في إطار الجهود الدولية لدعم السودان وإنهاء الأزمة الإنسانية والسياسية الراهنة، نظمت وزارة الخارجية الأميركية الثلاثاء، جلسة حضرها عدد من كبار المسؤولين الدوليين، على رأسهم مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، والسفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة الأميركية، الأميرة ريما بنت بندر آل سعود، إلى جانب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، وممثلين عن دول عربية وإفريقية وأوروبية.
وأكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعود بولس، خلال الجلسة، أن المجموعة الرباعية أمضت 3 أشهر في إعداد خطة سلام شاملة للسودان، تقوم على 5 محاور رئيسية تشمل: “الجانب الإنساني، حماية المدنيين، وقف إطلاق النار، إطلاق عملية سياسية تقود إلى تشكيل حكومة مدنية، وإعادة الإعمار”، إلى جانب إنشاء آلية أممية لسحب القوات من بعض المدن.
من جانبها، شددت، الأميرة ريما بنت بندر، على موقف المملكة الثابت في دعم الشعب السوداني، مؤكدة أن الجهود الإنسانية والسياسية للمملكة تهدف إلى وقف المزيد من فقدان الأرواح ومنع تفاقم الأزمة، مع ضرورة تعبئة دولية عاجلة لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
خطة سلام شاملة.. والجانب الإنساني أولوية
وأوضح مسعد بولس أن خطة السلام الشاملة الخاصة بالسودان ستُعرض على مجلس الأمن الدولي بعد الحصول على موافقة الأطراف المعنية، محذراً من التداعيات الإقليمية الخطيرة لاستمرار الأزمة السودانية.
وأضاف بولس في تصريحات خاصة لـ”الشرق”، أنه “فيما يتعلق بالتصويت على قرار السلام، أود أن أقول إن أي قضية أو نزاع أو مبادرة يتم تبنيها من قبل مجلس السلام ستحظى بزخم كبير، وفي رأيي، ستكون مكمّلة بالتأكيد لأي جهود تتم تحت مظلة الأمم المتحدة”.
وتابع: “تحقيق السلام أمر يستغرق وقتاً، وهذا مؤسف للغاية.. كنا قد بدأنا نحقق بعض التقدم، ثم في نهاية أكتوبر شهدنا سقوط الفاشر، وحدثت عدة أمور أخرى بعد ذلك”.
وتابع: “لاحظنا في الأيام القليلة الماضية أن الأمور بدأت تتغير في الاتجاه المعاكس.. فالأمور تتأرجح صعوداً وهبوطاً، يميناً ويساراً، وهذه هي طبيعة هذه الحروب، وخاصةً الصراع السوداني”.
ومضى يقول: “نحن هنا اليوم، ولدينا جميع المتطلبات التقنية جاهزة، سواء كانت آلية الأمم المتحدة المتعلقة بالجانب الإنساني والمتعلقة بالانسحاب من بعض المدن، أو نزع السلاح”.
وأضاف المبعوث الأميركي قائلاً: “أحد الأمور التي تطورت الآن هو هذا المسار السياسي الذي يجب البدء به في أسرع وقت ممكن، وهذا يخص السودانيين.. لذا ستكون هناك حوارات سودانية شاملة ومنظمة للغاية، نعتمد فيها بشكل كبير على أصدقائنا في المملكة المتحدة والنرويج، وستكون هذه الحوارات منظمة بشكل جيد للغاية، وستؤدي إلى استنتاجات ونتائج مهمة للغاية”.
وأكد بولس أن المجتمع الدولي سيقدم الدعم الكامل للعملية السودانية، مشدداً على أن الخطوة الأولى ستكون التركيز على الجانب الإنساني.
وأضاف: “نحن متفائلون بحذر ووعي، ويجب أن نحافظ على هذا التفاؤل لمواصلة جهودنا”، وتابع: “لذا، لنبدأ بالقضية الإنسانية من خلال تطبيق الآلية الأممية، والانطلاق منها لتحقيق خطوات عملية ملموسة”.
آلية تابعة للأمم المتحدة
وتابع بولس خلال جلسة دعم السودان: “لقد عملنا مع شركائنا في المجموعة الرباعية لفترة طويلة، وكان أول إنجاز لنا البيان الصادر في 12 سبتمبر 2025، الذي رسم خارطة طريق للسلام”.
وأوضح أن هناك آلية تابعة للأمم المتحدة تتعلق بسحب القوات من بعض المدن ذات الأولوية، مؤكداً أنه تم الانتهاء من وضعها مؤخراً، وأن الأطراف اتفقت مبدئياً على بدء الانسحاب بموجبها، مع توقع الحصول على النص النهائي في الساعات المقبلة.
وأضاف أن التواصل مع قوات الدعم السريع مستمر، وأنها مستعدة للمضي قدماً في هذه الآلية الإنسانية، خاصة في مدينة الفاشر، مؤكداً حصولهم على الموافقة من حيث المبدأ.
وأوضح بولس أنهم “متفائلون بحذر، معتمدين على شركائهم في الرباعية وأصدقائهم الآخرين، بما في ذلك تركيا والمملكة المتحدة، لتحقيق هذا الإنجاز الأول”.
وأضاف أنهم عملوا على خطة سلام شاملة لمدة 3 أشهر، توصلوا خلالها إلى نص يُفترض أن يكون مقبولاً للطرفين، مشيراً إلى أن التركيز ليس على النص فقط، بل على تنفيذه، وأن الخطة تتضمن 5 محاور رئيسية، أولها الجانب الإنساني، وثانيها حماية المدنيين وعودتهم الآمنة، وثالثها وقف إطلاق النار الدائم.
أما المحور الرابع فقد أكد بولس أنه بالغ الأهمية،و هو العملية السياسية وعملية الانتقال إلى حكومة مدنية، وتابع: “أما المحور الخامس فهو إعادة الإعمار”، قائلاً: “سيكون هناك صندوق لإعادة الإعمار”.
وأكد بولس أن الرباعية وافقت على نص خطة السلام، مشيراً إلى أنه بعد موافقة الأطراف يمكن تقديم الاتفاق إلى الأمم المتحدة ومجلس السلام.
وأضاف أن الهدف هو عرض الخطة على مجلس الأمن، لتصبح مبادرة أممية رسمية وليست مجرد عملية رباعية، محذراً من التأثيرات الإقليمية للأزمة في السودان، وشدد على ضرورة تكثيف الجهود نحو حل سلمي، مع التأكيد أن الحل العسكري غير ممكن، وأن الحل يتطلب التعاون مع الجميع لتحقيق السلام.
السعودية: حماية الأرواح السودانية أولوية عاجلة
من جانبها قالت سفير المملكة العربية السعودية، الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان آل سعود، أثناء جلسة دعم السودان في الخارجية الأميركية: “هذا الموضوع يمثّل مسؤولية كبيرة تقع على عاتق كل فرد في هذه القاعة”.
وأشادت الأميرة ريما بنت بندر بالرئيس الأميركي، دونالد ترمب على قيادته في هذا الملف، موضحة: “قراراته الحاسمة سمحت لنا بالمضي قدماً على طريق السلام”.
وأضافت: “لقد اضطلعت حكومة الولايات المتحدة بدور محوري في تقديم التوجيه والدعم، ليس فقط لشعب السودان، بل لكل من هم بحاجة إلى المساعدة”.
وتابعت: “نحن ممتنون لهذه الشراكة، وممتنون لهذا الدعم، ولا سيما للدكتور مسعد بولس، على جهوده المتواصلة وتنقلاته الدؤوبة لضمان وصولنا إلى ما يجب أن نكون عليه”.
ومضت تقول: “اليوم، تتاح لنا فرصة العمل معاً للدعوة إلى تحرك مشترك من أجل الشعب السوداني”، موضحة أن “الدمار المستمر والأزمة المتفاقمة يفرضان علينا أن نضع حماية الأرواح البشرية في صدارة الأولويات”. وأشارت إلى أن الجميع لديه فرصة جعل هذا اللقاء نقطة تحوّل، ويجب الالتزام بذلك.
تعبئة دولية تتجاوز الأطر التقليدية
واستكملت الأميرة ريما بنت بندر حديثها قائلة: “يواجه السودان أزمة إنسانية حادة، تتأثر بها الأسر والأفراد بشكل عميق بسبب النزاع.. ولم يعد هذا النزاع مجرد مرحلة زمنية، بل تحوّل إلى أزمة خطيرة ذات احتياجات إنسانية ملحّة، تشمل المجاعة، وانهيار النظام الصحي، وتزايد أعداد النازحين واللاجئين بوتيرة متسارعة”.
وأضافت: “هذه الأزمة تضع أمامنا واقعاً لا يمكن ولا ينبغي تجاهله، ويتطلب تعبئة دولية فورية وشاملة، تتجاوز بكثير أطر الاستجابة الإنسانية التقليدية”.
وأوضحت أنه منذ اندلاع هذه الأزمة، “عملت المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وفق مبدأ مفاده أن منع التصعيد يتطلب مساراً مزدوجاً، يجمع بين العمل الإنساني والحلول السياسية الجادة”.
وأردفت: “في 11 مايو 2023، استضافت المملكة محادثات جدة التي أفضت إلى توقيع إعلان جدة بين طرفي النزاع، بهدف حماية المدنيين ضمن أطر قانونية وأخلاقية”، وبناءً على ذلك، أُطلقت في أكتوبر 2023 جولة ثانية من المحادثات، كان تركيزها على القضايا الإنسانية والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
وشددت على موقف المملكة العربية السعودية الثابت، مؤكدة أنها ستواصل العمل بشكل وثيق مع شركائها في إطار المجموعة الرباعية، ومع جميع المنظمات الدولية الراغبة في إنهاء هذه الأزمة، انطلاقاً من هدف بسيط وملح وهو “وقف المزيد من فقدان الأرواح، ومنع تفاقم الأزمة الإنسانية”.
جهود الإغاثة الإنسانية
وأكدت الأميرة ريما بنت بندر، مواصلة دعم الشعب السوداني بالمساعدات الإغاثية الأساسية من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذراع الإنسانية للمملكة، موضحة أن ذلك يتم بالتعاون مع الأمم المتحدة والشركاء المحليين والدوليين، حيث قدم المركز إمدادات طبية أساسية، ومساعدات غذائية، ومأوى، ودعماً بيئياً.
وشملت هذه الجهود تسيير رحلات جوية وسفن محمّلة بالمساعدات، وتقديم ما يقارب 100مليون دولار من الدعم، ليس فقط منذ عام 2023، بل حتى قبل اندلاع الأزمة، عبر الجسور الجوية والبحرية والبرية. ولم تكن الحاجة إلى استمرار هذا الدعم يوماً أكثر إلحاحاً مما هي عليه الآن، وفق ما ذكرت الاميرة ريما بنت بندر.
وتابعت: “كما وقّع الصندوق السعودي للتنمية، بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، اتفاقاً لتوفير المياه الآمنة في السودان، لأن الشباب، من النساء والرجال، لا يمكنهم الانتظار”، مشيرة إلى أنهم “بحاجة إلى المساعدة، وبحاجة إلى الدعم، وبحاجة إليه الآن”.
وجددت تأكيدها على أن أزمة السودان في صدارة أولويات السعودية، “ليس فقط على الصعيد الإنساني، بل أيضاً على الصعيد السياسي.. فالسودانيون جيراننا وأصدقاؤنا”. ولفتت إلى التزام المملكة بمواصلة تلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب السوداني، ودعم الجهود السياسية الرامية إلى إنهاء الأزمة”.
وحثت السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، المجتمع الدولي على العمل معاً، بجدية وفعالية، للتوصل إلى حل شامل ومستدام لأزمة السودان، كما أشارت إلى أن هذا حل تعمل عليه الرياض عن كثب مع واشنطن وشركائهم، آملة أن يتحقق هذا “عاجلاً لا آجلاً، لأن الشعب السوداني، مرة أخرى، لا يستطيع انتظار توافقنا”.
واختممت حديثها قائلة: “إنهم بحاجة إلى الدعم اليوم.. ونريد أن نضمن أن يكون سودان اليوم قادراً على توفير الأمن والاستقرار لشعبه، وبناء الدولة التي يتطلعون إليها”.
