تتسع دائرة المعرفة بين الشعوب حين تمدّ الثقافة جسورها إلى الآخر، فتشرّع نوافذها على حكاياته، وتكشف المشترك الإنساني بين تلك الشعوب.

وتؤدي الترجمة دوراً محورياً في تعميق تلك الروابط، لا سيما الترجمات الأدبية عموماً، وترجمة الشعر على نحو خاص، بوصفه أحد أكثر الأجناس الأدبية تعبيراً عن هوية الإنسان، وعن صوته الفردي والجماعي.

في هذا السياق، يقدّم الشاعر السعودي علي الحازمي تجربة ثقافية لافتة، نقل من خلالها جانباً من المشهد الشعري السعودي المعاصر إلى القارئ الإيطالي، عبر كتابه الصادر أخيراً “أناشيد الصحراء: أنطولوجيا الشعر السعودي المعاصر”.

الشرق” حاورت الحازمي للاطلاع على هذا المشروع الثقافي العابر للحدود، ابتداء من معايير اختيار الشعراء، إلى التحديات التي رافقت إنجازه، وصولاً إلى قيمته المرجعية والأكاديمية.

ما الفكرة الأساسية التي يقوم عليها كتاب “أنطولوجيا الشعر السعودي”؟

فكرة الكتاب بدأت منذ أكثر من ست سنوات باقتراح من المترجم المغربي الرداد شراطي، حيث دعاني في بداية الأمر للمشاركة في أنطولوجيا يفكر في إعدادها للشعر الخليجي. وفكرة نقل الشعر الخليجي للضفاف الإيطالية فكرة راسخة لدى المترجم الرداد، لكن ومن خلال تواصلنا عرضت عليه أن تكون الأنطولوجيا هذه مخصصة بالكامل للشعراء السعوديين المعاصرين، من منطلق أن عدد الشعراء في السعودية كبير جداً ويستحق عملاً مستقلاً. رحّب المترجم كثيراً بهذه الفكرة وبدأنا العمل مباشرة على إنجاز هذا المشروع. 

حدثنا عن تفاصيل الكتاب ومعايير اختيار الشعراء في هذا العمل؟

الكتاب بطبيعة الحال مشروع ضخم جداً، يتجاوز 860 صفحة، ويضم مجموعة كبيرة من الشعراء السعوديين المعاصرين بلغ عددهم 66 شاعراً وشاعرة.

اعتمدنا في العمل على اختيار الشعراء المعاصرين “الأحياء” فقط. وخلال سنوات العمل على هذه الأنطولوجيا، وبعد تواصلنا مع جميع الشعراء المختارين (توفوا إلى رحمة الله ثلاثة شعراء من المشاركين وهم: أحمد الحربي، علي دغريري، وعلي الدميني)، وأسماؤهم ظلت معنا في الأنطولوجيا.

أفردت للشعراء جميعاً مساحة وافية تتراوح بين 10 إلى 12 صفحة لكل شاعر، تشمل سيرة ذاتية مضيئة ومجموعة من القصائد الكاملة (بمتوسط 5 إلى 6 قصائد) اختارها الشعراء بأنفسهم.

 هذه المساحة الممنوحة لكل شاعر هي مساحة جيدة ووافية برأيي، لأنها بالضرورة تمكّن القارئ الإيطالي من تلقّي النص الشعري، وتكوين رؤية متكاملة ومستقلة لكل صوت في هذا العمل. كما أنها ستسهم بكل تأكيد في قراءة الأصوات الشعرية المشاركة بروية وتمهّل. وستساعد على الإصغاء العميق لذواتهم الشعرية في مساحة واسعة بعيدة عن منقصة الاختزال.

 وعلى الرغم من تفاوت حضور التجارب الشعرية وعمقها في المشهد الشعري السعودي، إلا أننا اعتمدنا الترتيب الأبجدي في مسألة ظهور الشعراء في العمل.

بدأنا العمل على مشروع الكتاب على فرضية واحدة، وهي أن يصدر باللغة الإيطالية. لكن بعد اكتمال ترجمته للإيطالية وإرسال النسخة النهائية للدار للطباعة، رأيت أن من الخسارة ألا تخرج نسخة عربية منه، وخصوصاً أن النصوص جاهزة. تواصلت مع الشعراء مجدداً من أجل تحديث السير الذاتية؛ لأن ترجمة العمل كما تعلم أخذت سنوات طويلة نسبياً، حيث أن العديد من الشعراء تغيرّت سيرهم، وهناك من أصدر مجموعات شعرية جديدة. 

أود الإشارة هنا إلى أن اختيار الأسماء المشاركة في الأنطولوجيا، يعود في المقام الأول إلى تجربتي القرائية الخاصة للمشهد الشعري في السعودية. كذلك هناك أسماء تمت دعوتها، لكنها لم تتمكن من الظهور معنا لظروفها الخاصة. وهناك أسماء لم تلتزم بإرسال قصائدها في المدّة التي حددناها لذلك.

مع التأكيد على أن الأسماء الشعرية السعودية التي لم يسعفنا الحظ بوجودها معنا في هذا العمل، نكنّ لها عميق المحبة والتقدير، وعدم ظهورها في هذه الأنطولوجيا لا يقلل من أهمية تجاربها الشعرية أبداً.

هل هناك نية لإضافة أسماء جديدة في طبعات أخرى، أو ترجمات أخرى للكتاب؟

بخصوص الترجمات الجديدة نعم، هناك خطوات لترجمة العمل للغة التركية واللغة الإسبانية. ونفكر في إضافة بعض الأسماء الجديدة في النسخ القادمة الموجّهة للغتين التركية والإسبانية، وسنقوم بالتنويه في النسخ المحدّثة عن الأسماء التي أضيفت لاحقاً.

يضم العمل 66 شاعراً وشاعرة، كيف تمت عملية التواصل وجمع المادة، وما أبرز التحديات التي واجهت فريق العمل؟

الحقيقة أنه لم يكن هناك فريق عمل يذكر، العمل جهد شخصي مني ومن المترجم. تمّ التواصل والتنسيق مع جميع الأسماء الموجودة في الكتاب 66 شاعراً وشاعرة، بشكل شخصي. والحقيقة أن أغلب الشعراء استجابوا وتفاعلوا، باستثناء بعض الأسماء التي اعتذرت لظروف خاصة، من بين هذه الظروف السفر والدراسة.

هل اقتصر الكتاب على مدارس شعرية محدّدة أو كان هناك تنوّع؟

حرصنا على أن نكون وفيين للمشهد الشعري كاملاً، فلم نتحيّز للذائقة الشخصية، بل ضمّ العمل شعراء يكتبون القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر. كما سعينا لمنح كل شاعر المساحة الكافية والضرورية لتقديم صوته الشعري الخاص للقارئ الإيطالي، وذلك من خلال 4 إلى 5 قصائد كاملة لكل شاعر وشاعرة.

ما أبرز الصعوبات التي واجهتها أثناء إعداد الكتاب؟

الجهد الكبير كان على المترجم، هذا أمر لا شك فيه. لكن على المستوى الشخصي كانت هذه التجربة تجربة جديدة بالنسبة لي. وعلى الرغم من ضغوطات الوقت والتعامل مع هذا العدد الكبير من الشعراء، إلا أني وجدت في حقيقة الأمر تجاوباً وترحاباً كاملاً من الشعراء. وأي تعب يذكر في سبيل إخراج هذا العمل للنور أجده لا يستحق الذكر، لأن الهدف كان برأيي أعمق وأهم وأسمى من أي شيء سواه. 

ما الانعكاسات المتوقعة لهذا العمل على الشعراء والثقافة السعودية؟

إن دور الترجمة في العالم مهم، لكونها تمثّل جسراً حقيقياً للتواصل مع العالم. وعندما شرعنا في العمل على الأنطولوجيا، لم نكن نفكر في انعكاسات أو مردودات شخصية بقدر ما كان دافعنا هو محبة الشعر، الشعر وحده.

والمشهد الشعري السعودي يستحق بكل صدق أن يترجم إلى ضفاف عديدة وبعيدة من العالم، لأنه يمثّل صوت الشعر العربي في الجزيرة العربية بامتياز.

شعرت بشكل شخصي من خلال مشاركاتي في مهرجانات الشعر في العالم، بأن هناك تعطّشاً كبيراً لدى المتلقي الأجنبي لقراءة الشعر العربي والإنصات إلى عوالمه الرحبة. 

لعل الأهمية المتوقعة لهذه الأنطولوجيا الشعرية، يعود إلى أنها ستنشر في “دار جوزيه أليتي”، وهي دار إيطالية مهمّة ولها قراؤها المحبين للشعر. كما أن الفضاء الشعري الإيطالي بجوهره منفتح على العالم شعرياً، لذلك نجد على مدار العام العديد من الجوائز الشعرية الإيطالية تُمنح للشعر والشعراء في إيطاليا والعالم. إيطاليا من أهم دول العالم عناية بالشعر، ولذلك نتمنى أن يتلقى محبّو الشعر فيها  كتابنا بالكثير من التقدير والاحتفاء . 

لكن ما هي القيمة الأكاديمة والمرجعية للكتاب؟

تتجلى القيمة الأكاديمية والمرجعية لهذا الكتاب في كونها قائمة على ذلك القدر من المصداقية والشفافية، للوصول إلى صورة حقيقية عن مشهد الشعر في السعودية. ولذلك تم التعامل في ترجمة هذا العمل بذلك القدر من التأصيل المنهجي والتدقيق العلمي الصارم، وفق الأعراف الأكاديمية الرصينة. يتجلى ذلك بوضوح من خلال مقدّمة المترجم، التي تعكس الجدّية الاستثنائية في تعامله من النصوص الشعرية أثناء ترجمته للعمل.

ومن المظاهر التي تعكس لنا الدقّة العالية للمترجم أثناء قيامه بالترجمة للكتاب، أنه لم يكتف بالاعتماد على ذائقته الشعرية الشخصية للشروع مباشرة في الترجمة بعد قراءته للنصوص الشعرية. لقد حرص على التواصل الشخصي مع الشعراء، للتثبّت من دلالة بعض الكلمات التي يشعر بالتباس ما في معناها، حرصاً منه على بهاء الجملة الشعرية، ووضعها في ذات السياق الفني والجمال.

هل تفكر في تكرار التجربة أو عمل أنطولوجيا لفئات أخرى مثل الشعراء الراحلين؟

لا أخفيك بأن مثل هذه المشروعات تعتبر مؤسساتية لما تنطوي عليه من جهد كبير. ومع ذلك أنجز هذا العمل -بفضل- الله كاملاً بجهد تطوعي ومجاني. المترجم مشكوراً وهو صاحب الجهد العظيم قفز في محرقة هذا العمل وظلّ فيها لسنوات عديدة بطواعية تامة، دون أن يتلقى أي مقابل مادي إلى هذه اللحظة. أنا أيضاً لم أفكر مطلقاً بالحصول على أي مقابل من هذا المشروع.

كذلك دار النشر هي الأخرى قامت مشكورة بطباعة العمل بشكل مجاني، دون أي مقابل مادي، فقط لأنها آمنت بالفكرة ووجدت أن العمل يستحق النشر.   

إن القيام بإنجاز مشروعات مماثلة مرّة أخرى أمر صعب ومرهق بكل تأكيد. لكني بصدق شعرت أثناء فكرة الشروع في هذا العمل، بأني مدين لزملائي الشعراء في السعودية بالكثير من المحبة، وأن قصائدهم تستحق أن تذهب للآخر، بكل ما تحمله من بهاء وصفاء نادرين. 

شاركها.