يلتقي الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي، والتركي رجب طيب أردوغان في القاهرة، الأربعاء، ضمن جولة إقليمية يجريها أردوغان، تشمل زيارة المملكة العربية السعودية.

ومن المنتظر أن يترأس الزعيمان الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا، بالإضافة إلى مناقشة ملفات المنطقة ذات الاهتمام المشترك، حيث تأتي الزيارة وسط تقارير عن تنسيق مصري تركي في ملفات مختلفة منها غزة، والصومال، والسودان.

الزيارة التي تعد الثالثة لأردوغان إلى مصر خلال العامين الأخيرين، تأتي في وقت بدا التقارب المصري التركي لافتاً في الأشهر الأخيرة.

وفي سبتمبر 2024، أجرى السيسي زيارة لأنقرة بدعوة من أردوغان، والذي سبق له زيارة القاهرة في فبراير من العام ذاته، للمرة الأولى منذ 2012، حيث جرى تأسيس ما يُعرف بـ”مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى”، لينطلق مسار جديد للعلاقات بين البلدين، شهد تقارباً ملموساً ولافتاً.

ومؤخراً، شاركت القاهرة وأنقرة بوصفهما وسيطين في اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة، والذي جرى توقيعه في مدينة شرم الشيخ المصرية، في وقت تواصلت الزيارات الرسمية على مستوى الوزراء والوفود الرسمية.

العلاقات المصرية التركية

من جانبه، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية تميم خلاف إن العلاقات المصرية التركية تشهد نقلة نوعية وزخماً متصاعداً خلال الفترة الأخيرة، في ضوء إرادة متبادلة لتعزيز التعاون والتنسيق في المجالات المختلفة، وتكريس نهج يقوم على تعزيز الثقة وتوسيع مجالات التعاون بما يعكس عمق المصالح المشتركة للبلدين، ويخدم تطلعات الشعبين نحو مزيد من الشراكة والتكامل. 

وأضاف خلاف لـ”الشرق” أن الزخم المتصاعد في علاقات القاهرة وأنقرة يعكس حرصاً مشتركاً على تطوير العلاقات بصورة مستدامة، بما يتيح توظيف الإمكانات المتاحة لدى الجانبين لتحقيق نتائج عملية وملموسة.

وأشار إلى أن ذلك يأتي في إطار توجه نحو توسيع مجالات التعاون في مختلف المسارات، خاصة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، بما يدعم زيادة حجم التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات، وفتح آفاق جديدة للتعاون بين مؤسسات البلدين ومجتمعات الأعمال.

وشدد على أن التشاور والتنسيق حول القضايا الإقليمية والدولية يظل محل اهتمام مشترك، بما يسهم في دعم جهود خفض التوتر وتعزيز الحلول السياسية والتسويات الدبلوماسية للأزمات، على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وبما يدعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

اتفاق غزة

وفي حين تثير الزيارة تساؤلات عن أبرز الملفات المطروحة للنقاش على الطاولة، رأى الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والمتخصص في الشؤون التركية بشير عبد الفتاح أن زيارة أردوغان لمصر يمكن فهمها في سياقين، أولها تطبيع العلاقات وتطوير آفاقها، في إطار السعي للارتقاء بمستوى الشراكة لمستويات أعمق وأرحب بكثير، والتأكيد على تجاوز الخلافات والقطيعة السابقة.

وأضاف عبد الفتاح في تصريحات لـ”الشرق” أن “السياق الثاني يتمثل في تطورات منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد اتفاق السلام في غزة”، مشيراً إلى أن الملفات الإقليمية تطرح نفسها بقوة على طاولة اللقاء، خاصة ما يتعلق بغزة واستمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق السلام الموقع في شرم الشيخ، والذي تلعب فيه القاهرة وأنقرة دور الوسطاء بجانب الدوحة وواشنطن، مشدداً على رغبة قوية مشتركة في تحصين هذا الاتفاق ومنع انهياره.

الملف الإيراني

ولفت الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إلى حضور الملف الإيراني على الطاولة بقوة في هذا اللقاء، خاصة في ظل تصاعد التوترات، واحتمالات توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران في غضون أيام، مضيفاً أن هناك توافقاً مصرياً تركياً على رفض هذه الضربة، وضرورة تخفيض مستوى التصعيد في المنطقة واللجوء إلى لغة الحوار والدبلوماسية.

وأردف أن “مصر وتركيا تلعبان دور الوساطة بين طهران وواشنطن”، مشيراً إلى الرغبة في تنسيق الجهود المشتركة لمنع انزلاق المنطقة نحو المواجهة العسكرية، والتوصل لحلول تُنهي التوترات.

ورأى عبد الفتاح أن سقوط إيران بوصفها دولة مركزية بالمنطقة، سيتسبب في خلل بموازين القوى لصالح إسرائيل، ومن هنا يأتي التنسيق المصري التركي لدعم إيران، والتوصل إلى حلول سلمية في خلافاتها مع دول المنطقة، وتجنب المواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة.

وأصدر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان توجيهاً ببدء “المفاوضات النووية” مع واشنطن، في حين من المنتظر أن تجري تلك المفاوضات على الأراضي التركية، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء “فارس” الإيرانية.

كما أفاد موقع “أكسيوس” بأنه من المتوقع أن يجتمع المبعوث الخاص ‌للرئيس الأميركي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف، مع وزير ⁠الخارجية ‌الإيراني عباس عراقجي، الجمعة المقبل في إسطنبول، لمناقشة اتفاق نووي محتمل، مشيراً إلى أن الاجتماع يأتي نتيجة جهود دبلوماسية بذلتها تركيا ومصر وقطر على مدى الأيام القليلة الماضية.

الشق الاقتصادي

وبخلاف الملفات الإقليمية، تطرق بشير عبد الفتاح إلى التعاون الاقتصادي بين القاهرة وأنقرة، موضحاً أن الشق الاقتصادي يُشكل أهم ملفات التعاون بين مصر وتركيا، لاسيما وأنه استمر في فترات القطيعة ويُعد القاطرة التي تقود العلاقات بين البلدين. 

وفي هذه النقطة، أشار إلى أن الرئيس التركي سيصطحب المجموعة الاقتصادية في الحكومة ورجال الأعمال خلال زيارته لمصر، ما يعكس أهمية هذا الملف على طاولة المحادثات، لا سيما وأن هناك رؤية مشتركة تهدف لتطوير التبادل التجاري. 

وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا مستوى 9 مليارات دولار خلال عام 2024، في الوقت الذي يستهدف البلدان زيادته إلى مستوى 15 مليار دولار.

وأوضح الباحث بمركز الأهرام، أهمية هذا الملف خلال اللقاء، قائلاً إن هناك مناقشات بشأن التبادل التجاري بالعملات الوطنية، وإنشاء مدن صناعية تركية على الأراضي المصرية، واتخاذها بوابة الانطلاق نحو القارة الإفريقية، بالإضافة لتجديد اتفاقية “الرورو” (Ro-Ro)، لتسهيل صادرات تركيا لدول الخليج عبر الموانئ المصرية.

و”الرورو” اختصار لـ”roll-on”، و”roll-off”، وهو خط نقل بحري سريع، لنقل الحاصلات الزراعية سريعة التلف، وفق بيانات الهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

واعتبر بشير عبد الفتاح أن التعاون الاقتصادي يأتي على رأس أولويات الزيارة، في حين يأتي التعاون الأمني والعسكري في الدرجة التالية من الأهمية.

التعاون العسكري

قال الخبير في شؤون الأمن القومي اللواء محمد عبد الواحد إن الشق العسكري سيكون حاضراً على طاولة الرئيسين في لقاء القاهرة، موضحاً أن الفترة الماضية شهدت مناورات عسكرية بحرية مشتركة “بحر الصداقة”، والتي نُفذت سبتمبر الماضي كأول مناورة عسكرية بيت البلدين بعد توقف دام 13 عاماً.

وأضاف عبد الواحد في حديثه لـ”الشرق” أن التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة “حتمي” وليس رفاهية، خاصة في ظل “تغوّل” إسرائيل ومحاولتها فرض نفوذها بالمنطقة وصولاً للقرن الإفريقي، لافتاً إلى وجود تبادل معلومات وتعاون استخباراتي وأمني مشترك على مستوى القضايا والملفات الإقليمية، وكذلك مكافحة الجريمة والإرهاب.

وفي حين لفت الخبير في شؤون الأمن القومي النظر إلى شراء القاهرة في وقت سابق مسيّرات “بيرقدار تي بي 2” التركية، وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم عسكرية وأمنية، أشار لوجود مباحثات، لم تُحسم بعد، لمشاركة القاهرة في برنامج صناعة المقاتلة الشبحية التركية من الجيل الخامس “قآن-KAAN”.

واعتبر أن القاهرة ترغب بقوة في الحصول على إحدى المقاتلات الشبحية لخلق نوع من توازن القوى في المنطقة، وعليه يمكنها الانخراط مع أنقرة في مشروع المقاتلة الشبحية التركية.

وقبيل زيارة أردوغان للقاهرة في فبراير 2024، كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن موافقة بلاده على تزويد مصر بطائراتها المسيّرة المتطورة “بيرقدار تي بي 2”.

وأشار اللواء محمد عبد الواحد إلى رغبة القاهرة في الاستفادة من التكنولوجيا التركية المتطورة على مستوى صناعة الطائرات المسيرة والتي ظهرت بشكل واضح في الحرب الروسية الأوكرانية، لافتاً إلى وجود اتفاقية تعاون بين الهيئة العربية للتصنيع ومصانع تركية لتوطين تلك التكنولوجيا في مصر خلال الفترة المقبلة.

وفي أغسطس الماضي، وقعت الهيئة العربية للتصنيع المصرية وشركة “هافيلسان” التركية اتفاقية لإنتاج الطائرة المسيرة من طراز “تورخا” (VTOL-UAV) محلياً في مصر، داخل مصنع قادر للصناعات المتطورة، في خطوة تهدف إلى توطين تكنولوجيا الطائرات بدون طيار وتعزيز الشراكات الصناعية بين البلدين.

وبخلاف التعاون على مستوى التصنيع العسكري، أشار محمد عبد الواحد إلى أهمية التنسيق العسكري والأمني المتبادل في الملفات المتعلقة بمنطقة القرن الإفريقي، وبالتحديد الصومال والسودان، مؤكداً أن القاهرة وأنقرة تمتلكان موقفاً متطابقاً في هذا الملف، خاصة في ظل امتلاك الأخيرة أكبر قاعدة عسكرية خارج أراضيها في الصومال، والدور المحوري الذي تلعبه مصر على صعيد الملف السوداني أو القرن الإفريقي بشكل عام.

كما أشار إلى تضاعف أهمية هذا التنسيق عقب توجه إسرائيل للاعتراف بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي كدولة مستقلة، معتبراً أن التنسيق والتعاون المشترك بات “وجوبياً” لمواجهة خطر الوجود الإسرائيلي في تلك البقعة الهامة التي تطل على باب المندب والبحر الأحمر.

توقيت “شديد الحساسية”

على الناحية الأخرى، قال النائب السابق عن حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا رسول طوسون إن زيارة أردوغان للقاهرة ولقائه نظيره المصري، تأتي في وقت شديد الحساسية على صعيد ملفات عدة بالمنطقة.

وأوضح طوسون في حديثه لـ”الشرق” أن التوتر بين إيران وأميركا يتصاعد، في وقت جرى التصالح والدمج في شمال شرق سوريا بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والحكومة السورية، بالإضافة إلى التطورات في قطاع غزة، وكذلك تطورات اليمن، ومنطقة القرن الإفريقي، ملفات ستكون حاضرة بقوة على طاولة اللقاء.

وشدد عضو حزب “العدالة والتنمية” السابق على “أهمية كبرى” يضعها الرئيس التركي للعلاقات مع السعودية ومصر على وجه التحديد، كون تلك الدول تلعب دوراً هاماً للغاية في استقرار المنطقة وحل خلافاتها، وتتصل بشكل مباشر مع كل هذه الملفات.

وأشار إلى أن لقاء القاهرة سيشهد تبادل الأفكار والترتيبات فيما يتعلق بالخطوات المقبلة على صعيد ملفات غزة، والقضايا الاقليمية التي تتشابك فيها الدولتين.

ولفت النظر إلى أهمية خاصة تتعلق باجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين أنقرة والقاهرة، مشيراً إلى أن الطرفين سيوقعان عدة اتفاقيات من شأنها تقوية العلاقات الثنائية ومنحها المزيد من الزخم.

الملفات العالقة

بدوره، رأى أستاذ القانون والعلاقات الدولية سمير صالحة أن العلاقات الثنائية بشقها الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي، ستكون لها الأولوية في هذا اللقاء، خاصة مع التقارب الملحوظ في علاقات البلدين خلال السنوات الأخيرة، مبرهناً ذلك بأن الزيارة تعد الثالثة للرئيس التركي إلى مصر في غضون العامين الأخيرين.

وأضاف صالحة في تصريحات لـ”الشرق” أن ملف ترسيم الحدود البحرية في منطقة شرق المتوسط والطاقة، سيكون حاضراً على الطاولة، خاصة في ظل استحواذ الشق الاقتصادي على أهمية كبرى في هذا اللقاء، وحديث مسؤولي البلدين عن الرغبة في تعميق التبادل التجاري والاقتصادي.

ومضى قائلاً: “أنقرة لديها رغبة في مزيد من التنسيق مع القاهرة خاصة في الملفات التي تتشابك فيها البلدان”، مشيراً إلى أن الملفات العالقة كالملف الليبي وترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، مُرشحة لمزيد من التفاهمات والحلول في هذا اللقاء.

وختم صالحة حديثه بالإشارة إلى رغبة تركية في المضي قدماً بتحالف دفاعي رباعي يضم “تركيا، وباكستان، والسعودية، ومصر”، لافتاً إلى أن الرئيس التركي من المحتمل أن يناقش هذا الأمر مع نظيره المصري خلال اللقاء المرتقب.

شاركها.