لم يكد عقرب الدقائق يودّع الثامنة مساءً، موعد إغلاق مراكز الاقتراع في الانتخابات التشريعية، حتى انطلق السباق الإعلامي بين القنوات اليابانية لنقل نتائج الفرز لحظة بلحظة.
على الشاشات، بدا الارتفاع المتسارع في عدد مقاعد الحزب الليبرالي الديمقراطي أشبه بعجلة يناصيب تدور بلا توقف؛ فكل بضع دقائق كان الرقم يقفز صعوداً في خانة حزب رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، فيما كانت أرقام أحزاب المعارضة تتحرك ببطء شديد، متقدمة بخجل عن الصفر مع مرور الوقت.
وقبل انتصاف الليل، كانت الصورة قد اكتملت: فوز تاريخي للحزب الليبرالي الديمقراطي، مقابل خسارة مدوية للمعارضة.
إيزورو ماكيهارا، أستاذ الدراسات السياسية في مركز أبحاث العلوم والتقنيات المتقدمة باليابان، أشار إلى أن “بعض استطلاعات الرأي توقعت حصول الحزب الليبرالي الديمقراطي على نحو نصف مقاعد البرلمان”، وأضاف في تصريحات لـ”الشرق”: “لكن حصوله على أكثر من ثلثي المقاعد شكّل صدمة حتى لمسؤولي الحزب أنفسهم، قبل أن يكون صادماً للمعارضة”.
وعزا ماكيهارا هذا الفوز الكاسح إلى الدعم الواسع الذي حظيت به رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي عبر الإنترنت، من خلال نشاط مكثف على منصات مثل “إكس” وفيسبوك وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح ماكيهارا، في تصريحاته لـ”الشرق”، أنه “فور حلّ البرلمان أعلنت أحزاب المعارضة الرئيسية تشكيل تحالف الوسط الإصلاحي لخوض الانتخابات ككتلة واحدة. وفجأة وجد الناخبون أنفسهم أمام خيارين: الحزب الليبرالي الديمقراطي الذي يعرفونه جيداً، وتحالف وسطي وليد لم تتضح ملامحه بعد. ويبدو أن كثيرين، في تلك اللحظة، فضّلوا الرهان على الحزب الليبرالي الديمقراطي”.
ومهما تكن أسباب هذا الانتصار الكبير، فإن الأهم، بحسب يو أوتشياما، أستاذ معهد الدراسات السياسية بجامعة طوكيو، هو حصول تاكايتشي على التفويض الشعبي الذي سعت إليه.
وقال أوتشياما لـ”الشرق”، إن “تاكايتشي، عندما أعلنت حلّ البرلمان، خاطبت المواطنين في مؤتمر صحافي مؤكدة أن القرار متروك للشعب الياباني، صاحب السيادة، ليحسم ما إذا كانت جديرة بمنصب رئيسة الوزراء. وقد حسم الشعب خياره ومنحها ثقته”.
نتائج الانتخابات
رفع الحزب الليبرالي الديمقراطي عدد مقاعده في مجلس النواب من 191 مقعداً، كان قد حصل عليها في انتخابات أكتوبر 2024، إلى 316 مقعداً، أي ما يزيد على ثلثي إجمالي مقاعد المجلس البالغ عددها 465 مقعداً. كما فاز حزب الابتكار الياباني، الشريك الجديد في الائتلاف الحاكم، بـ36 مقعداً.
في المقابل، تكبّد أكبر تكتل معارض، المتمثل في تحالف الوسط الإصلاحي الذي يضم الحزب الدستوري الديمقراطي وحزب كوميه، الذي كان قد انسحب من الائتلاف الحاكم مع الحزب الليبرالي الديمقراطي في أكتوبر الماضي بعد شراكة استمرت 26 عاماً.
جاء انسحاب تحالف الوسط الإصلاحي احتجاجاً على وصول ساناي تاكايتشي إلى رئاسة الحزب، وعلى ما اعتُبر “تساهلاً منها في معاقبة نواب تورطوا في فضائح تمويل سياسي”. وقد تراجع تمثيل التحالف في مجلس النواب من 172 مقعداً إلى 49 مقعداً فقط، فيما أعلن زعيما الحزبين المنضويين فيه استقالتهما، متحملين مسؤولية الهزيمة الثقيلة.
ومن أبرز مشاهد هذه الانتخابات أن “تسونامي” الحزب الليبرالي الديمقراطي، اخترق دوائر انتخابية، كانت تُعد معاقل تقليدية لكبار رموز المعارضة، مثل إيتشيرو أوزاوا، ويوكيو إيدانو، وكاتسويا أوكادا. وهي أسماء طُرحت في مراحل سابقة كمرشحين محتملين لرئاسة الوزراء، لكنها وجدت نفسها هذه المرة خارج البرلمان.
كما سجّل حزب “سانسيتو” اليميني الصاعد، تقدماً لافتاً، إذ رفع عدد مقاعده من مقعدين إلى 15 مقعداً.
مستقبل اليابان
لم تشهد اليابان انتخابات تشريعية في شهر فبراير منذ 36 عاماً، نظراً لتزامن هذا الشهر عادة مع فترة الامتحانات الدراسية وتقلبات الطقس الحادة.
ورغم البرد والثلوج، استجاب الناخبون لدعوة تاكايتشي للمشاركة في انتخابات وصفتها بأنها “ستحدد مستقبل اليابان”. ويمكن القول إنها استثمرت رصيدها الشعبي إلى أقصى حد، وحصلت على تفويض فاق التوقعات.
غير أن هذا التفويض الواسع يضعها أمام اختبار صعب؛ فإذا لم تُترجم وعودها سريعاً إلى نتائج ملموسة تحسن الأوضاع المعيشية في ظل تضخم غير مسبوق وارتفاع في الأسعار، فقد تتحول الآمال إلى خيبة أمل. فالوصول إلى القمة لا يترك سوى خيارين: البقاء عليها أو الانحدار منها.
وقال يو أوتشياما، أستاذ معهد الدراسات السياسية بجامعة طوكيو، إن “الفوز الكاسح سيجعل من الصعب على أي سياسي داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي معارضة تاكايتشي، كما أن الهزيمة الكبيرة لتحالف الوسط الإصلاحي، أكبر كتل المعارضة، ستؤدي إلى إضعاف صوت المعارضة داخل البرلمان”.
وأضاف: “لهذا أعتقد أن حكومة تاكايتشي مرشحة للبقاء في السلطة لفترة طويلة. وإذا لم تتراجع نسبة التأييد الشعبي خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة، فقد نشهد حكومة طويلة الأمد تُضاهي حكومتي كويزومي وآبي، اللتين استمرتا نحو ثماني سنوات”.
أما إيزورو ماكيهارا أستاذ الدراسات السياسية في مركز أبحاث العلوم والتقنيات المتقدمة، فيرى أن أسلوب رئيسة الوزراء تاكايشي السابق في اتخاذ القرارات بمفردها دون تشكيل فريق استشاري، يجعل من الصعب تخيل استمرار إدارتها لمدة طويلة.
ومع ذلك، كما يستدرك ماكيهارا، فإنه “إذا غيرت أسلوبها وشكلت فريقاً موحداً عبر الحكومة والحزب الحاكم، كما حدث عند انطلاق الحكومة الثانية لآبي، فقد تصبح الإدارة طويلة الأمد ممكنة”.
آمال ومخاوف
قال تاكوما آوكي، وهو طبيب قلب شاب، لـ”الشرق”، إنه منح صوته لحزب تاكايتشي، موضحاً أن “المشهد في هذه الانتخابات كان واضح المعالم: معسكر محافظ في مواجهة معسكر ليبرالي. وبسبب قلقي من قضايا مثل الارتفاع السريع في أعداد الأجانب والضرائب، قررت دعم المعسكر المحافظ الذي يمثله الحزب الليبرالي الديمقراطي”.
وأضاف: “أعتقد أن تاكايتشي صريحة وتتحدث بلغة قريبة من المواطنين، كما أظهرت شخصية قوية عندما رفضت الاعتذار للصين. لكنني قد أسحب دعمي إذا لم تتمكن من إقناع بقية المسؤولين بدعم خططها، أو إذا لجأت إلى أسلوب فرض الرأي والتنمر على المعارضة”.
في المقابل، أعرب كازوآكي موراماتسو، وهو صاحب شركة استشارات في طوكيو في الأربعينيات من عمره، عن قلقه من الفوز الكبير الذي حققته تاكايتشي، معتبراً أن ذلك قد يدفع اليابان نحو مزيد من الانزياح إلى اليمين.
وأوضح لـ”الشرق”، أن مصدر قلقه الرئيسي يتمثل في احتمال استمرار التوتر في العلاقات مع الصين، مضيفاً: “صوتُّ لحزب معارض، رغم أنني لا أعرف الكثير عن مرشحيه، لأنني أردت أن يساهم صوتي في تقليص حجم فوز الحزب الليبرالي الديمقراطي”.
عسكرة اليابان
ورغم مرور ثلاثة أشهر على التصريحات التي أثارت توتراً في العلاقات بين طوكيو وبكين، عندما تحدثت تاكايتشي عن إمكانية استخدام القوة العسكرية في حال تعرضت تايوان لهجوم صيني، لا تزال الصين تفرض قيوداً على الفعاليات الثقافية اليابانية، وتواصل تحذير مواطنيها من السفر أو الدراسة في اليابان. وقد أدى ذلك إلى تراجع عدد السياح الصينيين إلى اليابان بنحو 50% خلال هذه الفترة.
ويبدو أن الفوز الكاسح الذي حققته تاكايتشي، والذي يعزز فرصها في الدفع نحو تعديل الدستور السلمي للبلاد، زاد من حذر بكين تجاهها. فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، إن بلاده “تأمل أن تسلك اليابان مسار التنمية السلمية، وألا تكرر أخطاء النزعة العسكرية”، مشيراً إلى مخاوف من أن تمهّد نتائج الانتخابات الطريق أمام تاكايتشي، المعروفة بمواقفها الأمنية المتشددة، لتعزيز القدرات الدفاعية لبلادها وتسريع النقاشات بشأن تعديل الدستور.
ودعا لين تاكايتشي مجدداً إلى التراجع عما وصفها بتصريحاتها “الخاطئة” بشأن تايوان، وحثها على إظهار التزامها بالحفاظ على أسس العلاقات الصينية اليابانية من خلال “إجراءات ملموسة”.
ترمب وتاكايتشي
وتعتزم تاكايتشي القيام بزيارة دولة إلى الولايات المتحدة في 19 مارس المقبل، بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أعلن عن الزيارة خلال الحملة الانتخابية اليابانية.
وقال ترمب في منشور على إحدى منصات التواصل الاجتماعي: “رئيسة الوزراء تاكايتشي شخصية تستحق تقديراً قوياً لما تقوم به هي وائتلافها. وبصفتي رئيس الولايات المتحدة الأميركية، يشرفني أن أقدم لها ولائتلافها المحترم تأييداً كاملاً وشاملاً”.
هذا التأييد من ترمب يخالف التقاليد المعروفة بعدم تأييد زعيم أي دولة لشخصية سياسية معينة قبل الانتخابات الوطنية في بلد أجنبي. ولكن يبدو أن ترمب كان يرغب بأن تحافظ تاكايشتي على وعدها له عندما زار اليابان في أكتوبر الماضي، بأن تقدم للولايات المتحدة خلال زيارتها 250 شجرة كرز يابانية احتفالاً بمرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة.
وستتصدر أجندة القمة تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، ودور اليابان الإقليمي في مواجهة توسع النفوذ الإقليمي للصين.
صيف ساخن ينتظر اليابان
وسيعقد البرلمان الياباني جلسة خاصة في 18 فبراير؛ لإعادة انتخاب تاكايتشي رئيسة للوزراء، وستعلن تشكيلتها الوزارية في نفس اليوم، وستبدأ الحكومة الجديدة مباشرة وفقاً لتاكايتشي، بصياغة قانون لتخفيض ضريبة استهلاك المواد الغذائية من 8 % إلى صفر لمدة عامين.
وبحلول الصيف، ستطرح تاكايتشي مسودة لاستراتيجية جديدة للأمن القومي الجديدة تشمل إمكانية السماح بتواجد سلاح نووي أميركي على الأراضي اليابانية لتعزيز قدرة المظلة النووية الأميركية على حماية اليابان.
كما أعلنت تاكايتشي في أول مؤتمر صحافي لها، بعد الفوز، اعتزامها تعديل الدستور قائلة “الدستور يجسد الشكل المثالي لأمتنا، وبينما أبقي نظرة ثابتة على مستقبل هذا البلد، سأواصل خوض تحدي تعديل الدستور. فالمستقبل ليس شيئاً يُمنح لنا ببساطة”.
ويوافق الخامس عشر من أغسطس، ذكرى استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، وفي هذا اليوم يزور اليابانيون معبد ياسوكوني المكرس لتكريم ضحايا الحروب اليابانية، ومن بينهم قادة يابانيون أدينوا بجرائم حرب بعد الحرب العالمية الثانية.
وكانت تاكايتشي تحرص على زيارة المعبد في هذه المناسبة، حتى عندما كانت تتولى مناصب وزارية.
وفي إشارة إلى زيارة محتملة لياسوكوني، الذي تعتبره الدول التي عانت من العدوان الياباني في زمن الحرب، وفي مقدمتها الصين، رمزاً لتاريخ الاستعماري لليابان، قالت تاكايتشي في برنامج تلفزيوني “لقد كنت أحاول تهيئة الظروف المناسبة، وسأسعى إلى الحصول على تفهم من الدول الحليفة، والمجاورة”.
