خلف غبار الاتفاقيات العسكرية والتحركات الميدانية المتسارعة في شمال شرقي سوريا، تبرز مأساة إنسانية صامتة في مدينة الحسكة وضواحيها. فبينما تتبدل خرائط السيطرة وتوقع التفاهمات بين الأطراف الفاعلة، يظل “صنبور الماء” غائبًا عن طاولات التفاوض، ليدخل انقطاع محطة مياه “علوك” عامه الثاني، وسط صمت دولي وتجاهل محلي يفاقمان معاناة نحو مليون مدني.
في مدينة تل تمر وريفها، وصولًا إلى أحياء الحسكة المكتظة، لم تعد جودة المياه هي الهاجس الوحيد، بل بات مجرد الحصول عليها “معركة يومية”، تُستنزف فيها طاقات الأهالي ومواردهم المالية، في ظل غياب أي أفق لتشغيل محطة “علوك”، التي سيطر عليها “الجيش الوطني السوري” (فصائل معارضة مدعومة من تركيا) في مدينة رأس العين منذ أواخر عام 2019.
اتفاق “ناقص” وتجاهل للملف الإنساني
أثار الاتفاق الموقع في 30 من كانون الثاني 2026، بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، موجة إحباط لدى سكان المنطقة. إذ ركز الاتفاق على ترتيبات عسكرية وإدارية في بعض مناطق التماس، من دون أن يتضمن أي بند يتعلق بمحطة مياه “علوك”، أو تحييد ملف المياه عن الصراعات السياسية والعسكرية.
ومع سيطرة قوات الحكومة السورية مؤخرًا على منطقة تل براك في ريف الحسكة، ازدادت التعقيدات الميدانية، ما أثر في حركة الصهاريج التي كانت تعتمد على مناهل تلك المنطقة، وضاعف من حالة القلق الشعبي.
“بورصة” الصهاريج تلتهم الرواتب
مع جفاف خطوط المياه، تحولت صهاريج المياه إلى المنفذ شبه الوحيد للسكان، لكنها باتت في الوقت نفسه تجارة رابحة تُثقل كاهل المواطنين.
وسجلت أسعار المياه أرقامًا قياسية، إذ وصل سعر المتر المكعب الواحد في بعض أحياء الحسكة إلى 100 ألف ليرة سورية (نحو 9 دولارات).
“أبو محمود” (45 عامًا)، وهو موظف وأب لخمسة أطفال من حي غويران، قال ل، “نحتاج إلى خزانين أسبوعيًا كحد أدنى، وراتبي الشهري بالكاد يغطي ثمن المياه. نعيش مفاضلة قاسية بين شراء الخبز أو شراء الماء. السياسيون يتصافحون في الغرف المغلقة، ونحن هنا ننتظر رحمة صاحب الصهريج”.
ولا تقتصر المشكلة على الأسعار، بل تمتد إلى جودة المياه، إذ تُنقل من مناهل قريبة في مناطق الحمة وشموكة وتل براك، وغالبًا ما تكون غير معالجة بشكل كافٍ، أو ملوثة نتيجة سوء التخزين في الصهاريج، ما أدى إلى انتشار أمراض هضمية وجلدية، خاصة بين الأطفال.
محاولات إغاثية محدودة
وسط هذا العجز الحكومي والمحلي، تحاول بعض المنظمات الدولية، وفي مقدمتها “يونيسف” (منظمة الأمم المتحدة للطفولة)، التخفيف من حدة الأزمة عبر تعبئة خزانات مياه موزعة في الشوارع والأحياء الرئيسية.
ورغم أهمية هذه الخطوة، يؤكد الأهالي أنها تبقى محدودة قياسًا بحجم الاحتياج.
وتشهد هذه الخزانات طوابير يومية طويلة من النساء والأطفال، في انتظار دورهم لملء عبوات بلاستيكية صغيرة، في مشهد يلخص واقع مدينة كانت تُعرف يومًا بأنها من المناطق الزراعية الأهم في سوريا.
تقول “أم عيسى”، وهي نازحة تقيم في حي الناصرة، إن المنظمات تضغ خزان مياه واحدًا لشارع كامل يضم مئات الأشخاص”.
تنفد المياه خلال ساعة واحدة، وتضطر “أم عيسى” للانتظار حتى اليوم التالي، أو شراء المياه من صهاريج خاصة لا نعرف مصدرها”.
مناشدات لتشغيل “علوك”
يطالب أهالي الحسكة بضرورة ممارسة ضغط دولي جاد لتشغيل محطة “علوك” بشكل دائم ومستقر.
وتعد المحطة المصدر الأساسي لتغذية المدينة وضواحيها بالمياه عبر 30 بئرًا ارتوازية، لكنها ظلت خلال السنوات الماضية رهينة للتجاذبات السياسية والعسكرية، ولا سيما ملف تزويد رأس العين بالكهرباء مقابل تزويد الحسكة بالمياه.
ويناشد السكان الأطراف الموقعة على الاتفاق والجهات الضامنة له بالتدخل العاجل لتحييد ملف المياه عن الحسابات العسكرية.
ويرى ناشطون محليون أن استمرار انقطاع المياه لما يقارب عامين، وبشكل شبه كامل خلال الفترة الأخيرة، يشكل “جريمة حرب” وانتهاكًا للحقوق الأساسية، ويدفع باتجاه تغيير ديموغرافي قسري مع اضطرار الأهالي لمغادرة منازلهم بحثًا عن مقومات الحياة.
ومع استمرار الضغط المعيشي، تتصاعد المخاوف من كارثة صحية واسعة، في حال استمرار الاعتماد على مناهل غير خاضعة للرقابة الصحية.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
