بقلم الوزير السابق فادي عبود

تعبنا من موازنات تُرهق الجيوب وتضع الأعباء على القطاعات الإنتاجية بدل دعمها، وتعبنا من مسؤولين لا يملكون الحدّ الأدنى من الـknowhow لإدارة اقتصاد أو صياغة سياسات مالية حديثة. تعبنا من اعتماد النمط نفسه يومًا بعد يوم، وكأن التكرار بحد ذاته سياسة، فيما نعرف جميعًا أننا لم نصل إلى أي تغيير حقيقي ولا إلى أي تقدّم فعلي.
في كل دول العالم، فلسفة الموازنات تقوم على دعم سياسة اقتصادية واجتماعية واضحة: تحفيز النمو، حماية الإنتاج، خلق فرص عمل، وتحقيق العدالة. أمّا عندنا، فتأتي الموازنات للجباية فقط، كأن وظيفة الدولة اختُصرت بتحصيل المال لا ببناء اقتصاد.
ورغم وجود عشرات الأنشطة والقطاعات الاقتصادية القادرة على إدخال موارد حقيقية للدولة — وقد ذُكرت مرارًا وتكرارًا — لا يزال يتم تجاهلها عمدًا، في انتظار أن تلتفت الدولة يومًا إلى منطق الإصلاح، وتفكّر أخيرًا بموازنة مختلفة: موازنة إصلاحية، لا جباية؛ موازنة دولة، لا جابي ضرائب.
وكمثال صارخ على هذه الجباية العشوائية، جاءت الموازنة بتهريبة غريبة لزيادة الأعباء على الشركات: لبنان انفرد بتحوير مفهوم الـTVA وتحميله على الشركات، بحيث لا تستطيع استرداد الضريبة على القيمة المضافة على الكهرباء والمياه، والأفظع على السيارات حتى سقف 30 ألف دولار. هذا فنّ تهريب الضرائب في الموازنات لزيادة الأعباء على الشركات، بدل معالجة أصل المشكلة. فـالـTVA هي من أكثر الضرائب تعرّضًا للتهرّب الضريبي في لبنان، لا بسبب ضعف النصوص، بل بسبب غياب الرقابة، وانهيار أنظمة الجباية، وتواطؤ منظومة التفلت الضريبي. وبدل أن تتجه الدولة إلى إصلاح تحصيلها وضبط التهرّب فيها، تختار الطريق الأسهل: تحميل العبء على الشركات النظامية الملتزمة أصلًا بالقانون. في حين كان يمكن الاستغناء عن العديد من الرسوم والضرائب لو كانت كل الجركة الاقتصادية تمر تحت عباءة الtva.

وفي هذا السياق، تُطرح مجموعة اقتراحات إصلاحية واقعية، قادرة على تأمين إيرادات حقيقية للدولة خارج جيب المواطن:
1. ضريبة القيمة المضافة (TVA): إدخال الشركات غير المسجّلة إلى النظام الضريبي، خفض عتبة التسجيل، واعتماد رقابة لاحقة فعّالة.
2. التخمين المركزي: اعتماد تخمين عقاري مركزي موحّد لكل لبنان، وإلغاء لجان التخمين، واعتماده مرجعًا إلزاميًا للمعاملات.
3. رخص البناء: مركزة الجباية بجهة واحدة ومنع تمويل نقابة المهندسين من رسوم على رخص البناء .
4. إعادة هيكلة الوظائف العامة: حكومة إلكترونية، تغيير الإجراءات الإدارية، إلغاء الوظائف الفائضة، وعدم تعديل الرواتب قبل جردة شاملة.
5. تطبيق الضريبة الموحّدة على الدخل: ضريبة تصاعدية عادلة مع إلغاء جميع الإعفاءات.
6. توحيد الصناديق الاجتماعية والقضاء،: توحيد الضمان والتعاونيات وصناديق الجيش والقوى الأمنيةتحويل نهاية الخدمة إلى صناديق تقاعد مستقلة، والتغطية الصحية عبر شركات تأمين.
7. WINDFALL TAX: ضريبة استثنائية لمرة واحدة على الأرباح غير المبررة والعقود المجحفة بحق مالية الدولة والهندسات المالية والمصارف المستفيدة.
8. الاستيراد والتصدير: إعادة هندسة الإجراءات، تحديث الجباية، فتح المعابر، وخفض كلفة السلع.
9. الرخص: رقمنة كاملة لإصدار الرخص online، منع التواصل المباشر مع الموظف، والدفع الإلكتروني مع رقابة لاحقة.
10. مرفأ بيروت: تحويل كل المداخيل إلى الخزينة، وقف الجباية خارج الموازنة، وإنهاء عمل اللجنة المؤقتة.
11. النقابات وصناديق التعاضد: إنهاء الجباية خارج مالية الدولة، وتطبيق مبدأ شمولية الموازنة. بمعنى آخر النقابات تمول من اشتراكات اعضاءها وليس من ضرائب على العباد
12. فك الحصريات والتنافس: إنهاء الاحتكارات في القطاعات العامة والتوجّه إلى الخصخصة وPPP وفق معايير شفافة.
13. تطوير المطار: استحداث خدمات اقتصادية جديدة، فتح مطارات أخرى، مزادات شفافة، وزيادة التنافس.
14. الألعاب الإلكترونية: تنظيمها وقوننتها، فرض ضرائب مرتفعة، ربطها إلكترونيًا بالمالية، وخصخصة الكازينو وفتح الباب لانشاء عدة كازينوهات اذا توافرت الشروط وهذا ضروري في ظل ما يحصل في المنطقة من قبرص الى الامارات .
15. اليانصيب الوطني : تخصيصه وتطويره إلكترونيًا وتحويله إلى مشروع إقليمي (Pan Arab Loto).
16. رسوم تسجيل السيارات: رسم موحّد، توحيد الضرائب عند الاستيراد، إلغاء الاستنسابية، واعتماد رسم بيئي على الانبعاثات. واعفاء السيارات الكلاسيكية فوق 50 سنة من كل الضرائب والرسوم لتشجيع صناعة اعادة بناء السيارات الكلاسيكية وتصديرها .
17. المعاينة الميكانيكية: إلغاء الحصرية وفتح المجال للقطاع الخاص عبر مزايدات شفافة لفتح عدة مؤاكز تستوفي الشروط في كل المناطق
18. إلغاء الطابع المالي والأميري: واستبدالهما بزيادة نقطة على الـTVA.
19. كتاب العدل والأطباء الشرعيون: زيادة حصة الدولة، تعرفة موحّدة منشورة، وإلغاء التصديقات غير الضرورية.
20. valet parking: تنظيم القطاع وفرض 50% من التعرفة كحصة للدولة عند استخدام الأملاك العامة لركن السيارت لعدم السماح لهم باستملاك الطرقات العامة . .
21. العمال الأجانب: توحيد الرسوم، إلغاء السمسرة، رقمنة المعاملات وربطها بالمالية.
22. النفايات: خطة ذات جدوى اقتصادية، ضريبة على الطمر، وتشجيع الفرز والتدوير والتمويل من إعادة التدوير.
23. تشريع البغاء: تنظيمه، فرض ضرائب مرتفعة، رقابة صحية وإنسانية، ومحاربة الاتجار بالبشر.
24. قانون السير: تشريع عصري، غرامات مرتفعة، رقابة إلكترونية وتلزيم الكاميرات لشركات خاصة مع حفظ حصة الدولة .والغاء حصص الشرطة والقضاء الخ
25. الكسارات والمقالع: ضرائب على كل م3 من الإنتاج، مسح علمي، كفالات مصرفية، وضوابط بيئية صارمة.
26. تشريع زراعة الحشيش للتصدير: قانون عصري غير احتكاري مع ضرائب مرتفعة للدولة.
27. الأسلحة الفردية: تنظيم الترخيص، رقمنة التراخيص، فرض رسوم مرتفعة، وفرض تسجيل في مختبرات للجيش اللبناني لكشف بصمة كل سلاح مرخص وفرض ضرائب مرتفعة جدا على اي سلاح غير مرخص. .
28. الإعلانات الطرقية: تنظيم القطاع وفرض ضرائب مركزية.
29. الأملاك العامة: تسوية المخالفات البحرية والنهرية وفق الأسعار الواقعية وبدلات استثمار عادلة.
30. منع التدخين: تطبيق القانون وزيادة الضريبة على منتجات التبغ وخصخصة ادارة حصر التيغ والتنباك والسماح للقطاع الخاص بالتصنيع المحلي مع حفظ حق الدولة بالضرائب.
________________________________________
الدولة لا تعاني من نقص موارد، بل من غياب رؤية سياسية واقتصادية. أي موازنة حقيقية يجب أن تكون أداة إصلاح، تحفيز نمو، واستعادة العدالة، لا مجرد جباية من جيوب المواطنين. إذا أرادت الدولة الخروج من الأزمة، فعليها أن تبدأ بقرارات شجاعة: إدارة الاقتصاد بذكاء، استثمار القطاعات القادرة على المداخيل، فكّ الاحتكارات، وربط كل الرسوم والضرائب بالشكل الصحيح ضمن شمولية الموازنة

شاركها.