توصلت دراسة حديثة إلى الكيفية التي تسهم بها الطفرات الجينية في نمو الأورام السرطانية، في خطوة هامة نحو فهم أدق لآليات نشوء مرض السرطان وتطوره، وفتح آفاق جديدة أمام تطوير علاجات أكثر تخصيصاً تستند إلى الخصائص الجزيئية الدقيقة لكل ورم. 

وقدمت الدراسة، التي نشرتها دورية Nature Gentics خريطة شاملة توضح تأثير مئات الطفرات المحتملة في أحد الجينات المحورية المرتبطة بالسرطان، ما يمنح الباحثين أداة قوية للتنبؤ بسلوك الأورام واستجابتها للعلاج.

وركزت الدراسة على جين يعرف باسم CTNNB1، وهو الجين المسؤول عن إنتاج بروتين بيتا-كاتينين، الذي يلعب دورا أساسياً في تنظيم نمو الأنسجة وتجديدها والحفاظ على توازن انقسام الخلايا.

ويخضع هذا البروتين في الظروف الطبيعية، لنظام دقيق من الضبط، إذ يجري التخلص منه عندما لا تكون هناك حاجة إليه، بما يمنع الخلايا من الانقسام المفرط؛غير أن أي خلل في هذا النظام، وتحديداً في آلية تدمير “بيتا-كاتينين” يمكن أن يؤدي إلى تراكمه داخل الخلايا وتنشيط جينات تحفز النمو غير المنضبط، وهو أحد السمات الأساسية للسرطان.

ما هي الطفرات الجينية؟

  •  تغيرات مفاجئة ودائمة في تسلسل النيوكليوتيدات -الوحدات الأساسية- المكونة للحمض النووي.
  •  ربما تحدث نتيجة خطأ عشوائي أثناء عملية نسخ الحمض النووي عن انقسام الخلايا.
  • يمكن أن تنتج عن التعرض لعوامل بيئية مثل الإشعاع، والمواد الكيميائية السامة، أو الفيروسات.
  • الطفرات جينية النقطية تؤثر في جين واحد فقط عن طريق استبدال أو حذف أو إضافة قاعدة نيتروجينية واحدة أو أكثر.
  • الطفرات الكروموسومية تغيرات أضخم تشمل أجزاء كاملة من الكروموسوم أو تغير في عدد الكروموسومات ككل.
  • إذا حدثت الطفرة في الخلايا التناسلية فإنها تنتقل للأبناء، أما إذا حدثت في الخلايا الجسدية فلا تورث.
  • قد تكون “صامتة” لا تسبب أي ضرر، أو “ضارة” تسبب أمراضاً وراثية، أو “نافعة” تساعد الكائن على التكيف مع بيئته.

أوضحت الدراسة أن العديد من أنواع السرطان تحمل طفرات تتركز في منطقة صغيرة تعرف بـ”النقطة الساخنة” داخل هذ الجين، وتعمل هذه المنطقة في الحالة الطبيعية كعلامة تشير إلى ضرورة تدمير بروتين “بيتا-كاتينين” عند انتهاء دوره. 

لكن الطفرات التي تصيب هذه النقطة تزيل تلك العلامة، ما يسمح للبروتين بالتراكم والاستمرار في إرسال إشارات تحفز انقسام الخلايا وتكاثرها بشكل غير طبيعي.

ورغم رصد أكثر من 70 طفرة مختلفة في هذه المنطقة عبر أنواع متعددة من السرطان، إلا أن السؤال ظل قائماً عما إذا كانت كل هذه الطفرات تؤدي التأثير ذاته، أم أن لكل منها بصمة مختلفة على نمو الورم وسلوكه.

للإجابة عن هذا التساؤل، أجرى باحثون من جامعة “إدنبرة” في بريطانيا تجربة لاختبار جميع التغيرات الأحادية الممكنة في هذه النقطة الساخنة، والبالغ عددها 342 طفرة محتملة.

واستخدم الباحثون خلايا جذعية مأخوذة من الفئران، لكونها مناسبة بدقة عالية للتعديل الجيني، إضافة إلى أن مسار إشارات بيتا-كاتينين محفوظ بدرجة كبيرة بين الفئران والبشر، ما يجعل النتائج قابلة للتطبيق على السرطان الذي يصيب البشر. 

ما هو بروتين بيتا كاتينين؟

  •  يعمل في مكانين مختلفين؛ فهو جزء من “الغراء” الذي يربط الخلايا ببعضها عند أغشية الخلايا، كما يعمل كمنظم لنشاط الجينات داخل النواة.
  • يعتبر المحرك الأساسي لمسار بروتيني يتحكم في نمو الأنسجة، وتطور الأجنة، وتجديد الخلايا الجذعية.
  • في الحالة الطبيعية -عند غياب إشارة النمو- تقوم الخلية بتكسير بيتا-كاتينين باستمرار عبر “مجمع تدمير” بروتيني، لمنعه من التراكم والدخول إلى النواة بشكل غير منضبط.
  • إذا حدثت طفرة جينية تمنع تكسير البروتين، فإنه يتراكم ويدخل النواة ويحفز انقسام الخلايا بشكل جنوني، مما يؤدي لنشوء الأورام، خاصة سرطان القولون والمستقيم.
  • يرتبط ببروتينات تسمى “إي-كاديرينات” مما يساعد في تثبيت الهيكل الداخلي للخلية والحفاظ على تماسك الأنسجة الظهارية.

واعتمد الباحثون على أدوات متقدمة للتحرير الجيني، إلى جانب اختبار فلوري يسمح بقياس مستوى تنشيط مسار بيتا-كاتينين بدقة لكل طفرة على حدة.

وأظهرت النتائج تبايناً واسعاً في تأثير الطفرات المختلفة؛ فبينما أدت بعض الطفرات إلى زيادة طفيفة فقط في نشاط بيتا-كاتينين، تسببت طفرات أخرى في تنشيط قوي للغاية للمسار الجزيئي المسؤول عن تشغيل الجينات المحفزة للنمو الخلوي. 

وكشف هذا التفاوت أن الطفرات ليست متساوية في قدرتها على دفع الورم، بل إن “قوة” الطفرة تلعب دوراً حاسماً في تحديد سرعة نمو السرطان وخصائصه البيولوجية.

ولم تقتصر أهمية النتائج على التجارب المعملية، إذ قارن الباحثون بياناتهم مع المعلومات الجينية المستمدة من آلاف مرضى السرطان، وأظهرت المقارنة أن الدرجات التي حددها الفريق لقوة كل طفرة كانت قادرة بدقة عالية على التنبؤ بتأثير هذه الطفرات في البشر. 

وعزز هذا الترابط القوي بين النتائج التجريبية والبيانات السريرية من موثوقية الخريطة الجديدة، وأكد أنها تعكس واقع ما يحدث داخل الأورام البشرية.

وكشفت الدراسة أن أنواع السرطان المختلفة تميل إلى اختيار طفرات تنتج مستويات متفاوتة من نشاط بيتا-كاتينين، تبعاً للنسيج الذي ينشأ فيه الورم، ففي سرطان الكبد، على سبيل المثال، رصد الباحثون وجود مجموعتين رئيسيتين من الأورام؛ الأولى تحمل طفرات أضعف نسبياً في جين CTNNB1، وتتميز بوجود عدد أكبر من الخلايا المناعية داخل الورم، في حين تضم المجموعة الثانية أوراماً ذات طفرات أقوى، وتحتوي على عدد أقل من هذه الخلايا.

وتعني هذه النتيجة أن شدة الطفرة قد تؤثر في الطريقة التي يتفاعل بها الورم مع الجهاز المناعي.

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يحمل دلالات علاجية بالغة الأهمية، إذ قد يساعد في تفسير سبب استجابة بعض الأورام للعلاج المناعي، في حين تقاومه أورام أخرى، فإذا كانت قوة الطفرة الجينية تؤثر بالفعل في البيئة المناعية المحيطة بالورم، فإن تصنيف المرضى وفق نوع الطفرة وشدتها ربما يسهم في توجيه خيارات العلاج بشكل أكثر دقة، وتحديد من هم الأكثر استفادة من العلاجات المناعية الحديثة.

وقال قائد فريق الدراسة، أندرو وود، الباحث في علم الوراثة والسرطان بجامعة إدنبرة، إن الخريطة الجديدة تمثل أداة قوية للتنبؤ بتأثير طفراتCTNNB1 المحددة على سلوك السرطان، وربما تدعم تطوير علاجات أكثر تخصيصاً للمرضى.

وأضاف أن الدراسة تعد الأولى من نوعها التي تختبر تجريبياً كل طفرة ممكنة في هذه المنطقة الحرجة من الجين، ما يمنح العلماء صورة أوضح عن كيفية دفع بيتا-كاتينين لنمو الأورام عبر أنواع مختلفة من السرطان.

شاركها.