نور بنت محمد الشحري
في ظلّ النقاشات الفكرية المتجددة حول مفاهيم السلام والتعايش والدبلوماسية الحضارية، تبرز الحاجة إلى قراءة هذه الطروحات من أكثر من زاوية، لا بقصد نفيها أو التقليل من أهميتها، بل بهدف تعميق فهمها وقياس أثرها بعيد المدى. فالمفاهيم الكبرى، حين تنتقل من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة، تستدعي مُراجعة هادئة توازن بين المقاصد المُعلنة والنتائج المتحققة، وبين ما يُدار في الخارج وما يتشكّل في الداخل.
لقد قرن الإسلام السِّلم بالعدل والقوة معًا، فقال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.
هذا التلازم القرآني لا يُقرأ بوصفه توجيهًا ظرفيًا، بل قاعدة منهجية تؤكد أن السلام في التصور الإسلامي خيار القادر الواثق، لا نتيجة تردد أو خشية من الاختلاف.
من هذا المنطلق، يبرز التساؤل حول “الدبلوماسية الحضارية” حين تُقدَّم بوصفها نهجًا دائمًا لا أداة مرحلية. فالإشكال لا يكمن في الحوار ذاته، بل في أثر الخطاب المصاحب له على الوعي الداخلي، خصوصًا لدى فئة الشباب. فعندما يُقال للشاب، صراحة أو ضمنًا، إن عليه أن يخفف حضوره الديني، أو يتحفظ في إظهار شعائره، أو ينتقي لغته وسلوكه حتى لا يُساء فهمه أو يُصنَّف، فإنَّ السؤال المشروع لا يكون عن النية بقدر ما يكون عن السياق: في أي بيئة يُطلب ذلك؟ ولصالح أي ثقافة؟ وبأي ميزان قوة؟
في الغالب، لا يصدر هذا الطلب عن توجيه رسمي، بل يتشكّل داخل مجتمعات نسعى إلى كسب قبولها باسم الدبلوماسية الحضارية، أو في فضاءات اختلاط تكون فيها الهيمنة الثقافية للطرف الآخر لا لنا. هناك، يعمل ضغط اجتماعي ناعم تمارسه بيئات التعليم والعمل والعلاقات العامة، حيث يُكافأ التماهي مع السائد ويُحرج التمايز، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه عبئًا لا قيمة مضافة. ومع الوقت، يتعلّم الشاب من باب التكيّف لا القناعة أن الاعتزاز يحتاج إلى تبرير، وأن السلام يُقاس بمدى خفض الحضور لا بوضوح الموقف. وهنا لا يحدث الصدام، بل يبدأ التنازل الصغير الذي يتبعه آخر، حتى يتحول التراجع إلى سلوك مألوف لا يُلتفت إليه، لأنه جرى في بيئة لا نملك فيها تعريف المعايير ولا ضبط الإيقاع.
غير أنَّ التجربة الواقعية تُظهر أن الحدود الواضحة كانت في كثير من الأحيان سببًا للتماسك لا للنفور. فكثير من الشباب تمسكوا بدينهم لأن هويتهم كانت موضع سؤال، لا لأنهم ذابوا في محيطهم. بل إن عددًا من غير المسلمين انجذبوا إلى الإسلام إعجابًا بما لمسوه من ثبات أخلاقي وروابط أسرية ورحمة وتكافل، رأوها في مسلمين لم يخفوا قيمهم ولم يعتذروا عن هويتهم، خاصة في بيئات الدراسة والعمل. ما جذبهم لم يكن خطابًا مُلطّفًا، بل حضورًا صادقًا ومتوازنًا.
ويزداد هذا المسار تعقيدًا في ظل فضاءات التواصل الرقمي، حيث لم تعد الهيمنة الثقافية مرتبطة بالمكان الجغرافي وحده، بل باتت حاضرة في الهاتف والشاشة واللغة اليومية. ففي العالم الرقمي، تُعاد صياغة المعايير بسرعة، ويُكافأ الخطاب الأكثر توافقًا مع السائد عالميًا، بينما يُحرج الاختلاف أو يُؤطر بوصفه تشددًا أو خروجًا عن الإجماع. هنا لا تُمارَس الدبلوماسية الحضارية عبر القنوات الرسمية فقط، بل تتحول إلى سلوك رقمي يومي غير معلن، يتعلّم فيه الشاب دون توجيه مباشر ما يُفضّل إظهاره وما يُستحسن إخفاؤه. ومع غياب المرجعية الواعية، يعمل التواصل الرقمي على تسريع ما بدأته الهيمنة الثقافية في الواقع، لا عبر المنع، بل عبر إعادة تعريف المقبول.
هذا المسار ليس وليد اللحظة؛ فقد عرفت المنطقة عبر تجارب تاريخية ممتدة كيف يمكن لاختلال موازين القوة أن يُحدث أثرًا تراكميًا في اللغة والقيم وأنماط التفكير. لم يكن ذلك نتيجة قرارات فجائية، بل حصيلة تنازلات صغيرة وإعجاب غير واعٍ بالنموذج الأقوى وتقديم “الأسهل” على “الأثبت”. ومع مرور الوقت، تتراجع الخصوصية الثقافية تدريجيًا دون صدام، حتى يصبح التراجع واقعًا مألوفًا لا يُلتفت إليه.
في المقابل، تقدّم التجربة العُمانية نموذجًا متزنًا في إدارة التعايش دون التفريط في الكلمة. فقد مارست سلطنة عُمان الحوار والوساطة والانفتاح، لكنها لم تطلب من أبنائها خفض صوت هويتهم، ولم تجعل السلام مرادفًا للصمت عن الحق. تغيّرت الأدوات وبقي الموقف، وثبتت البوصلة الأخلاقية، كما تجلّى ذلك في المواقف السياسية والدينية الواضحة تجاه العدوان على الشعب الفلسطيني. ويتسق هذا المسار مع توجيهات القيادة في إعداد نشءٍ معتز بهويته، منفتح على العالم بوعي، وهو ما أكدته رؤية عُمان 2040 حين جعلت الإنسان محور التنمية والهوية الوطنية ركيزة للاستدامة.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن الدبلوماسية الحضارية ليست إشكالًا في ذاتها، بقدر ما تصبح إشكالًا حين تُمارَس بمعزل عن سياقها الاجتماعي والثقافي، أو حين يُترك أثرها الداخلي دون قراءة نقدية. ومع تراجع الدور التقليدي للمدرسة في تشكيل الوعي القيمي، واتساع أثر الفضاء الرقمي، يبرز الإعلام اليوم بوصفه خط الدفاع الأخير عن الهوية؛ لا لأنه يفرض قيمًا، بل لأنه يعيد تعريف المقبول، ويضبط نبرة الخطاب، ويحمي مساحة الاعتزاز الواعي دون انغلاق. فالإعلام المسؤول لا يُخاصم السلام، ولا يُجامل على حساب المعنى، بل يحوّل الحوار إلى ممارسة واثقة تحفظ الخصوصية وتُحسن إدارة الاختلاف.
إن المراجعة المطلوبة ليست تراجعًا عن العالم، ولا انكفاءً عن الحوار، بل إعادة تموضع تضمن أن يبقى الانفتاح وعيًا لا ذوبانًا، وأن يظل التعايش إدارةً للاختلاف لا فقدانًا للتمايز؛ فالسلام الذي لا يحمي الهوية لا يستدام، والإعلام الواعي هو الضامن الأخير لهذا التوازن.
