قالت رابطة الصحفيين السوريين، إنه رغم الانفتاح والتحولات الجوهرية والمفصلية في المشهد السوري العام، والتي انعكست بشكل مباشر على واقع العمل الإعلامي، فإن التحديات الأمنية والميدانية لا تزال قائمة.

ووثقت الرابطة في تقريرها السنوي، الذي أصدرته الخميس 12 من شباط خلال فعالية حضرتها، تحت عنوان: “حرية الصحافة في سوريا 2025.. تحوّل المشهد وتحديات الحماية”، 49 انتهاكًا جديدًا بحق الحريات الإعلامية خلال العام، في تحول جغرافي لافت.

وتوزعت الانتهاكات على محافظات السويداء والقنيطرة والحسكة بنسبة 80%، بينما سجل التقرير خلو محافظة إدلب من الانتهاكات لأول مرة منذ عام 2012.

ولفت التقرير إلى أن هذا التباين يؤكد أن التحدي اليوم لم يعد مرتبطًا بسياسة مركزية بقدر ارتباطه بتعدد الفاعلين الميدانيين، وتدخلات قوى إسرائيل في الجنوب، والتضييقات المستمرة في مناطق أخرى من أطراف لا تزال تنتهج سياسة القيود والاحتجاز.

حماية الصحفيين قبل وقوع الانتهاك

نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين، عماد الطواشي، قال ل، إن التقرير يمثل انتقالًا في عمل النقابات من توثيق الانتهاكات إلى التركيز على حماية الصحفيين قبل وقوع الانتهاك وبعده، مع التأكيد على أهمية التنظيم الذاتي للقطاع الإعلامي.

التقرير استعرض السياق التاريخي للانتهاكات منذ عام 2011 حتى ما قبل سقوط النظام، إضافة إلى تحولات المشهد الإعلامي في سوريا الجديدة، ورصد دخول جهات جديدة على خط الانتهاكات، بينها إسرائيل، فضلًا عن ظهور أنماط جديدة استندت إلى قوانين موروثة تتيح اعتقال الصحفيين، وفقًا للطواشي.

وكان من أبرز ما وثقه التقرير، مقتل ثلاثة إعلاميين، منهم اثنان في السويداء، والثالث في ريف دمشق، ليرتفع بذلك عدد القتلى الإعلاميين الذين وثقهم المركز منذ عام 2011 إلى 482 إعلاميًا.

كما وثق إصابة وضرب ثمانية إعلاميين آخرين، فيما بلغت حالات الاعتقال والاحتجاز تسع حالات.

وسجل التقرير ثلاثة انتهاكات بحق مؤسسات إعلامية، إضافة إلى تسجيل ثمانية انتهاكات تمثلت بالمنع من التغطية.

وخلص التقرير إلى عدة توصيات، هي:

• حماية الصحفيين من الاعتقال التعسفي، وتوفير بيئة تمنع الإفلات من العقاب، هي مصلحة وطنية عليا.

• إقرار قانون إعلام عصري ينسجم مع المعايير الدولية، وإلغاء أو تعديل النصوص القانونية الفضفاضة التي تُستخدم لتقييد حرية التعبير.

• تنفيذ العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد الصحفيين.

• تكريس الحق في الوصول إلى المعلومات ضمن تشريع مستقل وإصدار تشريع واضح وحازم يجرم ويكافح خطاب الكراهية.

• إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الإعلام، وضمان استقلال القضاء في القضايا المتعلقة بحرية التعبير، وتعزيز آليات المساءلة عن الانتهاكات.

• دعم التنظيم النقابي المستقل، وتوفير برامج حماية ودعم للصحفيين، وتعزيز التدريب على الصحافة الأخلاقية والآمنة.

• مطالبة المجتمع الدولي بدعم الإعلام المستقل ماديًا وتقنيًا، ودعم آليات التوثيق والمساءلة الدولية.

إجراءات عاجلة

نائب رئيس الرابطة، عماد الطواشي، قال إن الرابطة طرحت إجراءات عاجلة لتنظيم القطاع، من بينها إنشاء مجلس للصحافة، وجمعية للناشرين، وهيئة لتنظيم البث، ووضع مسودات لقوانين إعلام، إضافة إلى مقترح إنشاء محاكم مختصة بقضايا الصحفيين للحد من التوقيفات.

وأكد أن الهدف لا يقتصر على توثيق الأرقام، بل إعادة هيكلة القطاع وتعزيز الحماية.

ولفت إلى أن الانتهاكات المسجلة خلال عام 2025 من قبل السلطات الحكومية كانت طفيفة، مشيرًا إلى وجود تجاوب من وزارة الإعلام في تطوير البنية التحتية للقطاع، بما في ذلك تسهيل الترخيص للمؤسسات الإعلامية، بل والتدخل أحيانًا للإفراج عن صحفيين.

وختم بالتأكيد على أن المرحلة تتطلب شراكة بين النقابات المهنية ووزارة الإعلام، بعيدًا عن منطق المواجهة، وصولًا إلى تنظيم ذاتي يضمن أفضل سبل الحماية للصحفيين السوريين.

سلامة الصحفيين وحمايتهم

فعالية إطلاق رابطة الصحفيين السوريين لتقريرها السنوي استمرت أكثر من أربع ساعات، ورافقتها ندوة حوارية تحت عنوان “مسؤولية الرعاية.. دور المؤسسات الصحفية بحماية الصحفيين والطواقم الإعلامية”، قدمها الاتحاد الدولي للصحفيين.

واستعرضت الندوة أهمية حماية الصحفيين، وأشكال الخطر التي قد تواجههم، متطرقة لدور المؤسسات الإعلامية في حماية العاملين لديها.

مسؤول المشاريع والسلامة المهنية في الاتحاد الدولي للصحفيين، ندير صنهاجي، اعتبر أن للصحفي دورًا أساسيًا في المجتمع من خلال مساعدته الجمهور على فهم الواقع، وأن التزامه بأخلاقيات المهنة يسهم في توجيه الرأي العام بشكل إيجابي.

وأشار صنهاجي في حديثه ل إلى أن الصحفيين، في سوريا كما في العالم، يواجهون تحديات متزايدة، خاصة في الجانب الرقمي والتكنولوجي، ما يستدعي نقاشًا جديًا تشارك فيه المؤسسات الإعلامية والجهات الحكومية والصحفيون أنفسهم.

وأوضح أن تطور الصحافة من الورقية إلى الإذاعة فالتلفزيون وصولًا إلى منصات التواصل الاجتماعي، فرض تحديات جديدة تتطلب معالجة جماعية، بهدف التوصل إلى خطاب متوافق عليه يعزز دور الصحافة على المدى الطويل.

وشدد صنهاجي على الارتباط الوثيق بين حرية الصحافة وسلامة الصحفيين، مبينًا أن توفير بيئة آمنة ومعدات حماية وبروتوكولات واضحة داخل المؤسسات الإعلامية ينعكس مباشرة على جودة المحتوى.

المؤسسة الإعلامية تتحمل المسؤولية الأولى عن سلامة الصحفي، إلى جانب مسؤولية الصحفي الشخصية ودور الدولة، بحسب تعبيره.

وفيما يتعلق بآليات التطبيق، أشار إلى أن الخطوة الأولى تتمثل في نشر الوعي بثقافة السلامة المهنية، تليها مفاوضات بين النقابات والمؤسسات لإبرام اتفاقيات ملزمة تتضمن بروتوكولات واضحة للحماية.

كما أكد ضرورة التزام الصحفي بإجراءات أساسية قبل التوجه إلى المهام، لا سيما في المناطق الخطرة، معتبرًا أن هذه الإجراءات ليست معقدة بل تتطلب إقرارًا ووعيًا وإصرارًا على اعتبارها من أساسيات العمل الصحفي.

الحرية الصحفية تتطلب جهدًا أكبر

أحد الحاضرين من الصحفيين المستقلين، والذي يعمل مديرًا إعلاميًا للمحكمة الدولية للتحكيم، زهير عبد العال، اعتبر أن عام 2025 شهد مساحة أوسع من الحريات بعد مرحلة التحرير، حيث تمكن الصحفيون من التعبير عن آرائهم بحرية أكبر، إلا أن الوصول إلى الحرية الصحفية المنشودة لا يزال يتطلب جهدًا إضافيًا.

وأوضح في حديثه ل، أن دور الصحفيين، سواء المستقلين أو العاملين ضمن مؤسسات، وبالتعاون مع روابط واتحادات الصحفيين، يتمثل في إيصال صوتهم إلى الدولة والمطالبة بهامش أوسع من الاستقلالية، مؤكدًا أن الصحافة سلطة رقابية على الدولة، ولا يمكن أن تؤدي دورها في المساءلة إذا كانت خاضعة للقوانين التي تضعها الجهة نفسها التي يُفترض مساءلتها.

وشدد عبد العال على أهمية توفير الحماية من قبل المؤسسات الإعلامية للعاملين لديها، سواء من خلال المعدات اللازمة أو تحمل المسؤولية في حال تعرض الصحفي لخطر جسدي أو نفسي أو رقمي.

كما أشار إلى تعرض صحفيين لابتزاز وتهديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا ضرورة أن تتحمل المؤسسات مسؤولية حمايتهم بالتنسيق مع الجهات المعنية.

انتهاكات 2024

وثق مركز الحريات الصحفية التابع للرابطة، في تقريره السنوي عن الحرية الصحفية في 2024، تصدّر النظام السوري السابق قائمة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات ضد الصحفيين، إذ ارتكب 16 انتهاكًا من أصل 35 انتهاكًا موثقًا، في مناطق سيطرته.

كما كان النظام السوري مسؤولًا عن مقتل تسعة إعلاميين قبل سقوطه.

وللمرة الأولى، دخلت القوات الإسرائيلية قائمة الجهات المنتهكة، حيث سجلت انتهاكًا ضد إعلامي في جنوبي سوريا.

وانخفضت حالات المنع من التغطية والتهديدات مقارنة بالسنوات التي سبقتها، حيث وثق المركز خمسة انتهاكات فقط في هذه الفئة.

كما لوحظ غياب الانتهاكات ضد المؤسسات والمراكز الإعلامية، بعد انخفاضها التدريجي منذ عام 2020.

سجال بين “الرابطة” ووزارة الإعلام

كانت رابطة الصحفيين السوريين رفضت “مدونة سلوك” التي ستطلقها وزارة الإعلام السورية منتصف شباط الحالي، متحدثة عن بطلان الوصاية الحكومية في ظل الإعلان الدستوري.

وقالت الرابطة إنها تابعت بقلق إعلان وزارة الإعلام حول نيتها إطلاق ما سمّته “مدونة سلوك مهني” في 15 من شباط الحالي، موضحة أنها تنطلق من مسؤوليتها في حماية مكتسبات العمل النقابي، وصون حرية الصحافة في المرحلة الانتقالية.

وزارة الإعلام ردت على هذا الرفض بأنها تمد يدها للجميع دون استثناء، للتشاركية في وضع أسس ومعايير ناظمة لتطوير البيئة الاعلامية الحالية، بما يضمن الإعلام الحر، المهني، والمسؤول.

وبررت الرابطة في بيان نشرته في 7 من شباط، رفضها الذي وصفته بـ “القاطع” لهذا التوجه، لعدة محددات وطنية ونقابية وقانونية.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.