شهدت مدينتا الحسكة والقامشلي خلال الأيام القليلة الماضية دخول قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية، وهي مناطق كانت حتى أمد قريب تحت السيطرة المطلقة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

هذا التطور الميداني، جاء نتيجة خطوات تنفيذية لاتفاق وقف إطلاق النار الشامل بين الحكومة و”قسد” الذي جاء برعاية دولية، وأعلن عنه في 30 من كانون الثاني الماضي.

وبينما كانت شوارع الحسكة تراقب مرور الآليات التي تحمل العناصر بأسلحتهم الخفيفة، انقسم الشارع المحلي بين متفائل بانفراجة خدمية وإدارية طال انتظارها، وبين متوجس يرى في هذا التطور فتيلًا قد يشتعل في أي لحظة، معيدًا مشهد الصدامات العسكرية التي جرت خلال الأيام الأخيرة في الرقة ودير الزور.

الوجود الجديد للقوات الحكومية في نقاط تماس حساسة، يضع “قوى الأمن الداخلي” (أسايش) التابعة لـ”قسد” أمام تحدي التنسيق اليومي المباشر، وهو ما يجعل السكان في حالة ترقب مستمر لما ستؤول إليه الأمور على الأرض.

ترحيب تشوبه مخاوف

في “سوق الهال” بمدينة الحسكة، يرى “أبو رائد” (52 عامًا)، وهو تاجر جملة، أن أي اتفاق يقلل من الحواجز هو مكسب للمواطن.

وقال “أبو رائد” ل، “نحن في الحسكة كنا نعيش في أيام النظام السابق داخل جزر معزولة. التاجر يعاني لإيصال بضاعته من المربع الأمني إلى الأحياء الأخرى، ودخول قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية ضمن اتفاق رسمي برعاية دولية قد ينهي حالة الإتاوات والتعقيدات على الحواجز المتبادلة، وأتمنى ألا نكرر تجربة المربعات الأمنية السابقة. نحن نرحب بهذا الاتفاق إذا كان سيؤدي فعلًا إلى فتح الطرقات بشكل دائم وتنشيط الحركة التجارية التي خنقها التوتر العسكري”.

لكن “أبو رائد” لم يخفِ قلقه معبرًا عن ذلك بقوله، “كلما رأينا تقاربًا، نخشى من الانتكاسة. مشكلتنا هي أن أي احتكاك فردي بين عنصر من الحكومة وعنصر من (أسايش) قد يحول المدينة إلى ساحة حرب. الترحيب بالاتفاق موجود، لكن التوجس من عودة الصدام العسكري يسكننا جميعًا، فالسلاح منتشر بكثرة، والنفوس مشحونة”.

“سلاح ذو حدين”

بالنسبة لسارة (30 عامًا)، وهي ناشطة في منظمات المجتمع المدني، فإن الاتفاق يمثل “سلاحًا ذا حدين”.

ترى سارة أن وجود الحكومة السورية بشكل أكثر فاعلية في القامشلي والحسكة قد يسهل على السكان استخراج الوثائق الرسمية، وجوازات السفر، وتثبيت عقود الملكية دون الحاجة للسفر الشاق إلى دمشق أو مواجهة مخاطر الطريق.

وقالت سارة ل، إن دخول دفعتين من الأمن الداخلي يعني تفعيلًا أكبر للمقار الحكومية، وهذا أمر يخدم المدنيين في تسيير أمورهم القانونية، وأضافت أن الرعاية الدولية للاتفاق “تعطينا نوعًا من الأمل في أن هناك ضمانات دولية لعدم استمرار التجاوزات الأمنية”.

لكن الشابة أبدت قلقها من التداخل الخاص بين القوتين (الحكومة وأسايش)، متسائلة، “كيف سيتم الفصل في الصلاحيات؟ نحن نخشى من عودة الملاحقات الأمنية من قبل (أسايش) بأساليب جديدة تحت غطاء هذا الاتفاق. كما أننا نتوجس من أن يكون هذا التواجد مقدمة لصراع نفوذ يؤدي في النهاية إلى صدام عسكري يدفع ثمنه المدنيون، كما حدث في معارك الشيخ مقصود والأشرفية بحلب”.

وعود هشة

في حي العزيزية، يجلس محمود (64 عامًا) أمام منزله، يراقب المارة بعينين خبيرتين بتقلبات السياسة في الجزيرة السورية.

بالنسبة لمحمود، فإن دخول القوات التابعة للحكومة السورية ليس خبرًا جديدًا بقدر ما هو تكرار لسيناريوهات سابقة في أماكن أخرى (يشير إلى حلب) لم تجلب استقرارًا مستدامًا.

وقال محمود ل، “نحن نرحب بالاتفاق إذا كان سيحمي بيوتنا من القصف والدمار. نحن أبناء هذه الأرض ونريد أن نرى الحكومة و(قسد) يتفقان بدلًا من الاقتتال، لكن التاريخ يعلمنا أن هذه الاتفاقات هشّة كزجاج النوافذ في وقت الانفجار. دخول الدفعتين بأسلحتهما إلى قلب المدن هو وضع (البارود بجانب النار). الرعاية الدولية للاتفاق قد تضبط الأمور لفترة، لكن ماذا لو اختلفوا مجددا؟”

وأضاف، “توجسنا نابع من أن الحسكة لا تحتمل جولة قتال أخرى. نحن نريد اتفاقًا يضمن لنا الأمن لا أن يأتي بالمسلحين إلى شوارعنا الضيقة. نأمل أن تكون هذه المرة مختلفة، لكننا ننام وعيوننا مفتوحة، تحسبًا لأي طلقة طائشة تنهي هذا الهدوء الحذر”.

ويواجه الاتفاق الأخير تحديات، أبرزها القدرة على رسم حدود واضحة للصلاحيات بين قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية، و”أسايش” التابعة لـ”قسد”، فالتداخل الجغرافي في الحسكة والقامشلي يجعل من الصعب تجنب الاحتكاك اليومي، خاصة في المناطق الحيوية مثل الأسواق والمراكز الإدارية.

ويبقى الصدام العسكري الاحتمال الأكثر رعبًا للسكان، الذين باتوا يربطون بين أي تحرك أمني جديد واحتمالية اندلاع مواجهة شاملة قد لا تنتهي بانسحاب طرف لمصلحة الآخر.

الترقب سيد الموقف

يبقى المشهد في الحسكة والقامشلي معلقًا بين رغبة الأهالي في إنهاء حالة التمزق الإداري والأمني، وخوفهم من أن يكون هذا الاتفاق مجرد “هدنة مؤقتة” لإعادة ترتيب الأوراق العسكرية.

ومع دخول القوات الحكومية إلى المدينتين وبدء انتشارها، تظل الأعين شاخصة نحو نقاط التماس، بانتظار ما إذا كانت الرعاية الدولية ستنجح في تحويل هذا الاتفاق إلى استقرار دائم، أم أن الحسكة ستظل “برميل بارود” ينتظر شرارة المواجهة.

وكان رتلان من الأمن الداخلي التابع للحكومة السورية دخلا تباعًا خلال اليومين الماضين (2 و3 من شباط الحالي) إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، تنفيذًا للاتفاق الذي تم الإعلان عنه بين الحكومة السورية و”قسد” في 30 من كانون الثاني الماضي، إثر مواجهات عسكرية أدت إلى إنهاء سيطرة “قسد” على محافظة الرقة وأرياف دير الزور والحسكة، فيما بقيت أجزاء من الأخيرة بيد “قسد” وسط حشد الجانبين لقوى عسكرية على خطوط التماس.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.