يقود وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وفداً كبيراً إلى مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث يأمل القادة الأوروبيون، الذين يتزايد قلقهم بشأن العلاقات مع واشنطن، في الحصول على هدنة ولو قصيرة من سياسات الرئيس دونالد ترمب المتضاربة، وتهديداته التي زعزعت العلاقات عبر الأطلسي.
وبعد عام من إثارة نائب الرئيس جيه دي فانس دهشة كبار الشخصيات التي كانت حاضرة خلال الدورة السابقة من المؤتمر بهجومه اللفظي على العديد من أقرب حلفاء أميركا في أوروبا، متهماً إياهم بتعريض الحضارة الغربية للخطر من خلال برامج محلية ذات ميول يسارية وعدم تحمل مسؤولية دفاعهم، يعتزم روبيو اتباع نهج أقل حدة، ولكنه مشابه من الناحية الفلسفية، عندما يلقي كلمته أمام الاجتماع السنوي لقادة العالم ومسؤولي الأمن القومي السبت، وفق ما ذكرت وكالة “أسوشيتد برس”.
وقبل صعوده إلى الطائرة مساء الخميس، أدلى روبيو ببعض الكلمات المطمئنة، واصفاً أوروبا بأنها “مهمة للأميركيين”. وقال للصحافيين: “نحن مرتبطون ارتباطاً وثيقاً بأوروبا”.
وأضاف: “يستطيع معظم الناس في هذا البلد تتبع أصولهم، سواءً الثقافية أو الشخصية، إلى أوروبا. لذا، علينا أن نتحدث عن هذا الأمر”.
لكن روبيو أوضح أن الأمور لن تسير كالمعتاد، قائلاً: “نعيش في عصر جديد في الجغرافيا السياسية، وسيتطلب ذلك منا جميعاً إعادة النظر في شكل هذا العصر”.
“نبرة هادئة بعد صدمة فانس”
ولم يُقدّم الإعلان الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية عن رحلة روبيو أي تفاصيل حول زيارته لميونيخ والتي ستستغرق يومين، وسيتوجه بعدها إلى سلوفاكيا والمجر.
لكن المسؤولين، الذين تحدثوا للوكالة شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، قالوا إن كبير الدبلوماسيين الأميركيين يعتزم التركيز على مجالات التعاون في القضايا العالمية والإقليمية المشتركة، بما في ذلك في الشرق الأوسط وأوكرانيا، بالإضافة إلى الصين، القوة الاقتصادية العظمى التي “تسعى إلى استغلال حالة عدم اليقين في العلاقات الأميركية الأوروبية”، حسب “أسوشيتدبرس”.
وشعر الكثير من الحضور بالارتياح بعد الصدمة التي تعرضوا لها جراء انتقادات فانس اللاذعة العام الماضي، ثم سلسلة تصريحات وتحركات ترمب في الأشهر اللاحقة، والتي استهدفت جميع دول أوروبا تقريباً، وكندا، وحلفاءه القدامى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويتعين على روبيو بذل جهد كبير لتهدئة المخاوف الأوروبية، إذ كانت تصريحات ترمب الأخيرة بشأن السيطرة على جزيرة جرينلاند من الدنمارك، العضو في حلف الناتو، والإهانات التي وجهها إلى العديد من القادة، مثيرة للقلق بشكل خاص، ما دفع الكثيرين في أوروبا إلى التشكيك في قيمة الولايات المتحدة كحليف وشريك.
ويضع هذا روبيو أمام مهمة شاقة إذا أراد تهدئة الأوضاع. وقال روبيو، الخميس، إنه يتوقع أن يُسأل عن جرينلاند. وأضاف: “كما تعلمون، نحن نعمل على ذلك. ونحن متفائلون بشأنه”.
“أزمة ثقة ومصداقية”
وقالت كلوديا ماجور، نائبة رئيس صندوق مارشال الألماني في برلين، إن خطاب فانس العام الماضي، كان “لحظة صادمة حقاً”. وأضافت: “اعتُبر ذلك أول بيان واضح للغاية حول توجهات إدارة ترمب الجديدة، أي أن الأوروبيين لم يعودوا شركاء”.
وأضافت: “هناك شك كبير حول ما إذا كان أساس الثقة لا يزال قائماً، وما إذا كنا لا نزال نتشارك الرؤية نفسها للعلاقة عبر الأطلسي”. وتابعت: “كلما طال أمد هذا التباعد، كلما ازدادت صعوبة إعادة بناء علاقة متينة”.
وأبدى رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن، فولفجانج إيشينجر، رأياً مماثلاً. وقال هذا الأسبوع: “تمر العلاقات عبر الأطلسي حالياً بأزمة ثقة ومصداقية حادة”. لكنه أعرب أيضاً عن أمله في أن يقدم روبيو وعشرات المشرعين الأميركيين المتوقع حضورهم الاجتماع رؤية أقل تشاؤماً للمستقبل.
ويتبنى بعض القادة موقفاً معتدلاً تجاه ترمب، بينما يرى آخرون ضرورة للانفصال عن أميركا.
وحاول المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي سيلتقيه روبيو الجمعة، تبني موقف وسط للتعامل مع عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات ترمب وإصراره على العلاقات القائمة على المصالح المتبادلة.
وقال إن أوروبا بحاجة أيضاً إلى “تعلم لغة السياسة القوية” لتأكيد ذاتها، من خلال تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، والسعي لتحقيق “استقلال تكنولوجي” أكبر، وتعزيز نموها الاقتصادي. لكنه شدد على أنه “بصفتنا دولاً ديمقراطية، نحن شركاء وحلفاء ولسنا تابعين” للولايات المتحدة.
طريق المواجهة
ويبدو أن البعض، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، قد تخلوا تماماً عن ترمب والولايات المتحدة. فقد افتتحت كل من كندا وفرنسا قنصليتين في نوك، عاصمة جرينلاند، الأسبوع الماضي، في بادرة دعم لكل من جرينلاند والدنمارك.
وحذر ماكرون هذا الأسبوع، من أن التوترات بين أوروبا والولايات المتحدة قد تتصاعد بعد “لحظة جرينلاند” الأخيرة. ووصف إدارة ترمب بأنها “معادية لأوروبا بشكل علني” وتسعى إلى “تفكيك” الاتحاد الأوروبي.
وقال الرئيس الفرنسي في مقابلة مع عدد من الصحف الأوروبية: “عندما يكون هناك عمل عدواني واضح، أعتقد أن ما يجب علينا فعله ليس الخضوع أو محاولة التوصل إلى تسوية”. أعتقد أننا جربنا هذه الاستراتيجية لأشهر، لكنها لم تُجدِ نفعاً.
وأشار ماكرون إلى “أزمة مزدوجة: لدينا تسونامي صيني على الصعيد التجاري، ونشهد عدم استقرار متواصل على الجانب الأميركي”.
وكارني، الذي لاقى استحساناً واسعاً لتصديه لترمب في خطاب ألقاه الشهر الماضي، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، لم يُخفِ إحباطه ونفاد صبره من الرئيس الجمهوري.
وبرز كارني كقائد لحركة تدعو الدول إلى إيجاد سبل للتعاون ومواجهة الولايات المتحدة. وتعهد بالسعي إلى إبرام اتفاقيات تجارية مع دول أخرى غير الولايات المتحدة، بما فيها الصين، لتكون بمثابة ركائز للاستقرار التجاري.
وأثارت الصفقة التجارية التي أبرمها كارني مع الصين تهديدات جديدة من ترمب.
وبالنسبة للكثيرين في أوروبا، فإن نوايا ترمب بشأن جرينلاند، فاقمت مخاوفهم من الحرب الروسية الأوكرانية، وذكرتهم بقرون من سياسات القوة التي كانت فيها الدبلوماسية تالية على استخدام القوة العسكرية.
وقالت فيونا هيل، الخبيرة في الشؤون الروسية والتي عملت في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض خلال ولاية ترمب الأولى: “تُعدّ جرينلاند بالنسبة لترمب بمثابة أوكرانيا بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإن كان ذلك بالطبع دون الحرب المدمرة في هذه المرحلة”.
