو البعد الجماعي في السرد، إذ إن الرواية لا تتمحور حول بطل واحد بقدر ما تقدم صورة جماعية لمدينة، لمجتمع يعيش على الحافة، أما الذات الإنسانية التي تتضمن “الخوف الشجاعة والأنانية”، فكلها تتجاور داخل النص، من دون أحكام أخلاقية مباشرة، تاركة للقارئ مهمة التقييم.

لا تقدم “الشراع والعاصفة” البحر بوصفه عدوًا مطلقًا، ولا الإنسان بوصفه ضحية فقط، لأن الرواية هي عن المواجهة المستمرة مع القدر، عن العمل بوصفه فعل بقاء، وعن الكرامة التي تختبر في أقسى الظروف.

بهذا العمل، يرسخ حنا مينه موقعه كروائي جعل من الواقع مادة أدبية، ومن المعاناة اليومية سردًا قادرًا على البقاء، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من الإنسان.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.