كشفت دراسة علمية جديدة، أن العلاج بالتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة يمثل خياراً علاجياً فعالاً، من حيث التكلفة للمرضى الذين يعانون من الاكتئاب المتوسط والشديد المقاوم للعلاجات التقليدية. 

يعد الاكتئاب الشديد أحد أخطر التحديات الصحية في القرن الحادي والعشرين. ووفق منظمة الصحة العالمية، يعتبر الاكتئاب السبب الأول عالمياً لفقدان سنوات العمر المصحوبة بالعجز، كما أن الانتحار الناتج عنه يعد من أبرز أسباب الوفاة بين الفئات العمرية من 15 إلى 49 عاماً. ورغم التطور الكبير في الأدوية المضادة للاكتئاب والعلاج النفسي، فإن هذه الخيارات لا تنجح مع جميع المرضى.

تشير التقديرات إلى أن نحو ثلث المصابين بالاكتئاب لا يستجيبون للعلاج الدوائي أو النفسي بعد محاولتين علاجيتين على الأقل، وهي الحالة التي تعرف طبياً باسم الاكتئاب المقاوم للعلاج. 

وتعاني هذه الفئة من المرضى، من أعراض مزمنة، وتراجع حاد في القدرة على العمل، وارتفاع في معدلات الدخول إلى المستشفيات، فضلاً عن أعباء كبيرة تتحملها العائلات ومقدمو الرعاية غير الرسميين.

لا حاجة للتخدير

والعلاج بالتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة، علاج غير جراحي يقدم في العيادات الخارجية. يعتمد على توجيه نبضات مغناطيسية قوية إلى مناطق محددة من الدماغ، وتحديداً إلى الجهة اليسرى من الرأس أمام المنطقة الصدغية، وهي مناطق مرتبطة بتنظيم المزاج.

وخلافاً للعلاجات الكهربائية، يبقى المريض واعياً طوال الجلسة، ولا يحتاج إلى تخدير. ويتلقى المريض عادة ما لا يقل عن 20 جلسة علاجية على مدى أربعة إلى ستة أسابيع. وقد أظهرت دراسات سابقة، أن هذا العلاج آمن وفعال في تخفيف أعراض الاكتئاب المقاوم للعلاج، ما دفع المعهد الوطني للصحة وجودة الرعاية، إلى اعتماده رسمياً في بريطانيا منذ عام 2015.

على الرغم من هذا الاعتماد المبكر، لا يزال العلاج بالتحفيز المغناطيسي بعيد المنال عن الغالبية العظمى من المرضى في بريطانيا. فبحسب البيانات المتاحة، لا يتوفر هذا العلاج سوى في واحدة من كل سبع مؤسسات تابعة، ويعود السبب الرئيسي في ذلك، إلى غياب الأدلة التي تثبت أن هذا العلاج يقدم “قيمة مقابل المال” مقارنة بخيارات الرعاية المعتادة.

وشكلت هذه الفجوة بين الاعتماد النظري والتطبيق العملي، الدافع الأساسي للدراسة الجديدة، التي سعت إلى الإجابة عن سؤال محوري: هل يمكن اعتبار التحفيز المغناطيسي استثماراً مجدياً من الناحية الاقتصادية، وليس مجرد خيار علاجي فعال طبياً؟

وركز الفريق على إجراء تحليل اقتصادي شامل، يقارن بين الرعاية المعتادة في خدمات الصحة النفسية المتخصصة، وبين نوعين من علاجات التحفيز المغناطيسي.

وشكلت الدراسة نوعين رئيسيين من العلاج؛ التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة، والتحفيز المتقطع بنمط “ثيتا”. وتمت مقارنة هذين الخيارين بما يعرف بـ “العلاج كالمعتاد” أي مزيج الأدوية والعلاج النفسي والدعم المجتمعي الذي يحصل عليه المرضى عادة داخل المستشفيات البريطانية.

وأظهرت نتائج التحليل أن العلاج بالتحفيز المغناطيسي لا يقتصر أثره على تقليل أعراض الاكتئاب، بل يمتد ليشمل جوانب أوسع من حياة المرضى والمجتمع. فقد تبين أن المرضى الذين تلقوا هذا العلاج حققوا تحسناً أسرع وأكثر استدامة في حالتهم النفسية مقارنة بمن تلقوا الرعاية المعتادة فقط.

تخفيف العبء الاقتصادي

كما أظهرت نتائج الدراسة، أن هذا التحسن يخفف العبء عن مقدمي الرعاية غير الرسميين، مثل أفراد الأسرة، ويقلل من الضغط على الخدمات الصحية سواء من حيث زيارات الطوارئ أو فترات الإقامة في المستشفيات. والأهم من ذلك، أن عدداً أكبر من المرضى تمكنوا من العودة إلى العمل، ما يعني تقليص أيام العمل المفقودة بسبب الاكتئاب المزمن.

وخلصت الدراسة إلى أن التحفيز المغناطيسي، يمثل استثماراً في الرعاية الصحية يستعيد تكلفته بمرور الوقت. ويحدث ذلك بشكل أساسي من خلال تقليل النفقات الصحية المستقبلية، وخفض الاعتماد على الرعاية غير الرسمية، وتحسين الإنتاجية الاقتصادية للمرضى الذين يعودون إلى سوق العمل.

وبلغة الأرقام، أظهرت الدراسة أن التكلفة الإضافية لكل سنة حياة مصحوبة بنوعية جيدة بلغت نحو 12 ألف جنيه إسترليني لكلا نوعي التحفيز المغناطيسي. وهذه الأرقام تقل بكثير عن العتبة التي تعتمدها الأنظمة البريطانية لتصنيف العلاجات “مجدية اقتصادياً”.

عادة ما يعتبر المعهد الوطني للصحة وجودة الرعاية في بريطانيا، أن أي تدخل طبي يكون مجدياً من حيث التكلفة، إذا تراوحت تكلفته بين 20 و30 ألف جنيه إسترليني لكل سنة حياة مصحوبة بنوعية جيدة. ومن المقرر أن ترتفع هذه العتبة قريباً إلى ما بين 25 و35 ألف جنيه إسترليني.

وجاءت نتائج التحفيز المغناطيسي، أقل بكثير من الحد الأدنى لهذه العتبة، سواء من منظور النظام الصحي وحده، أو من منظور المجتمع ككل. بل إن الدراسة أظهرت أنه عند احتساب الفوائد الاجتماعية الأوسع، مثل تقليل ساعات الرعاية غير الرسمية وزيادة الإنتاجية، فإن العلاج يصبح موفراً للتكاليف وليس ذي جدوى اقتصادية فقط.

تجارب حية

لم تقتصر الدراسة على التحليل الإحصائي، بل تضمنت أيضاً شهادات حية من مرضى خضعوا للعلاج. ومن بين هؤلاء سوزان فارلي، وهي ممرضة سابقة عانت من اكتئاب شديد دفعها إلى دخول المستشفى. وبعد فشل جميع العلاجات التقليدية، اضطرت للسفر لتلقي جلسات التحفيز المغناطيسي.

تروي فارلي، أن العلاج غير حياتها بالكامل، إذ عادت إلى عملها كممرضة، وتحسنت صحتها الجسدية والنفسية، واستعادت قدرتها على الاستمتاع بالحياة مع أسرتها وأصدقائها. وتؤكد أن إتاحة هذا العلاج ضمن الخدمات الصحية “يمكن أن ينقذ حياة كثيرين يعانون في صمت”.

اعتمد التحليل الاقتصادي على بيانات مستخلصة من 442 مريضاً شاركوا في تجربتين سريريتين كبيرتين في بريطانيا، إضافة إلى مشاورات منظمة مع خبراء لديهم خبرة طويلة في تقديم هذا النوع من العلاج. كما طور الفريق نموذجاً تحليلياً لدمج هذه البيانات وتقدير الآثار طويلة المدى للعلاج.

وأظهرت النتائج أن فاعلية العلاج تستمر على الأقل ستة أشهر، وهو ما يتحدى إحدى الحجج الرئيسية التي كانت تستخدم سابقاً ضد تعميم التحفيز المغناطيسي، والتي تقول إن تأثيره قصير الأمد.

تحول أوسع

مع ذلك، حذر الباحثون من أن الجدوى الاقتصادية للعلاج، تعتمد بشكل كبير على كيفية تنظيمه وتقديمه. فالمراكز التي تستطيع تحقيق معدل مرتفع من المرضى، وتطبيق البروتوكولات المعتمدة بكفاءة، هي الأكثر قدرة على تحقيق الفوائد الاقتصادية المتوقعة.

وبحسب الباحثين، فإن إنشاء نماذج تقديم “عالية الكفاءة” سيكون عاملاً حاسماً في تحويل التحفيز المغناطيسي من علاج محدود النطاق إلى خيار متاح على نطاق واسع.

تعكس هذه الدراسة، تحولاً أوسع في التفكير حول علاج الاضطرابات النفسية، حيث لم يعد التركيز منصباً فقط على الفعالية السريرية، بل على الأثر الاقتصادي والاجتماعي طويل الأمد. 

ومع تزايد أعداد المصابين بالاكتئاب المقاوم للعلاج، قد يشكل التحفيز المغناطيسي أحد المفاتيح الرئيسية لتخفيف العبء عن المرضى والأنظمة الصحية على حد سواء.

شاركها.