في صفقة تُعد من بين الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة من حيث القيمة، أعلن الملياردير إيلون ماسك عن دمج شركتيه “سبيس إكس” وxAI لتشكيل كيان عملاق جديد بقيمة 1.25 تريليون دولار، ضمن رؤية طموحة لربط الذكاء الاصطناعي بالفضاء من خلال مراكز بيانات تدور حول الأرض، بهدف خفض تكاليف تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن ماسك تحدَّث في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الشهر الماضي عن هذه المراكز، التي تشكل أحد أحدث اهتماماته، مؤكداً أن “الفضاء سيكون المكان الأقل تكلفة لتشغيل الذكاء الاصطناعي”، متوقعاً أن يتحقق ذلك خلال عامين، وربما ثلاثة أعوام.

وأضافت الصحيفة، في تقرير، أنه بينما كان الحديث يجري في المنتدى، كانت الاستعدادات جارية خلف الكواليس لعقد صفقة الاندماج الضخمة بين شركتي “سبيس إكس” المتخصصة في بناء الأقمار الاصطناعية وتشغيل الصواريخ، وxAI الشركة الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، بهدف تحويل هذا التصور الطموح إلى واقع ملموس.

كيان بقيمة 1.25 تريليون دولار

وبحسب مصادر مطلعة على الأمر وكشوفات المستثمرين التي اطلعت عليها الصحيفة، قدَّم مصرفيون من “مورجان ستانلي” خلال أيام تقديرات لقيمة الشركتين يمكن استخدامها في هيكلة الصفقة، حيث أظهرت الوثائق أن مجلس إدارة “سبيس إكس” قدّر قيمة الشركة في 30 يناير الماضي بـ1 تريليون دولار، فيما قدّر مجلس إدارة xAI قيمتها بـ250 مليار دولار.

ووقّعت الشركتان على اتفاقية اندماج بتاريخ 31 يناير، لتصبح شركة واحدة بقيمة 1.25 تريليون دولار، وأُبرمت الصفقة بعد يومين، لتصبح أكبر صفقة اندماج بين شركتين في التاريخ الأميركي من حيث القيمة.

وتأتي هذه الصفقة بعد عام حافل بالصفقات لماسك، بدءاً من دمج شركته للتواصل الاجتماعي “إكس” مع xAI، وصولًا إلى استثمار شركة “تسلا” بقيمة ملياري دولار في شركة الذكاء الاصطناعي، ويبشر الاندماج الأخير بعوائد كبيرة لمستثمري xAI، بحسب الصحيفة. 

وأشارت الصحيفة إلى أن ماسك يسعى إلى جعل روبوت المحادثة Grok، الذي تطوره xAI، أكثر تقنيات الذكاء الاصطناعي شعبية في العالم، لافتة إلى أن تطوير قدراته يتطلب استثمارات مالية ضخمة.

وأضافت أن ربط الشركة الناشئة بـ”سبيس إكس” قبل طرح أسهمها للاكتتاب العام يمنحها قوة مالية أكبر لمنافسة شركات مثل OpenAI وAnthropic.

ومع ذلك، اضطر المستثمرون القدامى في “سبيس إكس” إلى إفساح المجال لمستثمري xAI، كما أصبحوا يواجهون احتمال المساهمة في شركة ذكاء اصطناعي خلال فترة يراها بعضهم مشابهة لفقاعة الإنترنت في عهد “الدوت كوم”، من حيث الارتفاع السريع والانهيار المفاجئ.

“مستوى جديد من المخاطرة”

وأضاف التقرير أن دمج “سبيس إكس” مع xAI يُمثّل مستوى جديداً من المخاطرة والطموح حتى بالنسبة لماسك، إذ تُعد القيمة البالغة 1.25 تريليون دولار رهاناً على خطته لدمج الذكاء الاصطناعي مع الفضاء، وأيضاً على تقنيات غير مُجرَّبة سيتم نشرها على نطاق واسع.

وفي مذكرة داخلية للموظفين، الاثنين الماضي، أشار ماسك إلى أن البدء في إطلاق أقمار الذكاء الاصطناعي يُمثّل محور تركيز الشركة حالياً.

ولفتت الصحيفة إلى أن وتيرة العمل على الصفقة تسارعت بعد فوز ماسك بانتصار كبير في نوفمبر الماضي، حينما أيّد مستثمرو “تسلا” حزمة تعويضات ضخمة بقيمة 1 تريليون دولار، وهي الأكبر لرئيس شركة عامة في التاريخ.

وبعد ذلك بوقت قصير، ركّز أعضاء دائرة ماسك المقربة على هدف أكثر جرأة: “دمج سبيس إكس مع xAI”، وذكر المطلعون على الصفقة أن دمج الشركتين أصبح أولوية بالنظر إلى احتياجات xAI المالية وطرح “سبيس إكس” المرتقب للاكتتاب العام.

وأضاف التقرير أن بعض مستثمري xAI اقتنعوا بضرورة تعزيز الترابط بين شركات ماسك، نظراً للعلاقات التجارية التي كانت xAI قد أقامتها معهم مسبقاً.

وبحسب ما نقلته الصحيفة عن مصادر مطلعة، بدأ مسؤولو “سبيس إكس” في الترويج لتركيز الشركة الجديد على أقمار الذكاء الاصطناعي خلال محادثاتهم مع البنوك والمستثمرين الكبار. وكانت الشركة قد أخبرت المستثمرين سابقاً بأنها تتوقع تحقيق أرباح معدلة بنحو 8 مليارات دولار على إيرادات تصل إلى 16 مليار دولار في عام 2025.

وأكدت “وول ستريت جورنال” أن تحركات ماسك الاستثمارية غالباً ما كانت مربحة للمستثمرين، مشيرة إلى أن البنوك التي تحملت ديوناً خلال استحواذه على “تويتر” (إكس حالياً) حصلت في النهاية على سداد كامل مع فوائد عالية.

وقال روس جيربر، مستشار استثماري مستقل ومستثمر قديم في شركات ماسك، بما في ذلك “إكس” و”تسلا”: إذا استثمرت مع إيلون، هذا ما ستحصل عليه، وإذا لم يعجبك، تغادر”.

نموذج إكس وxAI

وأوضح التقرير أن ماسك سبق أن وحّد أجزاء متفرقة من إمبراطوريته التجارية، إذ دمج العام الماضي شركتي “إكس” وxAI في كيان واحد بقيمة تقدر بـ113 مليار دولار. وقبل هذه الصفقة كانت “إكس” تمتلك حصة في xAI ويجري التعامل بينهما تجارياً.

وذكرت الصحيفة أن الصفقة بين “سبيس إكس” وxAI استندت جزئياَ إلى هذا النموذج، إذ كانت “سبيس إكس” من أوائل عملاء xAI على مستوى الشركات، وقد قامت بتوسيع نطاق استخدامها الداخلي لبرنامج Spok، وهو نسخة مُخصصة من برنامج Grok للدردشة الآلية، تم تدريبه على بيانات شركة الفضاء، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر.

وفي الصيف الماضي، استثمرت “سبيس إكس” في xAI بينما واصلت جدول إطلاقاتها المكثّف وتوسيع خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية “ستارلينك”.

وفي xAI، بدأ المقاولون العمل على مشروع مركز بيانات ثانٍ بالقرب من ممفيس بولاية تينيسي، إلا أن العديد من المديرين التنفيذيين غادروا الشركة بسبب مخاوف تتعلق بإدارتها ووضعها المالي.

وقالت الصحيفة إن “سبيس إكس” كانت وراء الكواليس تدرس كيفية عمل مراكز البيانات المدارية، وحققت اختراقاً تقنياً في هذا المجال في الخريف الماضي.

رؤية ماسك

وبيَّن التقرير أن ماسك بدأ يتحدث أكثر على منصة “إكس” وفي الفعاليات عن استخدام الطاقة الشمسية لتشغيل مراكز البيانات المدارية. وفي 21 يناير الماضي، قدمت “سبيس إكس” وثائق في نيفادا، حيث تأسست xAI، لإنشاء كيانات تحت إشراف مديرها المالي بريت جونسن.

ونوَّهت الصحيفة إلى أن هذه الكيانات، التي اُستخدمت لاحقاً في عملية الاندماج، حملت اسم K2، في إشارة إلى مقياس كارداشيف الذي يقيّم مدى تقدم الحضارة حسب استخدام الطاقة، بما في ذلك الطاقة المستمدة من النجوم.

وفي اليوم التالي، عرض ماسك رؤيته لمستقبل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الفضاء خلال منتدى دافوس، بينما كان المختصون المعنيون بإتمام الصفقة يعملون خلف الكواليس، وفقاً لمصادر الصحيفة.

وبحسب التقرير، عمل مصرفيو “مورجان ستانلي”، البنك المفضّل لدى ماسك، مع كلا طرفي الصفقة، وهو ترتيب غير معتاد في صفقات الاندماج، إذ عادةً ما تستعين كل شركة بمستشاريها لضمان حصولها على تقييم عادل. لكن في هذه الحالة، يسيطر ماسك على الشركتين.

ولفت التقرير إلى أن المصرف قدّر قيمة “سبيس إكس” بـ1.26 تريليون دولار، وهو رقم يتجاوز بكثير التقييم المستهدف البالغ 800 مليار دولار الذي حددته الشركة في عملية بيع أسهم ثانوية حديثة، بينما قدّر قيمة xAI بنحو 294 مليار دولار.

وأوضحت الصحيفة أن الشركتين اعتمدتا أرقاماً محددة وواضحة، إذ قرر مجلس إدارة “سبيس إكس”، اعتباراً من 30 يناير، أن قيمة الشركة تبلغ تريليون دولار، بينما قرر مجلس إدارة xAI أن قيمتها 250 مليار دولار، وفقاً لإفصاحات المستثمرين.

ولم يصدر عن “مورجان ستانلي” أي رأي بشأن “عدالة التقييمات”، وهو إجراء شائع في بعض صفقات الاندماج والاستحواذ لضمان معقولية التقييم، رغم أنه أقل شيوعاً في الصفقات بين الشركات الخاصة.

فقاعة “الدوت كوم”

ونقلت الصحيفة عن ستيف كابلان، أستاذ المالية في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو، قوله إن الصفقة تذكّره بصفقات فترة “الدوت كوم”، مثل اندماج AOL و”تايم وارنر” بقيمة 180 مليار دولار.

وأضاف كابلان: “الأمر الصعب هنا هو أنهم وضعوا تقييماتهم وأسعار الأسهم، لكن لا يمكننا معرفة مدى دقة هذه الأرقام، خاصة وأن أياً منهما غير مُدرج”.

وذكرت “وول ستريت جورنال” أن دوافع دمج الشركتين المختلفتين تماماً كانت موضوع نقاش حاد بين المقربين من “سبيس إكس”، إذ أيّد الكثيرون الرؤية الجديدة، وتوقعوا إطلاق مراكز بيانات مدارية بوتيرة متكررة باستخدام صاروخ Starship، الذي لا يزال قيد التطوير، على غرار الطريقة التي نشرت بها الشركة أكبر أسطول أقمار اصطناعية في التاريخ عبر خدمة Starlink باستخدام مركبات “سبيس إكس” الأخرى.

ومع ذلك، رأى بعض مستثمري “سبيس إكس” أن مستثمري xAI حصلوا على حصة أكبر من المتوقع في الشركة الموحدة الجديدة، إذ تم منحهم نحو 20% من أسهم الكيان الناتج عن الاندماج.

وفي مكالمة مع المستثمرين الاثنين الماضي، أكد ممثلون عن “سبيس إكس”، من بينهم المدير المالي جونسن، خطط الشركة لطرح أسهمها للاكتتاب العام خلال الصيف المقبل، بحسب مصادر مطلعة على المناقشات.

شاركها.