دير الزور – مروان المضحي

يواجه مئات الفلاحين في محافظة دير الزور، شرقي سوريا، ضياع سبل عيشهم، وسط مخاوف حقيقية من انهيار منظومة الأمن الغذائي في المنطقة الشرقية، حيث يشهد القطاع الزراعي إحدى أسوأ أزماته، مترنحًا ما بين الجفاف وغياب الدعم الحكومي والمؤسساتي.

تردي العصب الحيوي للمنطقة خلال سنوات سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على الجانب الشرقي من نهر الفرات، ضمن المحافظة، دفع مئات الفلاحين إلى هجر أراضيهم وتحويلها إلى مساحات جرداء.

ومع تغير خارطة السيطرة الميدانية، تبرز إلى الواجهة تساؤلات ملحة حول قدرة الإدارة الجديدة على ترميم ما تهدم، وإنصاف مزارعين باتوا يرزحون تحت وطأة الديون والفقر.

“هجرة الأرض”

يروي الشقيقان محمد وأحمد الصالح، وهما مزارعان من ريف دير الزور، قصة فقدان أرضهما التي تمتد على مساحة 100 دونم (يساوي الدونم الواحد 1000 متر مربع)، حيث كانت هذه المساحة قبل سنوات قليلة، تكفي لإعالة عائلتين كبيرتين، ورفد السوق المحلية بأطنان من القمح والقطن.

قال محمد ل، “تركنا الأرض مكرهين في ظل سيطرة (قسد)، أصبح تأمين ليتر المازوت للمضخات حلمًا، والسماد إن وُجد فهو مغشوش وأسعاره فلكية”.

وأضاف، “لم نعد نزرع لنربح، بل كنا نزرع لنخسر مدخراتنا، حتى وصلنا إلى طريق مسدود وهجرنا الأرض”.

أما شقيقه أحمد فيعلق آماله على المرحلة المقبلة قائلًا، “نسمع عن خطط لإعادة التأهيل، لكننا نحتاج لخطوات ملموسة”، مشيرًا إلى أن الأراضي بحاجة إلى شبكات ري وصيانة للمحطات.

ويأمل أحمد من الحكومة السورية الجديدة أن تنظر إليهم كشركاء في الإعمار وليس مجرد أرقام إحصائية، وفق تعبيره.

“تدمير ممنهج”

في تصريح خاص ل، قال معاون مدير الزراعة في دير الزور، إبراهيم العرب، إن القطاع الزراعي في المناطق التي كانت تسيطر عليها “قسد” لم يتعرض للإهمال فحسب، بل واجه ما وصفه بـ”التدمير الممنهج”.

وأضاف العرب أن البنية التحتية الأساسية، من محطات ضخ وقنوات ري، تعرضت لتخريب كبير، تزامنًا مع غياب الكوادر الفنية المؤهلة للإشراف والمتابعة، مما أدى إلى تراجع الإنتاجية وخروج مساحات واسعة عن الخدمة.

وحول أولويات العمل في المرحلة الراهنة، كشف المهندس العرب ل عن انطلاق جولات ميدانية مكثفة، منذ اللحظات الأولى للسيطرة على هذه المناطق.

وتهدف هذه الجولات إلى دراسة الاحتياجات العاجلة لإعادة تأهيل مضخات المياه وقنوات الري التابعة للجمعيات التعاونية وقطاعات الري الحكومي.

وأكد العرب أن العمل جارٍ بالتنسيق مع مؤسسة الموارد المائية، لتعزيل المصارف وآبار الصرف العمودي، واعتبرها خطوة ضرورية لحماية التربة من التملح وضمان وصول مياه الري إلى نهايات المشاريع الزراعية التي عانت من العطش لسنوات.

وعود بالدعم

أشار العرب إلى أن المديرية بدأت فعليًا بحصر المساحات المزروعة بالمحاصيل الاستراتيجية (كالقمح والشعير).

ويهدف هذا الإحصاء إلى تقدير الاحتياجات الدقيقة من الأسمدة والبذار، لضمان جودة المحصول، إضافة إلى المحروقات لتشغيل الآليات والمضخات بأسعار مدعومة، والمبيدات لمكافحة الآفات التي انتشرت نتيجة غياب الرقابة سابقًا.

وشدد العرب على أن هناك مراسلات مستمرة مع الجهات المركزية لتأمين هذه المواد في القريب العاجل، لقطع الطريق أمام تجار السوق السوداء.

استراتيجية التسويق

في حين أن معاناة الفلاح لا تنتهي عند الحصاد، بل تمتد إلى التسويق، أكد المهندس إبراهيم العرب، في هذا السياق، أن هناك استراتيجية جديدة تهدف لحماية المنتج المحلي.

تعتمد هذه الرؤية على تقدير كميات الإنتاج المتوقعة بناء على المساحات المحصورة، ومن ثم اتخاذ إجراءات تنظيمية تضمن انسياب المحصول إلى مراكز الاستلام الحكومية.

وأضاف العرب أن الأولوية هي تحديد تكاليف الإنتاج بدقة، وإعطاء سعر مجزٍ لكل محصول، مؤكدًا أن الهدف هو تحقيق ربح حقيقي للفلاح، يضمن له الاستمرار في الدورة الزراعية، وهو ما اعتبره الضمانة الوحيدة لاستعادة الأمن الغذائي للمنطقة.

التصحر.. أزمة عالمية

اعتبرت الأمم المتحدة التصحر أزمة صامتة غير مرئية تعمل على زعزعة استقرار المجتمعات على نطاق عالمي، وهو ظاهرة تصنف بين أكبر التحديات البيئية في العصر الحالي، لكن معظم الناس لم يسمعوا عنه أو لا يفهمونه.

ويعتبر التصحر قضية عالمية لها آثار خطيرة على التنوع البيولوجي والسلامة “الإيكولوجية” (البيئية)، وتؤدي إلى الفقر وتزعزع الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والتنمية المستدامة على الصعيد العالمي.

وقدّرت الأمم المتحدة قيمة خسائر الغذاء وخدمات النظم البيئية والدخل، بسبب تدهور التربة، في جميع أنحاء العالم بحلول عام 2050، بنحو 23 تريليون دولار أمريكي.

ويتسبب التصحر سنويًا في تدهور نحو 12 مليون هكتار من الأراضي، ويؤثر في 40% من سكان العالم، ويصيب جميع القارات.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.