صالح الحمداني
اعتدنا أن نربط النضج بلحظة وصولٍ ما كوظيفة مستقرة، مكانة اجتماعية، عمر معيّن، أو صورة مثالية نضعها لأنفسنا ونظنّ أننا متى بلغناها نكون قد “اكتملنا”، لكن التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من تعقيد وخسارات واكتشافات، تعلّمنا حقيقة مختلفة تمامًا، فالنضج يعني أن نكفّ عن الجري بدون وعي وإدراك، بمعنى آخر لا يعني إننا يجب أن نصل دائمًا.
فنحن نركض كثيرًا في الحياة، نركض خلف الوقت، وخلف أحلام مستعجلة، وخلف نسخٍ متخيّلة من أنفسنا، نركض وكأن الوقوف يعني الفشل، وكأن التباطؤ هزيمة، وكأن التأمل ترف لا نملكه، ولكن ما لا يُقال لنا غالبًا هو أن هذا الجري المستمر قد يبعدنا عن ذواتنا أكثر مما يقرّبنا من أهدافنا، النضج الحقيقي يبدأ حين نفهم أن بعض الخسارات إنقاذ وليست نهاية، فخسارة شخص لم يعد يشبهنا، أو فرصة كانت ستستنزفنا، أو طريقًا لو سلكناه لفقدنا أنفسنا فيه ومن خلاله، كلها قد تكون خيرًا لا نعلمه، ففي لحظات الفقد يبدو الألم سيّد المشهد لكن مع مرور الوقت نكتشّف المعنى حيث إننا لم نخسر بقدر ما تحرّرنا، لأن في مرحلة النضج نقيس حياتنا بمدى ما نجا منا ولا نقيسها بعدد ما امتلكنا، وكما أن النضج هو أن نعيد تعريف الانتظار لأنفسنا بمعناه الحقيقي في عالم سريع الإيقاع سريع المتغيرات يُنظر فيه إلى الانتظار بوصفه تعطيلًا للحياة، ويراه البعض زمنًا ضائعًا يجب التخلص منه بأسرع ما يمكن، غير أن الانتظار في كثير من الأحيان ليس فراغًا كما يعتقده البعض إنما تهيئة، فهو المساحة التي نعيد فيها ترتيب الداخل، ونراجع قناعاتنا، ونقوّي قدرتنا على الاحتمال، ما ينضج بسرعة يذبل بسرعة، أما ما أُتيح له الوقت الكافي فيترسّخ.
السلام الداخلي ذلك الهدف الذي يسعى إليه الجميع لا يُمنح كهديّة ولا يُشترى بنصيحة عابرة، السلام الداخلي يُكتسب، يُكتسب حين نتوقّف عن مقارنة مساراتنا بمسارات الآخرين، وحين نقبل أن لكل إنسان توقيته الخاص، وحين نتصالح مع فكرة أن الحياة لم تكن بيوم سباقًا، نؤمن أنها رحلة جميلة فيها كل المتغيرات، ومن يطلب السلام دون أن يدفع ثمن المواجهة مع ذاته سيظل يبحث عنه طويلًا، فالإنسان في جوهره لا يُقاس بما هو عليه في لحظة معينة فقط وإنما بما يمكن أن يكونه، هذه الفكرة وحدها كفيلة بأن تغيّر نظرتنا إلى الفشل والتعثّر، ما نعيشه اليوم هو مرحلة من مراحل نمر بها ولا يمكن أن يكون حكمًا نهائيًا، والنضج لا يعني أن نكون راضين دائمًا عن واقعنا ولكننا علينا أن نؤمن بقدرتنا على التحوّل دون أن نجلد أنفسنا على ما لم نحققه بعد.
وحين ندرك ذلك نتحرّر من استعجال الحياة نتوقّف عن الضغط على الزمن وكأنه خصم، ونبدأ بالتعامل معه كحليف، نسمح للأشياء أن تنمو في داخلنا بهدوء كالفهم، والحكمة، والصبر، وحتى الأحلام والأماني والطموحات، فلا نقتلع ثمار الغد بأيدي اليوم ولا نطالب أنفسنا بأن تكون كاملة وهي لا تزال تتعلّم، وفي مجتمعاتنا نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح، وربطه بالاتزان لا فقط بالإنجاز، وبالوعي لا فقط بالوصول، فالنضج هو هدوء وسكينة وليس صخبًا، هو قناعة داخلية في ذواتنا وليس إعلانًا، هو حالة مستمرة من الفهم المتجدد والاستدراك حين يراه البعض بأنه محطة أخيرة، ونعلم علم اليقين بأننا قد نصل أو لا نصل، وقد نُحقق ما خططنا له أو نغيّر خططنا تمامًا، لكن الأهم أن نصل إلى أنفسنا، وأن نكفّ عن الجري هربًا منها، هناك فقط يبدأ النضج الحقيقي… وهناك فقط تسمح للحياة أن تنضج فيك.
