بدرية بنت سعيد بن ناصر المعمري **
الكثيرون تابعوا المؤتمر السنوي للادعاء العام بحضور سعادة المدعي العام شخصيًا بجانب عددٍ من المسؤولين في هذه المؤسسة الوطنية؛ حيث عُرضت الإحصائيات بشفافية وطرح مُتزن يُخاطب كل شرائح المجتمع، ومثل هذه الأمور قد لا تحدث في جميع الدول، لكن ذلك المؤتمر جسَّد عنوان المرحلة “الشعور بعدالة الإجراء”.
المؤتمر تضمن الكشف عن إحصائيات الجرائم المختلفة التي ارتُكبت خلال عام 2025، وهي نوعًا ما تعد منخفضة أو لا تُشكِّل صدمة أو عدم توقع وجودها؛ وذلك نتيجة التطورات الحالية في ظل الرقمنة والجرائم المستحدثة والمعقدة والعوامل الأخرى. ويأتي هذا المستوى المتكرر من أعداد القضايا لأسباب تطرح تساؤلات أعمق، لا بُد من طرحها، وأهمها: ما مدى ملاءمة العقوبات الحالية للجرائم؟ ومدى جاهزية المجرم بعد إتمامه العقوبة لمواجهة الحياة السليمة في المجتمع؟ مع عدم إنكار العديد من العوامل التي تدرج تحت الأسباب المسلم بها والمتعارف عليها في عالم الجريمة.
غير أنَّ العدد الحقيقي الذي يُشكِّل تحديًا، ويدق ناقوس الخطر، ذلك الذي يشير إلى فئة هم عماد المجتمع مستقبلًا وهم الناشئة، ما يستدعي حراكًا قانونيًا وقضائيًا وأمنيًا وأسريًا. وبحسب الإحصائيات، فإن إجمالي جرائم التحرش الواقعة على الطفل خلال عام 2025 بلغت 1246 قضية. ونحن اليوم نقف على أعتاب جرائم أخرى ومتوقع تزايدها على الطفل.
والحديث عن الطفل يعني الحديث عن براءة، عن قضية طرف فيها كائن لا يملك الدفاع عن نفسه، كائن يصعب عليه الفهم الواضح والدقيق لمجريات الأمور، لذلك أتت المسؤولية على المجتمع ككل، والتوعية تطال الجميع؛ ففي كل منزل وعائلة وقرية ومنطقة، هناك طفل وأرواح بريئة وجب حمايتها وضمان الوسائل المكثفة والفعالة بعدم التعدي عليهم.
تبدأ رحلة الشعور بعدالة الإجراء من لبنة العلاجات الوقائية للطفل والحدث، من خلال تكثيف دور الرقابة، ووضع منظومة مستجدة ومراكز متطورة للحدث والضحايا، واتخاذ تدابير إصلاحية للحدث تتلاءم مع الواقع المُعاش، مثل: إطلاق برنامج وطني أو مبادرة وطنية تتبناها المؤسسات القضائية بالشراكة مع المدارس والأسر، تتضمن محاضرات توعوية بمخاطر مثل هذه القضايا.
هذا إلى جانب، إنشاء محاكم ووحدات خاصة لكل مسائل وقضايا الطفل والحدث وفقًا لقانون الأحداث الصادر عام 2008. كما نأمل إدراج منهج تعليمي قانوني مُبسَّط لطلاب المدارس يُعزز معارف الطفل بحقوقه وكيفية التصرف لحظة الاعتداء عليه، فضلًا عن زيادة الجرعة القيمية التي تحمي الطفل من الانحراف لكي لا يصبح حدثًا جانحًا في المستقبل، لا قدر الله. إننا بحاجة كذلك لنصوص تشريعية تُعنى بوضح الحد القانوني لحماية الطفل من الاستغلال في الإعلانات والإساءة لهم، وقد أعددنا بمبادرة شخصية مقترحًا لنصوص المواد القانونية المأمولة وكذلك تفاصيل البرنامج التوعوي المنشود.
وختامًا.. إننا نؤمن أنَّ حماية الطفل من الجرائم لا تبدأ في ردهات المحاكم؛ بل تنطلق من نواة المجتمع، ذلك المجتمع الذي يحمي ويحتوي.. المجتمع الذي يغرس الأمان، ليحصد جيلًا قويًا لا ينكسر.
** محامية
