اختُتم معرض الفنان البريطاني الغامض بانكسي في مدينة آسّيزي الإيطالية بنتيجة غير مسبوقة، بعدما استقطب أكثر من 75 ألف زائر خلال ثمانية أشهر، محققاً رقماً قياسياً لم تشهده المدينة في تاريخ معارضها الفنية.
لم يكن الحدث مجرّد نجاح عددي، بل تحوّل إلى علامة ثقافية لافتة، أعادت طرح سؤال السلام في مدينة ارتبط اسمها منذ قرون، بالروحانية والتسامح ونبذ العنف.
المعرض الذي حمل عنوان “Peace on Earth – على الأرض السلام”، أُقيم داخل “روكا ماجوري”، القلعة العسكرية التي تعلو مدينة آسّيزي، وتشرف على وادي أومبريا. اختيار هذا الموقع لم يكن تفصيلاً عابراً: فالحصن الذي كان رمزاً للقوّة والحرب في العصور الوسطى، تحوّل اليوم إلى فضاء للتأمل في السلام من خلال الفن، في مدينة تُعدّ رمزاً عالمياً لهذا المفهوم.
مدينة القدّيس فرانتشيسكو
تقع آسّيزي في قلب إقليم أومبريا، وترتبط تاريخياً باسم القدّيس فرانتشيسكو، أحد أبرز رموز السلام في التاريخ المسيحي. من هذه المدينة انطلقت دعوته إلى الفقر الاختياري، والمصالحة مع الطبيعة، ونبذ العنف. وهي القيم التي جعلت آسّيزي، عبر الزمن، نقطة جذب للحركات الروحية والإنسانية الساعية إلى السلام.
ولعلّ أبرز تجلٍّ معاصر لهذا الإرث هو مسيرة السلام من مدينة بيروجا إلى آسّيزي، التي تُقام سنوياً في شهر أكتوبر. تمتدّ هذه المسيرة لمسافة تقارب 24 كيلومتراً، ويشارك فيها آلاف الأشخاص من مختلف الأعمار والخلفيات، سيراً على الأقدام، حاملين شعارات السلام والعدالة وحقوق الإنسان.
إنها ليست تظاهرة رياضية، بل فعل رمزي يعيد ربط الجسد بالمكان، والخطوة الفردية بالقضية الجماعية. في هذا السياق، بدا معرض بانكسي وكأنه امتدادٌ بصري معاصر لهذا التقليد، يُعبّر بلغة الصورة عمّا تُعبّر عنه المسيرة بلغة الجسد والمشي.
مشروع فني برسالة سياسية
استلهم معرض “Peace on Earth” فكرته من أحد أشهر أعمال بانكسي المنفّذة في “بيت لحم”، على جدار الفصل الإسرائيلي، حيث حوّل الفنان الجدار الإسمنتي إلى مساحة احتجاج فني ضد الاحتلال والعنف. ومن هذه النقطة، انطلق المشروع ليقدّم قراءة شاملة لمفهوم السلام في أعمال بانكسي، بوصفه قيمة مهددة في عالم تهيمن عليه الحروب والصراعات.
ضمّ المعرض أكثر من مئة عمل أصلي تمّ إنجازه بين عامي 1998 و 2010، من بينها أعمال أيقونية مثل Flower Thrower، حيث يتحوّل فعل الرمي من أداة عنف إلى فعلٍ شاعري، وGirl with Balloon في نسختها الأصلية لعام 2004، التي أصبحت رمزاً عالمياً للأمل الهشّ والبراءة المعرّضة للضياع.
أرقام قياسية وتأثير واسع
تمّ افتتاح المعرض في 22 أبريل 2025، وأُغلق في 11 يناير 2026 بعد تمديده نتيجة الإقبال الكبير. وبلغ عدد زوّاره 75,705 زائرين، بزيادة تجاوزت 33% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما أسهم في تنشيط جميع المتاحف المدنية في آسّيزي، التي استقبلت خلال عام 2025 نحو 132 ألف زائر، ما جعل المدينة واحدة من أبرز الوجهات الثقافية في أومبريا.
وأكد مسؤولو المدينة “أن هذا النجاح لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بما أحدثه المعرض من إعادة تعريف لدور آسّيزي كمكان مفتوح على الفن المعاصر، دون أن يفقد هويته التاريخية والروحية”.
الفنان الغائب الأكثر حضوراً
يقف وراء هذا الزخم اسم بانكسي، الفنان الذي لا يُعرف له وجه ولا سيرة شخصية مؤكدة، لكنه يُعدّ اليوم من أكثر الفنانين تأثيراً في العالم. اختار الغياب ليجعل من أعماله لغة مباشرة، تُكتب على الجدران وفي الفضاءات العامة، وغالباً في مناطق النزاع.
إلى جانب فلسطين، ترك بانكسي أعمالاً في مناطق عرفت الحروب والدمار، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، حيث تتحوّل جدارياته إلى شهادات بصرية على العنف، وإلى أسئلة مفتوحة حول معنى الإنسانية في زمن الحرب.
حين يلتقي فن الشارع بتاريخ السلام
في آسّيزي، لم يكن معرض بانكسي حدثاً معزولاً، بل التقى بتاريخ طويل من الدعوة إلى السلام، من القدّيس فرانتشيسكو إلى مسيرة بيروجا–آسّيزي. ومن التراتيل الدينية إلى فن الشارع المعاصر. هنا، بدا أن رسالة بانكسي، رغم لغتها الساخرة والاحتجاجية، وجدت مكانها الطبيعي في مدينة اعتادت أن تجعل من السلام مساراً يُسار عليه حرفياً، خطوة بعد خطوة.
هكذا، لم يكن “Peace on Earth” مجرد عنوان لمعرض، بل صدى معاصر لمدينة جعلت من السلام هويتها، ومن المشي نحوه فعلاً جماعياً متجدداً.
