تعود إذاعة الجمهورية العربية السورية إلى البث عبر الأثير من دمشق يوم الأربعاء، في خطوة تتجاوز بعدها التقني إلى أبعاد سياسية ومهنية أعمق، وتفتح باب التساؤل حول موقع الإعلام الرسمي في سوريا ما بعد سقوط النظام البائد، فعودة إذاعة دمشق، بوصفها واحدة من أقدم المؤسّسات السمعية في البلاد، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق إعادة بناء الدولة، ومحاولات إعادة تعريف دور الإعلام في سوريا.
وبحسب وسائل الإعلام فإن استئناف البث أثار أسئلة في الأوساط الثقافية حول طبيعة الخطاب الذي سيعود إلى الأثير، وحدود القطيعة مع مرحلة كان فيها الإعلام الرسمي جزءاً من منظومة السلطة، أكثر من كونه مساحة عامة تعكس تنوع المجتمع وقضاياه. وبين إرث تاريخي ثقيل ومحاولات معلنة للتجديد.
هذه الإذاعة العريقة التي لها فضل كبير في اكتشاف واشهار عدد من نجوم الغناء والطرب في الوطن العربي مثل فيروز وعبد الحليم حافظ وفايزة احمد ووديع الصافي وكان لأول مرة يسمع صوت فيروز في سوريا عبر اذاعة دمشق في السابعة صباحا.
بدوره، قال مدير إذاعة دمشق محمد الشيخ إنّ الفلسفة التحريرية الجديدة تنطلق من النظر إلى الإذاعة بوصفها مؤسّسة إعلامية وطنية ذات تاريخ عريق لا يمكن القفز فوقه أو إنكاره، وفي الوقت ذاته لا يجوز تحويله إلى عبء يقيّد الحاضر والمستقبل.
وأوضح أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة تعريف دور الإذاعة بما يتناسب مع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، ومع تطلعات جمهور يبحث عن إعلام مختلف في المضمون والأسلوب. وأضاف أن إذاعة دمشق اليوم تضع في صلب أولوياتها تقديم الخبر الدقيق، والتحليل الرصين، والخدمة العامة، مع الانفتاح الحقيقي على المجتمع ومختلف الآراء، ضمن إطار من المسؤولية الوطنية.
وأكّد أن الحديث عن القطيعة مع المرحلة السابقة، “لا يعني القطيعة مع تاريخ الإذاعة ولا مع مهنيتها، بل مع الممارسات التي قيّدت دورها، وحصرت خطابها ضمن قوالب جامدة وأطر دعائية، فالإذاعة، بحسب قوله، “تحافظ على تقاليدها المهنية الراسخة، وعلى مكانتها منصة إخبارية ذات حضور وطني، كما تحافظ على بعض البرامج الأرشيفية والقوالب التي أثبتت نجاحها وقربها من الجمهور”.
وتابع: “سنتجاوز الأساليب الدعائية التي سادت في الماضي، مع تحديث الخطاب التحريري، وتوسيع مساحة التحليل والتفاعل، بما يعكس واقع المجتمع السوري وتنوعه، ويمنح المستمع شعوراً بأن صوته مسموع وأن قضاياه مطروحة بجدية”.
وشدد على ضرورة تحقيق التوازن بين دور الإذاعة كونها مؤسسة وطنية ومتطلبات الحياد والمهنية الإعلامية والذي يقوم على الفصل الواضح بين الانحياز للوطن والانحياز للرأي الواحد، فدور إذاعة دمشق بصفتها مؤسسة وطنية يتمثل في حماية المصلحة العامة، وتعزيز الاستقرار المجتمعي، ونقل القضايا الوطنية بمسؤولية. وفي الوقت نفسه، أكّد الشيخ أن الإذاعة تلتزم بالمعايير المهنية من دقة في نقل الخبر، وتعدد في المصادر، وإتاحة المجال للآراء المختلفة، والتمييز الواضح بين الخبر والرأي، معتبراً ذلك ضرورية لاستعادة مصداقية المؤسسة وإعادة ترسيخ ثقة الجمهور بها.
اليوم تستعد اذاعة دمشق لانطلاقة جديدة بهوية اعلامية صوتية وبصرية متجددة في الرابع من شباط فبراير 2026 بالتزامن مع ذكرى تأسيسها التاسعة والسبعين حيث توسعت خريطتها البرامجية لتشمل أكثر من مئة برنامج متنوع وادخلت تقنيات حديثة وتوجهت نحو التحول الرقمي لبث رسالتها التي تأسست عليها.
اذاعة دمشق ليست مجرد محطة اذاعية بل هي جزء من الذاكرة السمعية والثقافية للسوريين والعرب سجل حي للتحولات التاريخية ومدرسة تخرج منها عمالقة الفن والاعلام.
المصدر: وكالة ستيب الاخبارية
