طغى على عملية استبدال العملة في سوريا، قلة الكميات المتاحة من العملة الجديدة في المصارف العامة والخاصة وشركات الصرافة على حد سواء، ما يعوق قدرة المواطنين على استبدال مدخراتهم القديمة، فيما يبدو أنه سياسة خنق للسيولة من قبل مصرف سوريا المركزي، الذي يعتزم استبدال العملة القديمة من فئات 5000 و2000 و1000 ليرة خلال ثلاثة أشهر.

مراسل جال في الأسواق بالوسط التجاري في العاصمة السورية دمشق الممتد من ساحة النجمة إلى ساحة المحافظة، وصولًا إلى ساحة السبع بحرات، وتم رصد ندرة تداول للعملة الجديدة، وتفضيل المواطنين للدولار والاحتفاظ بالنقد الجديد والتداول بالعملة القديمة.

في جولتها رصدت حركات تبديل العملة في المصارف وفق الآتي:

  • فروع بنك البركة الإسلامي: استبدال ما بين 75 مليون و100 مليون بالعملة القديمة أسبوعيًا للمتعاملين مع المصرف المودعين، وللمواطنين العابرين ما بين 20 إلى 25 مليون ليرة قديمة، وذلك استنادًا إلى الأموال المسلّمة من المركزي للبنك، (حسب تصريحات العاملين).
  • فروع مصرف التسليف الشعبي: 10 ملايين ليرة سورية قديمة أسبوعيًا لعملاء المصرف، وهذا الأمر متغير وفقًا للسيولة الكاش من المركزي، وإذا كان المبلغ أكبر من 10 ملايين ليرة قديمة، يتم استبدال 10 ملايين فقط، وإيداع باقي المبلغ بحساب العميل المصرفي ليطبق عليها سقف السحب الأسبوعي أو وفقًا لما يتوفر من سيولة.
  • فروع مصرف التوفير: 5 ملايين ليرة سورية يوميا للعميل العابر، وذلك مشروط بالسيولة المتوفرة أيضًا، ويعود لمدير الفرع تخفيض هذا السقف إذا لم يكن لدى الفرع كميات كافية وكان هناك طلبات استبدال كثيرة، وبالنسبة للمتقاعدين يمكنهم استلام كامل راتبهم دفعة واحدة بالعملة الجديدة، أما القائمون على رأس عملهم فقد وطنوا رواتبهم لدى شام كاش، ويمكنهم سحب الراتب كاملا من أي شركة حوالات أو صرافة.
  • بالنسبة للمودعين في فروع التوفير بعد 7 من أيار 2025: يحق لهم (نظريًا من حيث المبدأ) استبدال كامل إيداعاتهم، بالتنسيق بين المودع والفرع والمركزي، ومن حيث التطبيق، لوحظ حدوث فجوة زمنية كبيرة نسبيًا بين تسليم العملة القديمة والجديدة، نتيجة عدم توفر الكاش الجديد، ولدى سؤال المركزي أجاب أن سحب العملة الجديدة يكون في هذه الحالة تدريجيًا.
  • فروع المصرف الصناعي: ما بين 5 إلى 10 ملايين ليرة سورية قديمة يوميًا للمتعامل والعابر على حد سواء، يمكن أن تنخفض أحيانًا إلى 2 أو 3 أو 4 ملايين ليرة سورية تبعًا للسيولة من المركزي، وبالنسبة للودائع قبل 7 من أيار 2025، هناك سقف سحب يوميًا، للشركات 8 ملايين ليرة، وأصحاب السجلات التجارية والقطاع الإنتاجي 5 ملايين ليرة، والمودعين بعد 7 أيار يحق لهم استلام كامل إيداعاتهم بالعملة الجديدة، ولكن هذا أيضًا تبعًا للسيولة من المركزي.
  • بنك الشام الإسلامي: غير المتعاملين 5 ملايين ليرة قديمة أسبوعيًا، أما المتعاملون ممن لديهم حسابات فالسقف مفتوح للتبديل (نظريًا) وعمليًا يتم استبدال ما بين 20 إلى 25 مليون ليرة قديمة، ويتم إيداع الباقي بالحساب، وكل يومين يستبدل أيضًا نفس المبلغ، وفي حال توفر المبلغ يمكنه استبدال 40 أو 50 مليون ليرة في المرة الواحدة.
  • مكاتب شركة حوالات الهرم : مليون ليرة سورية قديمة يوميًا، ولوقت محدد، وبعد ذلك تتم عمليات التسليم بالليرة السورية فئة 5 آلاف ليرة.

وبما يمثل أحد تداعيات استبدال العملة، رفض أحد فروع “شام كاش” استلام حوالة مرسلة بمبلغ 250 ألف ليرة من فئة 500 قديمة (ذات اللون الأزرق)، كون ذلك يمثل استبدالًا للعملة، لأن المستلم سيتلقى الأموال بالعملة، وذلك وفق شكوى وصلت إلى بريد من مدينة حلب، كما تم طلب عمولة (بدون إيصال) بمبلغ 20 ألف ليرة سورية قديمة لاستقبال هذه الحوالة.

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق - 4 كانون الثاني 2025 (/ أحمد مسلماني)

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق – 4 كانون الثاني 2026 (/ أحمد مسلماني)

ما الجهات المعتمدة لتبديل العملة

وفقًا لقرار مصرف سوريا المركزي، رقم 706، تم تحديد المؤسسات التالية لاستبدال العملة (المصرف التجاري السوري، والمصرف العقاري، والمصرف الزراعي التعاوني، ومصرف التسليف الشعبي، ومصرف التوفير، والمصرف الصناعي، وبنك البركة– سوريا، والبنك الوطني الإسلامي، وبنك سوريا الدولي الإسلامي، وبنك الشام، وبنك بيمو السعودي الفرنسي، وبنك قطر الوطني– سوريا، وبنك الشرق، وبنك الائتمان الأهلي ATB، والبنك العربي– سوريا، والمصرف الدولي للتجارة والتمويل).

وشمل القرار أيضًا: بنك سوريا والمهجر، وبنك سوريا والخليج، وفرنسبنك– سوريا، وشهبا بنك، وبنك الأردن سوريا، والمصرف الأول للتمويل الأصغر– سوريا، ومصرف الإبداع للتمويل الأصغر– سوريا، ومصرف بيمو السعودي الفرنسي للتمويل الأصغر، ومصرف الوطنية للتمويل الأصغر.

البنك الدولي وثق في تقرير خلال سنوات الحرب في سوريا بعنوان “سوريا: آفاق الاقتصاد الكلي والفقر”، تدهورًا عميقًا في سعر الصرف، وارتفاعًا كبيرًا في التضخم، ما يجعل السوق حساسًا لأي صدمة سيولة، حتى لو لم يتحرك مؤشر الدولار.

قيود على السحب وثغرات دفع إلكتروني

الأكاديمي والباحث الاقتصادي والمالي السوري الدكتور محمود عبد الكريم، قدم في حديثه ل، شرحًا وتحليلًا عميقًا لما يحدث في الأسواق السورية، واقترح عددًا من الحلول، قائلًا، “في أي عملية استبدال عملة، المشكلة لا تكون في قرار الاستبدال بحد ذاته، بل في هندسة التنفيذ، كيف تُسحب الكتلة القديمة من التداول دون أن تخنق الأسواق بنقص النقد، وكيف تُضخ الكتلة الجديدة وفق جدول واضح يطمئن المودعين ويمنع تشكل سوق عمولات وابتزاز”.

الحالة السورية اليوم حساسة أكثر لأن الاقتصاد شديد الاعتماد على النقد، والقيود على السحب وثغرات الدفع الإلكتروني تجعل أي خلل صغير في توزيع الأوراق يتحول سريعًا إلى تضخم أسعار وارتباك في سعر الصرف، كاشفًا عن تقارير ميدانية وثقت أن السحوبات اليومية في المصارف العامة والخاصة ما زالت محدودة جدًا رغم دخول عملية الاستبدال شهرها الثاني.

ويرى الأكاديمي السوري أن الآليات السليمة التي كان يجب اتباعها لتجنب الخلل في السيولة أثناء الاستبدال تبدأ بقاعدة واحدة، وهي “لا يجوز أن يتم سحب النقد القديم أسرع من قدرة المنظومة على تعويضه بنقد جديد في نفس الجغرافيا ونفس توقيت الحاجة”، مستشهدًا بالنموذج الأكثر انضباطًا تاريخيًا وهو ما حدث في التحول إلى اليورو، حيث تم التحضير اللوجستي مسبقًا، وتوزيع النقد قبل يوم التحول، ووجود خطة تفصيلية لتغذية النظام دون إرباك المدفوعات اليومية.

مصرف سوريا المركزي أصدر، في كانون الأول 2025، قرارًا يتضمن التعليمات التنفيذية لأحكام المرسوم رقم 293 لعام 2025 الخاصة باستبدال العملة الوطنية، وحدد مدة الاستبدال بـ90 يومًا قابلة للتمديد وفقًا لأحكام القرار، على أن يصدر حاكم مصرف سوريا المركزي قرار التمديد قبل 30 يومًا من انتهاء المهلة المحددة.

وأشار القرار إلى أن فئات العملة القديمة من فئة 1000 و2000 و5000 ليرة سورية من جميع الإصدارات ستخضع للاستبدال خلال المهل المحددة، في حين تبقى باقي الفئات في التداول وتحتفظ بقوتها الإبرائية إلى حين صدور مهل خاصة لاستبدالها.

حلول.. ولكن التطبيق من البداية أفضل

الآلية السليمة في سوريا كانت تتطلب عمليًا نموذجًا مزدوجًا، يلخصها عبد الكريم بالآتي:

  • فترة تداول متوازٍ معلنة بوضوح.
  • مع تمويل نقدي يومي للفروع حسب بيانات السحب الفعلية في كل منطقة.
  • وربط ذلك بنظام مراقبة فوري للسيولة بين الفروع.
  • وإطلاق قنوات دفع إلكتروني أو تحويلات دون انقطاع وبسقوف تكفي لتجارة التجزئة وحلقات الإمداد.

وفكرة السقوف هنا ليست نظرية، قال عبد الكريم، إذا كان سقف الدفع الإلكتروني للفرد مليون ليرة يوميًا، فهذا قد يغطي استهلاك أسرة، لكنه لا يغطي تاجر جملة يحتاج مثلًا 30 مليون ليرة يوميًا لتمويل مشتريات ونقل وأجور، وغياب هذا التمييز يخلق اختناقًا في رأس المال العامل، حتى لو تم دفع الرواتب بانتظام.

المركزي ينفي نفاد العملة الجديدة

نفى حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، في كانون الثاني 2026، نفاد كميات العملة الجديدة، مشيرًا إلى وجود تحديات لوجستية محدودة في بعض المراكز، يعمل المصرف على معالجتها لضمان نجاح عملية الاستبدال، مع الحفاظ على التوازن النقدي واستقرار الأسعار، بما يخدم المواطنين والأسواق، بحسب ما نقلته صحيفة “الثورة السورية”.

وأكد الحصرية أن العملة الجديدة متوفرة بكميات كافية لتغطية احتياجات المحافظات السورية ومراكز الاستبدال المعتمدة لدى المصرف المركزي، موضحًا أن عملية الاستبدال لا تزال في مراحلها الأولى، ما يجعل حدوث بعض التحديات اللوجستية والتشغيلية أمرًا طبيعيًا، داعيًا المواطنين إلى عدم الاستعجال أو الهرع لاستبدال العملة القديمة.

وشدد على أن المصرف المركزي يتابع تنفيذ عملية الاستبدال بشكل يومي وبدقة عالية عبر الفرق الرقابية المختصة، لضمان سلاسة الإجراءات وعدالتها في جميع المراكز.

حالات ابتزاز من صرافين

ردًا على سؤال حول وجود حالات ابتزاز، يرى الدكتور عبد الكريم أن الحد من الظاهرة يحتاج أن يُسحب مصدر الربح غير المشروع، وهو الندرة المصطنعة وعدم تكافؤ الوصول، أي أنه عندما لا يستطيع المواطن الحصول على خدمة الاستبدال بسهولة عبر المصرف أو النافذة الرسمية، تظهر سوق عمولة تشتري الزمن والجهد والواسطة.

وهنا يبرز منطق معروف في الأدبيات النقدية: “القيود والفجوات بين القنوات الرسمية والموازية تخلق حوافز للاستغلال”.

والإجراءات الفاعلة عمليًا يمكن تلخيصها كالتالي بصيغة تشغيلية قابلة للقياس:

  • أولًا: توسيع نقاط الاستبدال الرسمية بسرعة داخل المدن والأحياء، مع نقاط متنقلة بإشراف مباشر، لأن كل نقطة إضافية تقلل وقت الانتظار وتخفض القدرة الاحتكارية للصرافة.
  • ثانيًا: إعلان قاعدة “عمولة صفر” أو بدل خدمة رمزي جدًا، مع إلزام تقديم إيصال مفصل، وأي خصم غير مذكور في الإيصال يعتبر مخالفة جسيمة.
  • ثالثًا: رقابة ميدانية سريعة العقوبة، والتفتيش لا ينجح إذا كان بطيئًا، لأن الابتزاز يتغذى على الزمن.

لفهم لماذا العمولة تتحول فورًا إلى تضخم، قال الدكتور عبد الكريم، إنه إذا كان المواطن يبدل 4,000,000 ليرة ودفَع 5% عمولة، فهو يخسر 200,000 ليرة، وإذا كان المتضرر تاجر تجزئة سيحوّل هذه الكلفة إلى السعر، وإذا كانت العمولة 10% تصبح الخسارة 400,000 ليرة، أي أنها تعادل ثمن سلعة أساسية لعدة أيام، فتتحول مباشرة إلى ضغط معيشي.

ارتفاع السلع وبقاء سعر الصرف

يفسر الأكاديمي والباحث الاقتصادي والمالي السوري، الدكتور محمود عبد الكريم، ارتفاع أسعار السلع وبقاء سعر الصرف مستقرًا نسبيًا، بثلاث آليات تتجاوز الدولار مباشرة وهي:

  • علاوة السيولة: عندما يصبح النقد نادرًا، يضيف البائع كلفة إضافية على السعر مقابل البيع نقدًا أو مقابل تحمل مخاطر التحويل والانتظار.
  • تكلفة التمويل التشغيلي: التاجر الذي لا يستطيع سحب أمواله أو دفع أجور أو شراء مخزون بسهولة، يرفع السعر لتعويض تكلفة توقف رأس المال العامل.
  • توقعات التضخم وسلوك التحوط: مع استقرار مؤقت في الصرف، إذا كان تاريخ التضخم طويلًا وحادًا، يظل التسعير استباقيًا.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.