تطرح رواية “المترجم الخائن”، للكاتب السوري فواز حداد، أسئلة حول العلاقة بين اللغة والسلطة، والهوية والفعل الثقافي، ولا يقدم حداد هنا مجرد حكاية مترجم يعمل على نقل نص من لغة إلى أخرى، بل يرسم صورة صعبة لمبدع يعيش في مواجهة مزدوجة، النص الذي يترجمه والبيئة التي تتحكم في مصيره الأدبي.
تحكي الرواية قصة حامد سليم، المترجم الذي يجد نفسه أمام خيارات مصيرية تتجاوز حدود الترجمة التقليدية، إذ يقرر، في لحظة من التوتر الفني والثقافي، تعديل نهاية إحدى الروايات الأجنبية في أثناء ترجمته لها، ظنًا منه أنه يضيف للقصة عمقًا جديدًا أو يجعلها أقرب إلى المتلقي العربي.
هذه الخطوة تتحول إلى صدمة، إذ يُتهم بالخيانة الأدبية، ويصبح في مواجهة مجتمع ثقافي يرى في التلاعب بالنص خرقًا للقيم، بينما يرى هو نفسه أنه مجرد محاولة للحفاظ على الرسالة الإنسانية للنص في سياق مختلف.
من خلال حامد، يفتح حداد نافذة على الواقع الثقافي في سوريا والعالم العربي، حيث تلعب علاقات النفوذ والمحسوبيات دورًا كبيرًا في رسم مسارات الأدب والأدباء، ليصبح المترجم في صراع ليس مع النص فقط، بل مع منظومة كاملة تحاول فرض قيود على الفعل الثقافي، لتصبح الترجمة فعلًا سياسيًا بامتياز.
العمل لا يغفل البعد النفسي، إذ يعرّج على الانفصام الذي يعانيه حامد بين هويته الحقيقية ورؤيته الفنية، وفي صراع داخلي يوازي صراعه الخارجي، يظهر المترجم وكأنه يقف على حافة مفترق طرق بين الولاء للنص وللذات وللبيئة التي يعمل فيها.
حداد يجعل من هذه التجربة منصة لاستكشاف الأسئلة الكبرى، كيف يمكن للغة أن تصبح ساحة للصراع، وإلى أي حد يمكن أن يظل المثقف حرًا في مجتمع تتحكم فيه السلطة بمسار الثقافة.
“المترجم الخائن”، عمل يقدم قراءة نقدية للحياة الثقافية في العالم العربي، مع تركيز على الترجمة ليس كعملية تقنية، بل كفعل يعكس الهوية والمواقف والأيديولوجيات، كما تحفز الرواية القارئ على التساؤل عن دور المثقف في مواجهة السلطة، وعن حدود الحرية الإبداعية، لتكون بذلك أكثر من قصة شخصية، إنها شهادة على حالة مجتمع يختبر فيها النص والكاتب معًا، حيث تصبح الترجمة فعل مقاومة وفعل خيانة في الوقت نفسه.
من فواز حداد
فواز حداد، روائي سوري من مواليد دمشق عام 1947، درس الحقوق في جامعة “دمشق” قبل أن يتفرغ لكتابة الرواية بشكل كامل.
على مدى مسيرته الأدبية الطويلة، أصدر عدة أعمال ركزت على الإنسان في مواجهة السلطة والواقع الاجتماعي، من بينها “موزاييك دمشق 39″ و”عزف منفرد على البيانو” و”جنود الله”.
روايته “المترجم الخائن” صدرت عام 2008، عن دار “رياض الريس” في لبنان، ورُشّحت للقائمة القصيرة لجائزة “البوكر العربية” في عام 2009.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
