لمى قنوت

بالتوازي والتزامن مع موجة الاحتجاج الشعبية الواسعة التي ترافقت مع تلقي السوريين والسوريات فواتير الكهرباء بعد زيادة التعرفة التي أُقرت في 30 من تشرين الأول 2025، وبضمنها الاعتصام الذي تم تنظيمه تحت شعار “الكهرباء حق وليست رفاهية” أمام وزارة الطاقة في 29 من كانون الثاني الماضي رفضًا للقرار، قال أحمد سليمان، مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، إن الهدف من رفع تعرفة الكهرباء، هو أن “تصبح مناسبة لجذب المستثمرين” موضحًا بأن التعرفة السابقة، والتي كانت بمعدل سنت واحد للكيلوواط، لا تقدم مردودًا لرأس مال المستثمر، بينما الآن، ومع الزيادة الحالية أصبحت مناسبة، وأضاف أن خسائر قطاع الكهرباء تصل إلى مليار دولار سنويًا، كما بررت وزارة الطاقة الزيادة الضخمة لتعرفة الكهرباء بأنها جزء من إصلاح شامل، لتقليل عجز الموازنة، وتحسين الإمداد.

إن رفع تعرفة الكهرباء 60 ضعفًا، من عشر ليرات إلى 600 ليرة للكيلوواط المنزلي، وفق الشريحة الأولى (لاستهلاك ما دون الـ300 كيلوواط خلال شهرين)، إضافة إلى رفع أسعار المشتقات النفطية والإنترنت وغيرها، وفي سياق غلاء أسعار المواد الغذائية والتسريح التعسفي من العمل لعدد كبير من موظفي الدولة، والامتناع عن صرف رواتب بعض المتقاعدين، هو تجاهل لواقع مستويات الفقر التي قُدّرت في عام 2025، بأن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، و66% يعانون من فقر مدقع، و قرابة 16.5 مليون شخص بحاجة لمساعدة، وأن واحدًا من كل أربعة سوريين عاطل عن العمل، وسط بيئة تضخم مرتفعة وانخفاض للقدرة الشرائية، دون أن تبدي السلطة أي رغبة في سياسات تعويضية واضحة، ريثما تصدر عن الهيئة الوطنية العدالة الانتقالية برامج جبر ضرر تحولي.

ولا تقتصر تداعيات مثل هذه السياسات على الاستهلاك المنزلي والفردي فحسب، فالاقتصاد السوري لطالما كانت فيه الصناعة مثلًا تعتمد على كهرباء بأسعار مدعومة، وبالتالي عندما تتضخم تكلفتها ترتفع تكاليف الإنتاج وسعر المنتج، وعلى الأغلب، سينعكس ذلك على العمال من حيث ساعات العمل والأجور، ومع التوجه النيوليبرالي الذي تنتهجه السلطة، وإغفالها المتعمد لسياسات تعويضية تتبعها العديد من الدول الرأسمالية، إلى جانب غياب الشفافية والسياسات الاقتصادية الداعمة لتطوير القوى الإنتاجية المحلية وخاصة في الزراعة والصناعات التحويلية، والأزمة الخانقة التي تعاني منها الصناعة الوطنية في ظل السياسات التي تنتهجها السلطة الانتقالية، وعدم تجاوبها مع مطالب الصناعيين الذين عبروا عنها مؤخرًا في غرفة صناعة حلب مطلع شباط الحالي، تُصعد السلطة من خطابها باتجاه اقتصاد مفتوح دون تقديم آليات لتخفيف الأعباء الاجتماعية على المواطنين والمواطنات والفئات المهمشة، فمثلًا، مع تصريح وزير الاقتصاد والصناعة بأن: “نموذج “الحكومة الأبوية” التقليدي انتهى، وأن دور الدولة في الوقت الراهن قد تحول جذريًا من كونه دورًا “إنتاجيًا” مباشرًا ومنافسًا، إلى دور “تيسيري” يركز على تسهيل بيئة الأعمال وفتح الآفاق أمام القطاع الخاص، داعيًا الصناعيين والمنتجين إلى تحمل مسؤولياتهم، وقد ردد صدى هذا الخطاب، كاريكاتور نشر في صحيفة  “الثورة السورية” الرسمية، يرفض فيه المواطن تصريح وزير الاقتصاد الذي ينص على انتهاء “الدور الأبوي للحكومة”.

وبتحليل أولي لهذا الخطاب الذي أعاد تعريف دور الدولة، من فاعل إنتاجي، إلى وسيط تنظيمي أو مُيسّر للسوق الخاص، فإنه تحول سياسي لا يناقش الكفاءة الاقتصادية فحسب، بل يعيد بناء مفهوم الدولة الاقتصادية، ومسؤولياتها، وعلاقتها بالمواطن، رجلًا كان أم امرأة، وفيما إذا كانت تعتبره شريكًا أو عبئًا أو زبونًا أو متلقيًا. ومع غياب العقد الاجتماعي، وإعلان السلطة عن موت ما أطلقت عليه بـ”الحكومة الأبوية” فإنها تبرر قراراتها، وتبني نموذجها السوقي- التقني بشكل منفصل عن التجربة المعيشية، وتقدمه للسوريين بالإكراه، لا كخيار جماعي، وهي تؤطر الشرعية من جاذبية الاستثمار لا من احترام الحقوق والمواطنة، لأن “نمو” الأسواق بأيدي مستثمرين خارجيين أولى وأهم من العدالة الاجتماعية، ويمكن تصنيف خطاب الشعار كهندسة للعلاقة بين الدولة والمجتمع من طرف واحد، لم يشارك فيها المواطنون، نساء ورجالًا، في رسم السياسات ولا يُعترف بمعاناتهم، وهو ما لم يكن هدف الثورة السورية في يوم من الأيام.

وفي هذا الإطار، من المفيد التطرق أيضًا لما نشره مازن ديروان، المستشار الأول لوزير الاقتصاد والصناعة لشؤون التجارة الخارجية، عبر “فيسبوك” في 3 من شباط الحالي، بأن: “اليسار يفتقد لجهاز الفهم والتحليل الموضوعي. الشيء الوحيد الذي يجيده اليسار هو بيع العواطف الفارغة، واستهلاك السلع والخدمات التي تنتجها الأسواق الحرة. الإنتاج والإبداع ليس من اختصاصه”، وقال في إحدى مداخلاته أيضًا، إن “عاهات اليسار اللي شحدوا البلد، خلال 65 سنة وهم يحاولون تطبيق نظريات المراهقة  الاقتصادية التي أفلست بلدنا، وهو واحد من أغنى البلدان…”، وبذلك يكون ديروان قد حدد “الخصم” باليسار، وانتقل من نقد الأفكار إلى نزع الكفاءة الإدراكية، وهو أسلوب معرفي إقصائي، يتبنى ثنائية حادة بين سوق حر منتج ومبدع، ويسار عاطفي مستهلك، يُعاد فيه إنتاج الشرعية، وحصر حق القرار بالسلطة الانتقالية وأصحاب الامتيازات، أما من يطالب بالحقوق والعدالة الاجتماعية فيُختزل كمستهلِك عاطفي، وتُجرد مطالب العدالة من مضمونها باعتبارها “عواطف فارغة”، وينقلنا استخدام تعبير “عاهات اليسار” من السجال الفكري إلى التجريد الإنساني الرمزي، وهو أسلوب استعلائي، لا يُستخدم للإقناع، بل لإسكات تيارات سياسية.

علاوة على ذلك، فإن ما سماه بـ”المراهقة الاقتصادية” لا يناقش نموذجًا واضحًا لاقتصادات بديلة لنموذج الأسواق الحرة العالمية، بل يخلط ويُقزم عدة تيارات فكرية واقتصادات بوصفها “غير ناضجة”، أي أنها لا تستحق النظر فيها أو مناقشتها، كما يتجاهل هذا التأطير أن العدالة الاجتماعية ليست نقيضًا للاستثمار، وأنه حتى في بعض أغنى الدول الرأسمالية لا تزال هناك سياسات اجتماعية قوية ودور محوري للدولة فيها، وبطبيعة الحال فإن اختزال إفقار البلد لمدة 65 عامًا، بسبب يسار تجريدي مبهم المعالم بمعزل عن الأسباب الجوهرية كالاستبداد، والبنى الريعية، والعقوبات، والحرب، والجرائم الاقتصادية، وتغير المناخ وأثره على سوريا منذ التسعينيات، وغيرها من العوامل، هو تبسيط وتسطيح للمشهد يصب في خدمة هدف أيديولوجي، ويطرح أسئلة، ماذا عن الإشكالات البنيوية الاقتصادية التي أدت إلى غضب شعبي؟ وماذا عن الكوارث البيئية والمناخية المتراكمة، والتي تزداد آثارها سوءًا وبشكل متسارع؟ وهل تتعلم السلطة الانتقالية من دروس التاريخ كمجاعة الشام عام 1915 والثورة ضد نظام الأسد؟ وماذا عن مؤتمر وطني تشاركي جامع يحدد من خلاله طبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سوريا؟

بالعودة إلى الغضب الشعبي إزاء الواقع المعيشي، أختم مع خطاب أحد المحتجين على زيادة تعرفة الكهرباء، والذي استحضر رمزية مسرحية سعد الله ونوس، قائلًا، “هذا الشعب.. فيلك يا ملك الزمان”، فبعد ثورة قامت ضد الذل والقهر والاستبداد، تسهم سياسات السلطة الانتقالية وأصوات من حولها في إعادة إنتاج المظالم الهيكلية وآليات الإسكات والقمع السياسي تدريجيًا.


المصدر: عنب بلدي

شاركها.