بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، أثيرت تساؤلات عديدة بشأن مستقبل تياره السياسي في ليبيا، فبينما يرى بعض المراقبين أن غيابه قد يمهد الطريق لولادة بدائل جديدة تحمل الخطاب نفسه، يعتقد آخرون أن اغتياله يكتب السطر الأول في أفول مؤجل لهذا التيار ويعيد رسم موازين القوة على الساحة الليبية.
واعتبر خبراء ومصادر، تحدثوا لـ”الشرق”، أنه لا يمكن اختزال اغتيال نجل العقيد الليبي الراحل في كونه حادثاً أمنياً أو نهاية لمسيرة شخصية مثيرة للجدل، بل يعكس في جوهره عمق أزمة قد تتحول فيها الشخصيات، لاعتبارات عدة، إلى رموز كما قد تتلاشى.
وبينما تمضي ليبيا في مسار سياسي غامض، يبقى السؤال مفتوحاً بشأن ما إذا كان غياب سيف الإسلام القذافي سيضع نقطة النهاية لفصل من الماضي، أم أنه خلافاً لذلك، سينتج تمظهراً في شكل بدائل سياسية قد تكون قادرة على المنافسة وإحداث الفرق.
ودفن جثمان سيف الإسلام القذافي، الجمعة، في منطقة بني وليد غربي ليبيا، على بُعد نحو 200 كيلومتر إلى الجنوب من طرابلس، معقل قبيلة ظلت موالية لوالده الذي بقي في الحكم أكثر من 40 عاماً.
وتعد بني وليد، التي يبلغ عدد سكانها 100 ألف نسمة، معقل قبيلة الورفلة القوية التي لا تزال تُحيي ذكرى معمر القذافي منذ الإطاحة به عام 2011.
وبحسب ما صرحت به في حينه مصادر محلية مطلعة، لـ”الشرق”، فقد قُتل نجل القذافي، الثلاثاء الماضي، إثر اقتحام 4 مسلحين لمقر إقامته في مدينة الزنتان غرب ليبيا، وتعطيل كاميرات المراقبة قبل تنفيذ العملية، فيما أعلنت النيابة العامة الليبية فتح تحقيق، مؤكدة أن الوفاة نجمت عن طلق ناري.
“صورة إصلاحية”
ولسنوات طويلة، وتحديداً خلال حكم والده، سعى سيف الإسلام إلى الظهور بصورة إصلاحية معتدلة، لكن هذه السمعة سرعان ما انهارت مع اندلاع أحداث 2011، خصوصاً حين توعد بـ”أنهار من الدم”.
وفي ذلك الحين، ورغم أن التطورات خصمت من رصيده الشعبي بشكل كبير، كان لا بد أن يوضع على ميزان الزمن، ليمنح الناس فرصة لإصدار حكم نهائي بشأنه.
وفي غضون ذلك، اُعتقل سيف الإسلام في جنوب ليبيا، واُحتجز لفترة طويلة لدى مجموعة مسلحة في الزنتان، وبالتوازي مع ذلك، جرت محاكمته غيابياً أمام القضاء الليبي وصدر بحقه حكم بالإعدام.
ولم يكن القضاء المحلي هو من يطلبه فقط، بل صدرت بحقه أيضاً مذكرة اعتقال دولية عبر الإنتربول، لكن المسلحين الذين كانوا يحتجزونه رفضوا تسليمه، وأفرجوا عنه في 2017.
وبغض النظر عن الصفة القسرية لبقاء سيف الإسلام في ليبيا، يرى لسعد سويد، المحلل السياسي الليبي، أن هذه الجزئية كان لها دور كبير في تحديد بوصلة المزاج العام حياله.
ووضع سويد، في حديث لـ”الشرق”، سيف الإسلام على الميزان الشعبي في ليبيا، قائلاً إن “السنوات التي أعقبت أحداث 2011، لم تكن لتسمح برؤية واضحة، فالتحول كان مفاجئاً وعميقاً لدرجة أنه كان من الصعب تبين مواقف الناس نظراً لحالة الخوف التي سادت حينها”.
وتابع: “تلك الفترة نفسها، كانت المحدد الرئيسي لوزن سيف الإسلام في ما بعد 2011، ذلك أن جزءاً كبيراً من الناس دخلوا في المقارنات، ومع حالة الانقسام والحرب وتدهور الوضع المعيشي، بدأت الكفة تميل لصالحه مجدداً”.
وبحسب سويد يظل من الأهمية بمكان التفريق بين الشرائح المختلفة التي تشكل أنصار سيف الإسلام، لأن هناك الذين يمكن اعتبارهم “بيولوجيين” أي أن تأييدهم نابع من روابط الدم، مثل قبيلة القذاذفة.
وقال سويد في هذا الصدد: “هناك أيضاً الموالون سياسياً، وهم أنصار والده والطامحون لعودة حكم عائلة القذافي، وهؤلاء هم حاملو شعار الجماهيرية، ويدعمون طرحاً يقدم العودة للماضي كبديل مريح وآمن عن الانقسام السائد”.
وأضاف: “هناك أيضاً من هم غير أنصار النظام القديم، لكنهم اعتنقوا تيار سيف الإسلام مع تدهور الأوضاع في البلاد خلال حقبة ما بعد 2011، وهؤلاء قد تكون نظرتهم وولاؤهم نابعين من مقارنة وجدوا أن نتائجها تميل لصالح بديل قد يوفر الحد الأدنى من الاستقرار السياسي”.
وتنقسم ليبيا حالياً بين سلطتين، حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة في الشرق مقرها بنغازي يدعمها البرلمان والمشير خليفة حفتر.
وفي تأكيده على الثقل السياسي لسيف الإسلام، استشهد سويد بما أظهرته استطلاعات الرأي حين قدم نجل القذافي ترشحه للانتخابات الرئاسية في 2021، معتبراً أنه لو لم يتأجل الاستحقاق آنذاك لأسباب سياسية وأمنية، لكان سيف حصد نتيجة قد تقلب التوازنات في البلاد.
ولم يبق على قيد الحياة من أبناء معمر القذافي الـ7 سوى 4 هم محمد والساعدي وهانيبال وابنته عائشة، وجميعهم يعيشون خارج ليبيا بضيافة عدة دول منحتهم حق اللجوء، مثل والدتهم.
قوة من الضعف
ويرى الناشط السياسي الليبي صلاح العبار أن الثقل الشعبي النسبي الذي كان يحظى به سيف الإسلام يسلم به أيضاً، قائلاً إن نجل القذافي “لم يكن له ثقل عسكري أو مالي أو من ناحية العلاقات الخارجية، لكن ما كان يمثله هو اعتماده على العامل الشعبي”.
وأضاف العبار، في حديث مع “الشرق”، أن سيف الإسلام “كان يستفيد من أخطاء الأعوام الـ15 من النزاع المسلح في ليبيا، وكان يستثمر شخصيته وخطابه خصوصاً ما يتعلق منه بالتجديد والتغيير، علماً أنه كان شخصية توافقية بفترة ما قبل 2011”.
واعتبر العبار أن “قوة سيف الإسلام تكمن في ضعف ليبيا وما شهدته من صراعات واستنزاف للأموال وغيرها، فلقد كانت هناك مؤشرات قوية على شعبيته، عندما تقدم بترشحه للرئاسة، وهنا يكمن ثقله”.
وأشار العبار إلى استطلاعات الرأي التي أظهرت دعماً شعبياً لسيف الإسلام من عدة شرائح بالمجتمع، ومن الموالين للنظام القديم وأيضاً ممن هم بين البينين أي غير المؤيدين لا للنظام القديم ولا لما جاء بعد 2011.
لكن المحلل السياسي محمد امطيريد يبدو مؤيداً أكثر لفكرة أن سيف الإسلام كان شخصية وازنة على الأقل شعبياً.
وقال امطيريد، لـ”الشرق”، إن نجل القذافي “كان يمتلك وزناً سياسياً واجتماعياً واضحاً لدى جزء من الشارع الليبي، خاصة عند الفئات التي كانت تبحث عن عودة هيبة الدولة والاستقرار بعد سنوات طويلة من الفوضى والانقسام”.
واعتبر أن “وجوده كان بالنسبة لهم رمزاً لفكرة الدولة المركزية أكثر من كونه مجرد شخصية سياسية”، مضيفاً: “لكن الواقع اليوم تغير والمشهد الليبي أعاد ترتيب نفسه على أساس معادلة الأمن أولاً، التي فرضتها المؤسسة العسكرية بقيادة القيادة العامة (المشير خليفة حفتر)، التي تمكنت خلال السنوات الماضية من تثبيت الاستقرار في مناطق واسعة ومحاربة التنظيمات المتطرفة والحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية، وهو أمر كان يمثل مطلباً رئيسياً عند أغلب الليبيين”.
تركيبة أنصار سيف الإسلام
وفي تفكيكه لتركيبة أنصار سيف الإسلام، قال العبار إنها “تضم التيار المؤيد لفكرة الجماهيرية، وهم أتباع النظام السابق، كما أن الوضع السائد من تدني المستوي المعيشي والصراعات والانقسام السياسي وغيرها، أفرز ظهور شخصيات أو شرائح كبيرة من المجتمع ترى في سيف الإسلام إعادة للتوازن والوضع بشكل عام، الاقتصادي والسياسي”.
وأضاف: “كأن هذا الشخص الذي تلتف حوله هذه الشرائح: الموالون للنظام السابق، والشريحة الثانية هم غير المؤيدين للنظام السابق لكنهم يرون في سيف الإسلام أهون الشرور الموجودة حالياً”.
ويملك امطيريد قراءة مختلفة في تركيبة أنصار سيف الإسلام، حيث يعتقد أن “التيار الذي كان يلتف حوله لم يكن تنظيماً سياسياً متماسكاً بقدر ما كان حالة اجتماعية وسياسية قائمة على فكرة استعادة الدولة”.
وأضاف: “هذا التيار يقف اليوم أمام اختبار حقيقي، الخيار الواقعي أمام هذا التيار هو الانخراط في المشروع الوطني الذي يقوم على دعم مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية (الجيش الليبي)، لأن أي مسار سياسي بدون قاعدة أمنية مستقرة لن يكون قابلاً للحياة”.
بدائل سيف الإسلام القذافي
في المقابل، يرى عضو مجلس الدولة الليبي أحمد اهمومة أن الطرح القائل بأن اغتيال سيف الإسلام سيفتح الباب لظهور بدائل تتبنى خطابه دون الارتباط بإرث القذافي، لا يلقى تأييداً.
وقال اهمومة، في تصريحات لـ”الشرق”، إن “أنصار سيف الإسلام لم يرونه منذ اعتقاله قبل 13 عاماً، أي أنهم كانوا يتشبثون بسراب ووهم لعدة اعتبارات، أهمها المطالبات المستمرة من محكمة الجنايات الدولية بمثوله أمامها بتهمة التحريض على قتل المدنيين وإصدار الأوامر بقتل المتظاهرين في 2011”.
ولفت أيضاً إلى صدور حكم بالإعدام غيابياً بحقه من قبل القضاء الليبي، إذ أعرب عضو مجلس الدولة عن اعتقاده بأنه “لن تكون هناك ردود فعل من قبل أنصار سيف الإسلام”، مرجعاً ذلك إلى “عدم تقديمهم طيلة فترة احتجازه لأي خطة أو مشروع وطني يؤسس لدولة حرة وديمقراطية تغري خصومه بالإفراج عنه لتحقيق ذلك”.
وتابع: “فما بالك بعد موته، لن تكون هناك ردة فعل، لا من أنصاره ولا من قبيلته، لأنهم تخلوا عنه في ساعة العسر، فما بالك الآن”.
غير أن العبار يتبنى نظرية مختلفة، إذ يرجح أن “من المحتمل بشكل كبير ظهور شخصية ربما تكون من عائلة القذافي ستذهب نحو الترشح للانتخابات وتمثيل شريحة من المجتمع، وهي المؤيدة للنظام القديم، وليس بالضرورة أن تكون مؤيدة له في أطروحاته”.
ويذهب المختص القانوني الليبي أحمد الخراز إلى تأييد اهمومة في قراءته لسيناريوهات ما بعد اغتيال سيف الإسلام وتداعياته على أنصاره.
وقال الخراز لـ”الشرق”: “نعم، كان سيف أحد المرشحين للرئاسة، وقد يكون اغتياله حدثاً كبيراً، لكن انعكاسه لن يكون له أي تأثير نظراً لعدم وجود قاعدة شعبية وجناح سياسي أو عسكري قوي على الأرض”.
وأوضح وجهة نظره قائلاً إن “سيف الإسلام لم يقدم شيئاً لأنصاره منذ أكثر من 12 عاماً، ويمكننا الإشارة هنا إلى كيف تُرك لمصيره من قبل من كانوا حلفاؤه بالأمس في الزنتان”، مرجعاً إقصائه من المشهد إلى عدم امتلاكه أوراق قوة، لا داخلياً ولا دولياً”.
وبخصوص من قد يحمل راية النظام السابق، يرى الخراز أنه “لا توجد شخصيات قادرة على جمع من تبقى من أنصار القذافي، وهم جزء من ليبيا ونظامها الحالي”، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن “عدد من خرجوا في مراسم وصول الجنازة إلى بني وليد يؤكد أن الكثير من أنصار النظام قد تخلوا عنه”.
أما امطيريد فيقف بين الطرحين، معتبراً أن “من الممكن ظهور شخصيات أو تيارات تحمل نفس الخطاب، لكن نجاحها مرتبط بقدرتها على قراءة المرحلة الحالية بشكل واقعي والابتعاد عن الصراعات القديمة، والتوجه نحو دعم مشروع الدولة الموحدة”.
وختم بالقول إن “الشارع الليبي أصبح يميل للحلول التي تضمن الأمن والاستقرار أكثر من أي شعارات سياسية”.
وفي رده عن سؤال حول احتمال استفادة أنصار سيف الإسلام سياسياً من اغتياله، يرى العبار أن من الممكن تحقيق مكاسب كبيرة من الحدث، مرجعاً ذلك على وجه الخصوص إلى الطبيعة العاطفية للشعب الليبي.
وأشار إلى أن “هذا التيار السياسي سيستفيد من ناحية الظهور بشكل أقوى من قبل، خاصة لو وقف خلف شخصية قد تكون من عائلة القذافي لها كاريزما أو يكون لها دور مستقبلي”.
الرمزية لا تكفي
وفي تقدير امطيريد، لا يمكن وصف تيار سيف الإسلام بأنه كتلة سياسية تقليدية بقدر ما هو امتداد اجتماعي وقبلي وشعبي يحمل حنيناً لمرحلة سابقة كان يعتقد أنها أكثر استقراراً.
ومن واقع الانقسام الحالي، وهو ما جعل سيف الإسلام يمثل بالنسبة لها واجهة سياسية يمكن أن تعيد دمجها في المشهد العام.
ويعتبر امطيريد أن المعطيات على الأرض تشير إلى أن هذه القاعدة لم تنجح خلال السنوات الماضية في إنتاج قيادة بديلة حقيقية، والسبب يعود إلى أن حضورها كان يعتمد بشكل كبير على الرمزية التاريخية والشرعية الاجتماعية التي ارتبطت بعائلة القذافي، وليس على مؤسسات سياسية أو تنظيمات حزبية قادرة على صناعة قيادات جديدة.
ولذلك، فإن الحديث عن أسماء محددة يمكن أن تتولى قيادة هذا التيار يظل حتى الآن في إطار التكهنات، لأن أي شخصية تحاول التقدم ستواجه تحديات تتعلق بمدى قبولها داخل هذا المكون أولاً، ثم قدرتها على التعامل مع التوازنات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف الليبي، بحسب امطيريد.
ورغم ذلك، لفت الخبير إلى وجود محاولات غير واضحة المعالم داخل بعض الدوائر القبلية والاجتماعية لإيجاد شخصيات قد تلعب دور الوسيط أو الحامل السياسي لهذا التيار، لكنها ما زالت محدودة التأثير ولا تمتلك الحضور الوطني الشامل.
كما أن جزءاً من هذه القاعدة بدأ يتجه عملياً إلى إعادة التموضع داخل تحالفات سياسية قائمة، سواء في الشرق أو الغرب أو الجنوب، وهو توجه يعكس رغبة في الحفاظ على الحضور داخل الدولة بدل البقاء في حالة عزلة سياسية.
وبشكل عام، يعتقد امطيريد أن الفراغ الذي تركه غياب سيف الإسلام لم يُملأ حتى الآن، وأن هذا المكون لا يزال يبحث عن صيغة تمثيل جديدة قد تكون على شكل شخصية سياسية، أو تحالف واسع، أو حتى اندماج تدريجي داخل مشاريع وطنية أكبر، وهو ما سيظل أحد العوامل المؤثرة في توازنات المشهد السياسي الليبي خلال المرحلة القادمة.
من الأجيال الجديدة
وتجمع مصادر ليبية، تحدثت لـ”الشرق”، على أن تيار سيف الإسلام لم يضع بديلاً لقيادته، لأن الكتلة التي كانت تشكل أنصاره ومؤيديه لم تكن سياسية بالمعنى التنظيمي المتعارف عليه.
واعتبر مصدر ليبي مطلع أنه لا يمكن الحديث أصلاً عن وجود تيار لسيف الإسلام، واصفاً الموجودين بدائرته بأنهم مؤيدين أو متعاطفين أو ممن لديهم حنين للنظام السابق أو حتى لفكرة الاستقرار في حد نفسها بغض النظر عمن يوفرها.
وقال المصدر في حديث لـ”الشرق”: “أمام حالة التشظي العامة السارية في ليبيا، لا يمكن الجزم بوجود مشروع سياسي قادر على المواصلة في نفس خط سيف الإسلام، كما أنه لا يمكن حتى معرفة ماهية أو تركيبة هذا التيار، خصوصاً أن خطاب سيف الإسلام بالسنوات الأخيرة كان متداخلاً”.
وبالعودة إلى أصول التيار في “ليبيا الغد”، رجح المصدر ظهور ممثلين له على المدى المتوسط لكن من غير المجموعة التي كانت محيطة بسيف الإسلام، بمعنى أن من قد يحمل الراية سيكون من الأجيال الجديدة التي لم تتواصل مع نجل العقيد مباشرة.
وفي 2006، أطلق سيف الإسلام مشروعاً إصلاحياً تحت شعار “ليبيا الغد”، ووُصف وقتها بمحاولة توريث للحكم.
وبحسب معرفته الشخصية به واطلاعه على كواليس الحياة السياسية في عهد العقيد معمر القذافي، أشار المصدر إلى أنه لم يعرف عن سيف الإسلام إجادته لاختيار المحيطين به.
وبخصوص طرح اسم عائشة القذافي لقيادة التيار، استبعد المصدر حصول هذا الأمر، مرجعاً ذلك إلى أن القذافي الأب كان شخصاً قبلياً بسيطاً ويميني النظرة، خلافاً لخطابه اليساري، ولذلك لم يكن الموضوع مطروحاً في أي من الأزمنة.
عائشة القذافي
وفي حديث لـ”الشرق”، قال المحلل السياسي الليبي طارق لشيهب إن تيار سيف الإسلام كان عبارة عن حزام شعبي بمكونات غير متجانسة وغير مرئية أحياناً، وما يجمع الكثير منهم لم يكن المشروع السياسي نفسه، وإنما كانوا يرون في نجل العقيد منقذاً من الصراع الحالي.
وأضاف: “الليبيون في فترة ما وحتى اليوم، باتوا يراهنون على الأمن والاستقرار، ولذلك كانوا يرون في سيف الإسلام الشخصية الوحيدة التي يمكنها تحقيق ذلك، وهذا ما يمكن تفسيره بالأثر النفسي، أي أن البعض يتوق لنظام القذافي فقط لاستعادة الإحساس بالاستقرار”.
وقال لشيهب إن “سيف الإسلام كان يعتبر نقطة التقاء رمزية لجميع هؤلاء، وذلك رغم غياب مشروع سياسي قادر على بلورة رؤية عملية بإمكانها الدخول على التوازنات الموجودة، أو ربما كان ذلك سيتزامن مع الانتخابات التي لم تجر، ولذلك ظل كل شيء حبراً على ورق”.
ومن هنا، يخلص الخبير إلى أنه يمكن تفهم غياب وجود حزام سياسي لسيف الإسلام، وغياب البدائل بعد اغتياله، لأن المطلوب كان هو فقط بما يمثله من رمزية، وهو فقط من كان يتمتع بالمواصفات المطلوبة شعبياً لقيادة المشروع.
ويقول لشيهب: “كانت هناك شقيقته عائشة، والتي كانت تمتلك كل المؤهلات اللازمة لأن تكون متواجدة بالصف الأول للتيار، وبالفعل طرح اسمها لفترة ما رغم أن من الصعب التحدث عن وجود امرأة بمنصب قيادي حين يتعلق الأمر بالقبائل في ليبيا”.
وتردد اسم عائشة لفترة باعتبار شخصيتها الوازنة والمحبوبة من قبل قسم واسع من الليبيين، أضف لذلك كونها امرأة، ما يفتح أمامها أبواب القبول من طرف المجتمع الدولي، بحسب لشيهب.
وعائشة اسم يتفق على تردده أيضاً مصدر من عائلة القذاذفة، تحدث لـ”الشرق” مفضلاً عدم كشف هويته، قائلاً إنها “تمتلك المواصفات المطلوبة لخلافة أخيها في قيادة التيار الجماهيري، خاصة لما يوليه المجتمع الدولي من أهمية للمرأة”.
وأضاف المصدر، في تصريح لـ”الشرق”، أن “عوامل عدة تجعل منها اسماً وازناً، لكن غير قادر عملياً على إدارة تيار سيف الإسلام بالمرحلة المقبلة، والأمر ينطبق على جميع أفراد عائلة العقيد الراحل”.
وتابع أن “عائشة ووالدتها مقيمتان في مسقط، وأعتقد أن شقيقها محمد هناك أيضاً، والساعدي كان في مصر ثم انتقل إلى تركيا، ما يعني عملياً أن من الصعب أن تجازف بالعودة إلى ليبيا لدواع أمنية”.
وأكد لشيهب أن عائشة “كانت البديل المطروح لسيف حتى في حياته، ففي فترة ما، خصوصاً بعد سنوات من أحداث 2011، ولنقل حين هدأت الأمور، تردد في كواليس تيار سيف الإسلام أن وجود عائشة كعنصر نسائي من شأنه أن يمنح التيار ثقة أكبر سواء داخلياً (طمأنة للنساء) وخارجياً باعتبار وجودها رسالة مهمة للمجتمع الدولي الذي يقدر وجود المرأة في مناصب قيادية بالحياة السياسية”.
وتابع: “لكن خصوصية المجتمع الليبي، وخصوصا قبيلة القذاذفة، يجعل من الصعب القبول بقيادة المرأة لأي مشروع، خصوصاً إذا كان سياسياً، ولذلك بدت المخاوف واضحة من أنه في حال المجازفة، سيفقد التيار الكثير من أنصاره وقد ينزف حد الفناء، وهو الذي تراجع بعد 2011”.
وتحدث عن هذه العقبات أيضاً المصدر من عائلة القذاذفة، لافتاً إلى أنها تحول دون تحويل النوايا والمساعي إلى واقع، رغم أن تيار سيف الإسلام يريد بالفعل اسماً من عائلة القذافي بخلفية نظيفة قادرة على استثمار رمزيته.
والخلاصة، وفق المصدر، أن تيار سيف الإسلام حالياً في حالة صدمة لا تسمح بالخوض في نقاشات البديل، فالاغتيال يشكل لحظة فارقة، ليس بالنسبة لأنصاره فقط وإنما لليبيا بأسرها، ولذلك يبدو مبكراً الحديث عن قيادي بديل بالوقت الراهن.
كما أن غياب البدائل قد يفسر من منطلق أن “وجود سيف الإسلام قبل اغتياله كان يبدو كافياً لتياره، وكان يعتبر عامل توحيد صفوف، وهذا ربما ما جعل مشروعه ينبني على شخص لاعتبارات عدة، وهو نفس الأمر الذي جعل من الصعب وجود أسماء بديلة له”، بحسب المصدر.
والرؤية نفسها أكدها مصدر سياسي من الشرق الليبي، قال إنه حتى في حياة سيف الإسلام، لطالما كان اسم شقيقته عائشة مطروحاً بالتوازي معه، لكن وجودها خارج ليبيا حال دون حصول أي تقدم قد يجعلها تدخل معترك السياسة.
لكن السبب الأبرز الذي يعتقد المصدر أنه يمنع عائشة نفسها من التفكير في الأمر، هو إدراكها لطبيعة التفكير لدى القبائل الليبية بشكل عام، فرغم أنها مثقفة وتملك المؤهلات اللازمة لإدارة المرحلة على رأس التيار، لكن من الصعب أن تتمكن من الحصول على الدعم الشعبي، وقد يكون هذا من الأسباب التي جعلتها بعيدة عن المعترك السياسي، بحسب المصدر.
