أ. د. حيدر أحمد اللواتي **

هناك اعتقاد شائع لدى الكثيرين بأنَّ رأي غالبية العلماء يجب أن يُعتبر قاعدة لا غنى عنها، وأن الإجماع العلمي هو الضامن الأكيد لصحة الأفكار والنظريات، إن هذا الاعتقاد ينبع من فكرة أن العدد الكبير من المؤيدين يعني صحة الفكرة، وأن الاتفاق الجماعي يشكل معيارا للحقيقة العلمية.

قد يكون الأمر كذلك في بعض الأحيان وربما في غالبها، لكن الواقع التاريخي والعلمي يوضح أمرا آخر في غاية الأهمية وهو أن الاكتشافات الكبرى والتحولات الجوهرية في العلم حدثت عندما تجرأ أحد العلماء وتحدى الإجماع السائد، وكسر القيود الفكرية التي فرضها الإجماع مما مكنه من فتح آفاق جديدة في فهم العالم غيَّرت وجه البشرية، بل نستطيع أن نقول إن الرفاه الذي تنعم به البشرية اليوم إنما هو بسبب جرأة هؤلاء العلماء الذين لم يعيروا الإجماع أو رأي الأغلبية قيمة إذا خالف ما توصلوا إليه من نظريات علمية.

ولا بُد أن نوضح هنا أمرا ذا أهمية وهو أننا لا نعني بالتفكير المختلف، أن يرجح النظرية الأقل شهرة بين العلماء على الأخرى والتي تحظى بتأييد أقل، فذلك مستوى من التفكير المختلف لكننا نتحدث هنا عن مستوى أعلى من الاختلاف، إننا نتحدث عن تفكير مبدع وفكرة جديدة لم تخطر ببال العلماء من قبل، هذا النوع من التفكير هو الذي نُسلط الضوء عليه، وهو الذي له أثر كبير على تطور العلوم.

لنأخذ مثالًا على ذلك من الفيزياء والكهرباء: العالم نيكولا تسلا، الذي كان صاحب رؤية ثورية حول الكهرباء والطاقة، واجه رفضًا وانتقادًا من علماء عصره الذين تمسكوا بالنظريات السائدة آنذاك، لكن تسلا لم يكن مجرد مخترع، بل كان مفكرًا مُتقدمًا على زمانه بفكرته التي غيّرت شكل العالم، وهي التيار المُتردد، ففي ذلك الوقت، كان التيار المستمر الذي دافع عنه توماس إديسون هو النظام المقبول والمستخدم على نطاق واسع، وكان معظم العلماء والمهندسين يعتقدون أنه الحل الأمثل لنقل الكهرباء.

لكن تسلا رأى الأمور بشكل مختلف، فقد أدرك أن التيار المتردد هو الأكثر كفاءة لنقل الكهرباء لمسافات طويلة، وهو ما كان مخالفًا للإجماع العلمي والصناعي في ذلك الوقت، ولم يقتصر الأمر على اختلاف تقني، بل تحول إلى صراع حاد بينه وبين إديسون، الذي استخدم كل نفوذه ليس فقط للدفاع عن التيار المستمر، بل أيضًا لإثارة الرأي العام ضد تسلا.

إديسون اتبع أساليب دعائية مكثفة لتشويه سمعة تسلا وأفكاره، فقام بإطلاق حملات إعلامية هدفها خلق خوف وعدم ثقة في التيار المتردد، إذ عرض تجارب مثيرة مثل صعق حيوانات بالكهرباء باستخدام التيار المتردد ليُظهره كخطر قاتل على البشر، لم تكن هذه الحملات مجرد منافسة علمية، بل تعدت ذلك لتتحول الى حرب شخصية تسعى من النيل من تسلا مباشرة والتقليل من شأنه أمام الجمهور والمستثمرين.

رغم كل هذه الحملات، استمر تسلا في تطوير تقنيته، ونجح في إثبات أن التيار المتردد هو الحل الأفضل، مما أدى إلى ثورة في مجال الطاقة الكهربائية، إن قصته تعكس كيف يمكن للإجماع العلمي أن يقيد التطور والابتكار عندما يُفرض بشكل صارم دون مساحة للتجريب والتشكيك، وكيف أن الصراعات الشخصية والمصالح الاقتصادية قد تلعب دورًا في تأخير قبول الأفكار الجديدة التي تغير وجه العالم.

يوهانز كبلر يعد هو الآخر مثالا بارزا على مخالفة الإجماع العلمي الذي كان سائدا في عصره، فقد تحدى الأفكار القديمة التي كانت تفرض أن الكواكب تدور في مدارات دائرية، كبلر استخدم ملاحظاته الدقيقة ليثبت أن المدارات ليست دائرية بل بيضاوية، إن هذا التحدي للإجماع العلمي آنذاك فتح الطريق لفهم أعمق لحركة الأجرام السماوية، ومهد الطريق لنيوتن وقوانينه التي غيرت مسار العلم برمته.

الطب أيضًا شهد مواقف مُماثلة؛ على سبيل المثال، إدوارد جينر الذي اكتشف لقاح الجدري واجه مقاومة من المجتمع الطبي الذي كان متشبثًا بالأفكار التقليدية عن المرض والشفاء، وُلد جينر في إنجلترا عام 1749، وعمل كطبيب في قرية صغيرة، حيث لاحظ أن النساء العاملات في حلب الأبقار واللواتي أصبن بمرض خفيف يُعرف بالجدري البقري لم يصبن بمرض الجدري البشري، وقد دفعته هذه المُلاحظة إلى تجربة جريئة عام 1796؛ إذ أخذ مادة من بثرة جدري بقري وحقنها في جسد صبي صغير، وبعد تعافيه عرض الصبي عمدًا لمرض الجدري البشري، لكنه لم يصب به، لقد شكلت هذه التجربة نقطة تحول في الطب وأثبتت إمكانية الوقاية من الأمراض المعدية عبر التلقيح، ورغم نجاح هذه التجربة، واجه جينر رفضًا شديدًا من العلماء الذين اعتبروا فكرته خطيرة وغير علمية، ولم يسمحوا له بمُناقشة عادلة لأفكاره، لكنه استمر في نشر أبحاثه حتى انتشرت فكرته عالميًا وأنقذت ملايين الأرواح.

هذه الأمثلة وغيرها تظهر أن الإجماع العلمي أو رأي غالبية العلماء ليس مقياسًا للحقيقة، وأنه في كثير من الأحيان كان يمثل حاجزًا أمام التقدم، فالعلم يتقدم عندما يجرؤ بعض العلماء على التفكير خارج الصندوق، والتشكيك في المعتقدات الراسخة، وتجريب أفكار جديدة حتى وإن كانت تواجه رفض الأغلبية.

لذا، يجب أن نُقدر دور المخالفين والمبدعين الذين لا يخشون تحدي الإجماع، لأنهم هم من يفتحون أبواب المعرفة ويقودون البشرية إلى فهم أعمق وأشمل للعالم، ولا يعني ذلك القبول بأفكارهم ونظرياتهم؛ بل المطلوب أن يفسح لهم المجال لطرحها ومناقشتها، دون خوف أو تقليل من شأنهم، فالإجماع يمكنه أن يكون نقطة انطلاقة، لكنه ليس نهاية البحث، والعلم الحقيقي يحتاج إلى جرأة التفكير الحر والابتكار المستمر.

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

شاركها.