سالم بن حمد الحجري

 

لم تكن المُواجهة العسكرية المُباشرة بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025 حدثًا عابرًا في سياق الصراع الطويل بين الطرفين؛ بل شكّلت لحظة مفصلية كشفت انهيار قواعد اشتباك ظلّت تضبط هذا الصراع لسنوات؛ فالحرب القصيرة التي لم تتجاوز اثني عشر يومًا أنهت عمليًا مرحلة المواجهات غير المباشرة، ودفعت بالصراع إلى العلن، ضمن نمط جديد من التصعيد المحسوب، لكنه بالغ الهشاشة وقابل للانفلات في أي لحظة.

ورغم التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النَّار، فإن ما أعقب الحرب بدا أكثر اضطرابًا من أي وقت مضى؛ فإيران وإسرائيل خرجتا من المواجهة دون حسم حقيقي، ودون إعادة ترميم واضحة لمعادلة الردع، ما جعل المنطقة تقف أمام واقع جديد يتسم بتآكل الضوابط التقليدية، وارتفاع احتمالات سوء التقدير. السؤال لم يعد مرتبطًا بما إذا كان الصراع سيتجدد، بل بتوقيت وشكل هذا التجدد وحدوده.

بدأت حرب يونيو 2025 بضربة إسرائيلية خاطفة استهدفت منشآت نووية ومواقع عسكرية داخل إيران، وترافقت مع عمليات اغتيال نوعية طالت قيادات بارزة في البنية العسكرية الإيرانية. الرد الإيراني جاء واسعًا وغير مسبوق، عبر موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت العمق الإسرائيلي، في خطوة أنهت عمليًا منطق العمل من خلف الستار، وكرّست الانتقال إلى مواجهة مباشرة تحمل مخاطر مضاعفة. لكن الأخطر من مجريات الحرب نفسها، كان ما كشفته من هشاشة في التوازن القائم؛ فعلى الرغم من امتلاك الطرفين قدرات عسكرية كبيرة، فإنَّ هذه القدرات لم تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وهو ما يشير إلى أن الردع لم يعد يعمل بالكفاءة ذاتها، وأن كلفة استخدام القوة باتت أقل ردعًا مما كانت عليه في السابق.

تتراكم عدة عوامل تجعل احتمال تجدد الصراع قائمًا، وربما مرجحًا في بعض السيناريوهات. في مقدمة هذه العوامل يأتي الملف النووي الإيراني، الذي لا يزال يمثل جوهر الصدام الاستراتيجي؛ فرغم الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني نتيجة ضربات 2025، فإن إسرائيل تنظر إلى أي تقدم مهما كان محدودًا بوصفه تهديدًا وجوديًا يستدعي التحرك الاستباقي. في المقابل، ترى طهران أن التراجع تحت الضغط العسكري يعني تقويض مشروعها الإقليمي ومكانتها كقوة صاعدة في الشرق الأوسط.

إلى جانب ذلك، تؤدي ساحات المواجهة غير المباشرة دورًا محوريًا في إبقاء التوتر مرتفعًا؛ فشبكة الفصائل الحليفة لإيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن تتيح لطهران هامشًا واسعًا للمناورة والضغط، لكنها في الوقت ذاته تخلق بيئة قابلة للاشتعال غير المقصود؛ حيث يمكن لحادث محدود أن يتدحرج سريعًا إلى مواجهة أوسع.

ويُضاف إلى ذلك عامل الصواريخ والدفاعات الجوية؛ حيث تمتلك إيران ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة، في مقابل منظومات دفاع جوي إسرائيلية متطورة ومتعددة الطبقات. غير أنَّ تجربة حرب 2025 أظهرت أن أي منظومة دفاع، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع توفير حماية كاملة في حال التصعيد الواسع، ما يجعل الجبهة الداخلية لدى الطرفين أكثر عرضة للضغط والاستنزاف.

ولا يمكن فصل هذا الصراع عن سياقه الإقليمي والدولي الأوسع؛ فالمواجهة بين إيران وإسرائيل باتت جزءًا من عملية إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، في ظل تحولات كبرى تطال أدوار القوى التقليدية وصعود تحالفات جديدة. إيران، من جهتها، عززت علاقاتها مع روسيا والصين، في محاولة لكسر العزلة الغربية وبناء مظلة سياسية واقتصادية تقلل من أثر العقوبات. ورغم أن هذه الشراكات لا ترقى إلى مستوى تحالفات أمنية صلبة، فإنها تمنح طهران هامش مناورة أوسع على الساحة الدولية.

في المقابل، تستند إسرائيل إلى دعم أمريكي ثابت، وإلى شبكة علاقات متنامية مع عدد من الدول العربية، ومنها دول خليجية؛ ما يوفر لها عمقًا سياسيًا واقتصاديًا إضافيًا. غير أن هذا الانفتاح الإقليمي لا يعني بالضرورة استعداد هذه الدول لتحمُّل كلفة حرب إقليمية واسعة، خصوصًا في ظل المخاطر التي قد تطال أمن الطاقة والملاحة البحرية.

وتبرُز هنا أهمية مضيق هرمز بوصفه أحد أكثر النقاط حساسية في أي تصعيد محتمل؛ فمرور نحو خُمس تجارة النفط العالمية عبر هذا الممر يجعل أي تهديد له ذا تبعات دولية مباشرة، وهو ما يدفع قوى كبرى إلى محاولة ضبط إيقاع الصراع، دون أن تمتلك بالضرورة القدرة على فرض تسوية دائمة.

وتمارس الولايات المتحدة دورًا بالغ التعقيد في هذا المشهد. فمن جهة، تواصل تقديم دعم سياسي وعسكري واسع لإسرائيل، وتشارك أحيانًا بشكل مباشر في عمليات محددة. ومن جهة أخرى، تدرك أن الانخراط الكامل في حرب مفتوحة مع إيران قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه. هذا التناقض يفسر السياسة الأمريكية القائمة على دعم التفوق الإسرائيلي، مع السعي في الوقت ذاته إلى منع التصعيد الشامل، وهي معادلة دقيقة تبقى عرضة للاهتزاز في أي لحظة.

على الصعيد العسكري، تعتمد إيران على قوة غير متماثلة تقوم على الصواريخ والمسيّرات وشبكات النفوذ الإقليمي، ما يمنحها قدرة على الاستنزاف عبر جبهات متعددة. إلّا أن هذه القوة تصطدم بقيود اقتصادية خانقة تحد من قدرتها على التطوير التقني السريع. في المقابل، تعتمد إسرائيل على تفوق جوي واستخباراتي واضح، وقدرة على تنفيذ ضربات دقيقة وعميقة، لكنها تواجه تحدي حماية جبهتها الداخلية في حال اندلاع مواجهة طويلة الأمد.

أما العامل الاقتصادي، فيُشكِّل عنصرًا كابحًا نسبيًا، لكنه لا يصل إلى حد منع الصراع؛ فالاقتصاد الإيراني يعاني من ضغوط هيكلية كبيرة، في حين يتمتع الاقتصاد الإسرائيلي بمرونة أعلى، وإن كانت الحروب المتكررة تفرض عليه كلفة متزايدة. ومع ذلك، تُظهر تجارب المنطقة أن الاعتبارات الأمنية غالبًا ما تتقدم على الحسابات الاقتصادية عندما تصل التوترات إلى مستويات حرجة.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة من التوتر المستدام؛ حيث يبقى التصعيد المحدود والمتقطع هو السيناريو الأرجح، دون استبعاد الانزلاق إلى مواجهة أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو حادث غير محسوب. حرب 2025 لم تكن نهاية الصراع بين إيران وإسرائيل؛ بل كانت بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، تتراجع فيها قدرة الردع التقليدي، وتزداد فيها مخاطر المواجهة المفتوحة.

شاركها.